يُعد الصراع حقيقة كونية وطبيعية، وهو قانون ديالكتيكي يحكم تفاصيل الحياة الكونية عامة، ويسهم هذا الصراع في ترسيخ القيم والمعاني التي تُعد خاصية بشرية، ويرفع من شأنها بل ويطورها ويضمن استدامتها.
ومع مرور الزمن وتجاوز المراحل المتعددة والمختلفة، تحوّل الصراع من أجل البقاء إلى صراع على أحقية الملكية والتملّك، وبمعنى آخر، تحول من كونه صراعاً للحفاظ على الوجود البيولوجي بين الكائنات الحية وضمان التوازن البيئي، إلى صراع سلطوي يُهمش التباينات الاجتماعية والثقافية بهدف الهيمنة على كل شيء، ما أدّى إلى خلل في التوازن المجتمعي، خاصة بعد انتقال هذا الصراع إلى أساس المجتمعية الحقة، أي بين المرأة والرجل، فضعفت بذلك العلاقة التكاملية بينهما.
لم يعد يخفى على أي قارئ للتاريخ بإنصاف، أنّ الرجل السلطوي مارس أشد أشكال العنف بحق المرأة، بعدما كبح جماحها من خلال تقسيم العمل المجحف بحقها، فتم تفريغ طاقاتها وتكبيل إبداعاتها الفكرية عبر تحريف وجودها وتشييئها وتحويل ذلك إلى ما سُمي بالعادات والتقاليد، ليغدو وجودها شكلاً بلا معنى.
ومع تطور وسائل التقنية والمعلوماتية وانتشار الإنترنت في نهاية التسعينات من القرن الماضي، ثم تطور الذكاء الاصطناعي في السنوات القليلة الماضية، تطورت أساليب التعنيف الفيزيائي إلى ما يُعرف بالعنف الرقمي، ليُستخدم كسلاح ضد المرأة، ويُمارس عليها العنف اللفظي والابتزاز الإلكتروني، ما يخلف آثاراً نفسية عميقة تتسبب بعُقد تقيد إرادتها وتعيق نضالها، فتختار الانزواء والعزلة حفاظاً على ما تبقى من ذاتها.
وما زال الرجل السلطوي ذو الذهنية الذكورية الدوغمائية، يستخدم أشكال التعنيف بحق المرأة المناضلة والمتحررة، ويمارس حربه بالوكالة في المرحلة الراهنة عبر المرأة التي تحمل الذهنية السلطوية المشبعة بقيم النظام الأبوي، لتكون أداة ناعمة تُستخدم في تشويه ومحاربة المرأة المتحررة الساعية إلى كسر القيود التقليدية.
وهكذا يُعاد إنتاج القمع داخل النساء أنفسهن في دائرة مغلقة؛ ما يشكل ألماً مضاعفاً عبر ابتزاز المرأة للمرأة، حيث تسعى بعض النساء لإزاحة كل منافسة لهن.
تعيش المرأة اليوم الحقيقة الجوهرية لوجودها: أن تكون أو لا تكون
فالفردانية الليبرالية التي ترتكز عليها الرأسمالية عبر السيطرة على المجتمع والمرأة تُشكل عائقاً كبيراً أمام نضالات المرأة، وتشتت أهدافها، وتحولها إلى كائنة غير قادرة على إحداث تغييرات جذرية.
إنّ استمرار ثورة المرأة تحتاج إلى العقل الجمعي، وللوصول إلى القيمة الحقيقية لحرية المجتمع بأكمله، لا بد من الوعي والوحدة والتشاركية، إذ لا يحدث أي تغيير من دون هذه العناصر الثلاثة.
وما أودّ أن أوجهه لقرائنا الكرام بمناسبة اقتراب مناسبة إدانة “مناهضة العنف ضد المرأة”، هو أنّ المرأة والرجل على السواء لن يتمكنا من الخروج من الدائرة، التي رسمتها الذهنية التسلطية عبر التاريخ وأنتجت الظلم والعنف، ما لم يتحررا من هذه الذهنية التي باتت عقيدة للمناهضين للطبيعة المجتمعية القائمة على التعاضد والعصبية، بمعنى ما قصده ابن خلدون في مقدمته الشهيرة.
وإحدى أهم سبل تجاوز معضلة الفردانية الليبرالية القاتلة تكمن في العمل الجاد على توعية الذات وتحريرها، وهذه تعد الخطوة الأولى للسير نحو التحول الديمقراطي والعيش المشترك ضمن واقع يليق بالحياة بكل ما تحمله الكلمة من معنى.