No Result
View All Result
روناهي/ الطبقة ـ رغم سنوات الرعب والعزلة من 2013 إلى 2017 تحت سيطرة مرتزقة داعش، لم تتخلَّ “سحر السيد” عن شغفها بالرسم داخل المنزل، وبعد تحرير الطبقة في أيار 2017 على يد قوات سوريا الديمقراطية، تحوّل الألم إلى إبداع، لتروي من خلال لوحاتها صمود المرأة وإصرارها على الحرية والفن.
تجلس سحر السيد (٣٥ عاماً) بمكتب الرسم في مركز الثقافة والفن بالطبقة، الريشة في يدها تتحرك ببطء على الورقة، وأحياناً تتوقف لحظة لتفكر في اللون والظل.
بداية مسيرتها الفنية
وخلال لقاء مع صحيفتنا “روناهي” أوضحت سحر في بداية حديثها: “الألوان الزيتية كانت تخيفني في البداية، أما اليوم، كل لوحة أرسمها تمنحني شعوراً بالحرية والسلام الداخلي، وكأنني أترجم كل ذكريات طفولتي وحلمي الأول (بحيرة البجع)”.
وتتميز أعمالها بتباين الضوء والظل، ما يمنح الشخصيات والمشاهد الطبيعية حياة وعمقاً، وكأن كل لوحة نافذة إلى عالمها الداخلي. وفي المكتب، كل زاوية تحكي قصة مسيرتها، بداياتها مع الدمى والقلم الفحم، تعلم الرسم بالقلم الرصاص والقلم الناشف، ومرحلة رسم الوجوه الواقعية، كل لوحة تحمل جزءاً من حياتها، وأخرى تروي تجربة المرأة وصمودها في مجتمع لم يكن متقبلاً للفن، وخصوصاً فن المرأة.
فالقصة ليست مجرد فن، بل رحلة امرأة صنعت من الرسم ملاذاً لنفسها، رحلة سحر منذ بحيرة البجع في المنزل إلى مكتب الرسم بالطبقة تعكس الصبر والمثابرة، وتجسد شعورها بالتحرر الداخلي عند استخدام الألوان، رغم الخوف الأولي منها، لتصبح لوحاتها انعكاساً لروح المرأة وصمودها. واستذكرت “سحر” أول لوحة فنية رسمتها: “كنت بعمر عشر سنوات، عمّي ووالدي شجعاني على الرسم. رسمت بحيرة البجع لأول مرة، ومن ثم تطورت تدريجياً، مستخدمة الفحم، الرصاص، والقلم الناشف، حتى واجهت خوفي من الألوان الزيتية”.
فالبيئة حول سحر لم تكن داعمة، الطبقة كانت فقيرة فنياً، والمجتمع المحافظ لا يرى في المرأة فنانة حقيقية، حتى قبل الحرب، المعارض كانت محدودة، والفرص شبه معدومة، تعلمت كل شيء بنفسها، مستخدمةً المنزل أولاً، ثم مكتب الرسم لاحقاً كمكان لإبداعها الفني.
سنوات داعش… الرسم في الظل
وخلال فترة سيطرة مرتزقة داعش على مدينة الطبقة بين 2013 و2017، اضطرت سحر إلى الرسم داخل المنزل فقط، بعيداً عن أي فضاءات عامة أو معارض فنية، لم تكن هناك أدوات متاحة بسهولة، والبيئة المحيطة كانت مليئة بالخوف والرقابة والتوتر اليومي، كل لوحة رسمتها كانت متنفساً سرياً للصمود والأمل، تعبيراً عن رغبتها في الحفاظ على فنها وهويتها رغم الظروف القاسية، حيث أشارت: “كل لوحة كنت أرسمها خلال تلك السنوات كانت حكاية صغيرة عن الحرية، طريقة لأشعر أنني أعيش رغم الظلام المحيط بي”.
وبعد تحرير مدينة الطبقة في أيار 2017 على يد قوات سوريا الديمقراطية، استعادت سحر حريتها الفنية، واستطاعت العودة إلى الفضاءات العامة والمعارض، ومواصلة تطوير موهبتها بشكلٍ أوسع وأقوى، حيث أصبح الرسم وسيلة لإعادة بناء روحها وإيصال رسالة صمود المرأة.
ملتقى “فرات ولون”
وأهم محطة فنية لسحر كانت الملتقى الأول للفن التشكيلي في الرقة في 2022 “فرات ولون”، حيث عرضت لوحتين تركزان على تجربة المرأة وكافة ظروف الحياة التي عاشتها، كما شاركت سحر في كافة المعارض الفنية التي أُقيمت في إقليم شمال وشرق سوريا، وكان آخرها مشاركتها بلوحة لإحياء اليوم العالمي للتضامن مع مقاومة كوباني، الذي أُقيم في مدينة كوباني بمقاطعة الفرات في الأول من تشرين الثاني 2025.
وتعكس لوحاتها التي عرضتها، براعة في المزج بين الواقعية والتعبير الرمزي، مع ألوان نابضة تنقل المشاعر الداخلية وتجارب المرأة التي تحكيها أعمالها.
فقالت سحر: “كل لوحة أرسمها تعكس جزءاً مني، من ذكريات طفولتي إلى تجارب الحياة الصعبة، ومن خلال الفن أستطيع أن أحكي قصص المرأة وصمودها”.
طموحات بلا حدود
ولن تتوقف سحر عند حدود ما أنجزته، بل تطمح لإقامة معرض شخصي كبير يجمع كل محطات حياتها الفنية، ويكون منصة لتسليط الضوء على تجربة المرأة والفنانة في إقليم شمال وشرق سوريا، كما تعمل على تطوير أسلوبها الفني واستكشاف تقنيات جديدة، لتوسيع نطاق تأثير فنها ونشر رسائل الإبداع والصمود إلى جمهور أوسع.
وأشارت: “أتمنى أن أقيم معرضاً خاصاً يجمع كل محطات حياتي الفنية… من رسمة بحيرة البجع إلى لوحاتي الحالية التي تحكي عن المرأة والحرية. كل ريشة أضعها اليوم تمنحني شعوراً بالتحرر والاكتمال النفسي”.
مكتب الرسم… فضاء الأمان
فمكتب الرسم في مركز الثقافة والفن بالطبقة أصبح لاحقاً مساحة آمنة لسحر، حيث يوفر لها أدواتها ومساحة للتركيز على فنها، ويمثل مركزاً ثقافياً يساهم في إبراز الحركة الفنية المحلية، هنا وُلدت أعمالها الكبرى، وتحققت إنجازاتها الفنية المتقدمة.
فأعمال سحر تعكس مزيجاً من الذكريات الطفولية، الألم خلال فترة داعش، الصمود، والإبداع الشخصي، كل لوحة، بدءاً من بحيرة البجع وحتى أعمالها المعاصرة، تمثل رحلة المرأة في التعبير عن نفسها والمواجهة مع مجتمع محدود الفن، مع شعور دائم بالتحرر الداخلي عند الرسم. واليوم، تستمر سحر في تطوير فنها في مكتب الرسم بالطبقة، حاملة معها رسائل صمود وإبداع المرأة.
واختتمت “سحر السيد” حديثها: “الفن دائماً يفتح نوافذ جديدة، تماماً كما فتحت لي بحيرة البجع نافذة إلى العالم في طفولتي، ومع كل لوحة أرسمها الآن، أشعر بالحرية التي كنت أحلم بها منذ الطفولة، حتى خلال أصعب الظروف في فترة داعش”.
No Result
View All Result