No Result
View All Result
محمد عيسى
منذ قرنٍ كامل، لم تهدأ نار الشرق الأوسط. من تقسيماته الأولى في معاهدة سايكس بيكو عام 1916، إلى الحروبِ الطاحنةِ التي عصفت بكلِّ دولةٍ على حدة، ظلّ هذا الإقليم أسير لعبةٍ أكبر من شعوبه، تديرها قوى دوليّة متنافسة في ظاهرها، متحالفة في جوهرها. وتغيّرت الرايات، وتعاقبت الأنظمة، لكن المشهد لم يبدّل جوهره: حدودٌ رسمها الاستعمار، وهوياتٌ مجزأة، ودولٌ قوميّة تتغذى على النزاع وتُبقي شعوبها في أسر الخوف والطاعة. وفي كلّ منعطفٍ من التاريخ الحديث، كان هناك صوتٌ يرتفع في وجهِ هذا المخطط، يُعيد تعريفَ مفاهيم المقاومة والتحرر، ويضع إصبعه على الجرحِ العميقِ للأمةِ الشرق أوسطيّة، ذاك الصوت كان صوت القائد عبد الله أوجلان.
منذ ظهوره في أواخر سبعينيات القرن الماضي، وبدء نشاط حزب العمال الكردستانيّ عام 1978، رفع القائد أوجلان شعار التحرر من بنيةِ الدولةِ القوميّة التي مزّقت شعوبَ الشرق، ودعا إلى بناء نظامٍ اجتماعيّ ديمقراطيّ تعددي، يضمن المساواة بين القوميّات والأديان والمرأة والرجل. لكن هذا الفكر، الذي كان سابقاً لزمانه، شكّل خطراً مباشراً على هندسةِ القوى الكبرى للمنطقة. فبدأتِ الحرب الطويلة ضدّه وضدّ مشروعه، حربٌ تجاوزت الجغرافيا والحدود، وامتدت من جبال كردستان إلى دهاليز أجهزة المخابرات الغربيّة.
لحظة الإخراج القسريّ
في التاسع من تشرين الأول عام 1998، بدأت المرحلة الأشدّ في تلك الحرب. تركيا، العضو في حلف الناتو، حشدت قواتها على الحدود السوريّة، مهددةً باجتياحٍ عسكريّ إذا لم تُخرج دمشق القائد أوجلان من أراضيها. وتحت ضغط تلك التهديدات، التي رافقها دعمٌ استخباراتيّ أمريكيّ وإسرائيليّ معلن، غادر القائد أوجلان سوريا مجبراً بعد أكثر من عشرين عاماً من الوجودِ السياسيّ فيها.
أربعة أشهرٍ تالية كانت أشبه بسباقٍ دوليّ لأسر الرجل الذي حيّر أجهزة الاستخبارات. ما بين موسكو وأثينا وروما ونيروبي، كانت عيون المخابراتِ الأمريكيّة والبريطانيّة والتركيّة تترصده خطوة بخطوة. حتى جاء يوم الخامس عشر من شباط 1999، حين تم اختطافه من العاصمة الكينية نيروبي في عمليةٍ شاركت فيها الـCIA والموساد، ليُنقل إلى تركيا في طائرةٍ عسكريّة تهبط على جزيرة إمرالي في بحر مرمرة.
منذ ذلك اليوم، تحولت إمرالي إلى رمزٍ للصراع بين الحرية والهيمنة. فمنها أراد النظام التركيّ أن يُنهي القضية الكرديّة باعتقال رمزها، ومنها أطلق القائد أوجلان أعظم تحوّلات الفكر السياسيّ في الشرق الأوسط الحديث.
المؤامرة الكبرى
لم تكن حادثة شباط 1999، التي انتهت باعتقال القائد عبد الله أوجلان، مجردَ فصلٍ أمنيّ عابر في سجلّ الصراعاتِ الإقليميّة، بل كانت تتويجاً لمخططٍ دوليّ متكاملٍ أُعدّت له بعنايةٍ داخل دهاليز النظام العالميّ الجديد الذي تشكّل بعد انهيار الاتحاد السوفييتي. في تلك المرحلة، كانت سياسات واشنطن ولندن وتل أبيب وأنقرة تتقاطع عند نقطة واحدة: الخوف من بروز نموذجٍ فكريّ وسياسيّ جديد في الشرق الأوسط، يتحدّى ركائز الدولة القوميّة وحدود سايكس ـ بيكو، ويقوّض أدوات السيطرة التقليديّة التي بناها الغرب منذ قرنٍ من الزمن.
فالقائد أوجلان، منذ عام 1993، لم يكن يكتب مجرّد تنظيراتٍ أيديولوجيّة في مؤلفاته، بل كان يضع أسس مشروعٍ تحرّريّ يطمح إلى إعادة تعريف مفاهيم الدولة والمجتمع والسلطة. عندما قدّم مفهوم “الأمة الديمقراطيّة” في “مانيفستو سوسيولوجيا الحرية”، كان يدعو إلى تجاوز الهويات الضيّقة وإقامة نظامٍ اجتماعيّ قائمٍ على المساواة بين الشعوب والجندرة والبيئة والتشاركيّة. وبدا الأمر حينها حلماً طوباويّاً في نظر خصومه، لكنه كان في حقيقته رؤية فلسفيّة تمسّ جوهرَ الصراع العالميّ على السلطة والمعرفة.
لقد أدركت القوى المهيمنة أنّ هذا الفكر يحمل إمكانيّة تفجير منظومة الهيمنة من الداخل، لأنّه لا يواجهها بالسلاح فقط، بل يعرّي بنيتها العقليّة التي تقوم على السيطرة والنهب والتقسيم. وكانت الفكرة أخطر من البندقية، لأنّها تهدد بتوحيد ما سعى الغربُ لتفريقه: العرب والكرد والفرس والترك وسائر الشعوب. ولذلك لم يكن قرار إسكات صاحبها مجرّد انتقام سياسيّ، بل خطوةً استراتيجيةً لحماية النظام الدوليّ من فكرةٍ كان يمكن أن تفتح الباب أمام عصرٍ جديدٍ من الحرية والعدالة الاجتماعيّة في الشرق الأوسط. ومن هنا، وُلدت المؤامرة الكبرى، من رحم النظام العالميّ ذاته، لتؤكد أنّ الصراع لم يكن على رجلٍ بقدر ما كان على مشروعٍ يرسم ملامح مستقبلٍ آخر.
صوتٌ يتجاوز الجدران
بعد نقل القائد إلى إمرالي، فُرضت عليه سياسة إبادة وتعذيب مطلقة “العزلة”. ولسنواتٍ طويلة لم يُسمح له بمقابلةِ محاميه أو عائلته، وكان يُحتجز في زنزانةٍ انفراديّة على جزيرةٍ محاطةٍ بثلاثة أطواقٍ من القواتِ الخاصة. ومع ذلك، ومن بين جدران تلك العزلة، خرج فكرٌ جديدٌ يعيد تعريف معنى المقاومة.
في 27 شباط من عام 1999، وبعد أيامٍ فقط من اعتقاله، أطلق القائد أوجلان أولى رسائله من السجن، داعياً إلى “السلام والمجتمع الديمقراطيّ”. دعوةٌ صدمت خصومه قبل أنصاره، لأنّها لم تأتِ من موقع الهزيمة، بل من وعيٍ بأنّ الحريّة الحقيقيّة لا تُنتزع بالسلاح فقط، بل بالوعي والتحوّل الاجتماعيّ.
ورغم كلّ محاولات عزله، وقطع الاتصال بالعالم الخارجيّ، ظلّ تأثيره يتمدد في الساحات الشعبيّة والسياسيّة، حتى تحولت كتبه ورسائله إلى مرجعٍ فكريٍّ يُدرّس في جامعات أوروبيّة وأمريكيّة.
مرت أكثر من 26 سنة على تلك اللحظة المفصليّة، تغيّرت خلالها خريطة الشرق الأوسط مراتٍ عدة: سقطت أنظمة، واندلعت حروبٌ في العراق وسوريا واليمن وليبيا، وتحولت تركيا نفسها إلى سجنٍ كبيرٍ تحت قبضة رجب طيب أردوغان.
لكن في شباط 2025، انقلب المشهد مجدداً. من إمرالي، وفي ذكرى اعتقاله، بعث القائد أوجلان بنداءٍ جديدٍ يدعو إلى إنهاء الحرب الداخليّة في تركيا عبر مرحلةٍ انتقاليةٍ ديمقراطيّة. وقال إن “الحقبة التي وُلد فيها حزب العمال الكردستانيّ كانت وليدةَ الحربِ الباردة، وإنّ على الجيل الجديد أن يصوغَ نضاله بأدواتٍ سلميّة، قائمة على الحوار والاعتراف المتبادل”.
لم يكن نداؤه مجرد خطابٍ رمزيّ، بل كان إعلاناً عن ولادة مرحلةٍ سياسيّة جديدة. وبعد أسابيع من الرسالة، وفي الثاني عشر من أيار 2025، أصدر حزب العمال الكردستانيّ بياناً تاريخيّاً أعلن فيه إنهاء الكفاح المسلح والتحوّل إلى نضالٍ سياسيّ مدنيّ.
قرارٌ وصفه مراقبون بأنه “التحوّل الأعمقُ في تاريخ الصراع التركيّ ــ الكرديّ منذ 1984″، وأعاد إلى الأذهان مبادرات السلام التي انهارت في 2015. لكن؛ هذه المرة، كان الفرق أنّ المبادرة جاءت من داخل السجن، من القائد ذاته الذي حاولوا عزله إلى الأبد.
تركيا بين المأزق والفرصة
ما إن انتشر بيان الحزب حتى اهتزّت الساحة التركيّة. لأول مرة منذ سنوات، وجد النظام نفسه أمام فرصةٍ حقيقيةٍ لتصفيةِ ملفٍ دمويٍّ استنزف البلادَ لأربعةِ عقود. ففي الرابع من تشرين الثاني 2025، تحدث الرئيس التركيّ أردوغان أمام نواب حزبه في البرلمان قائلاً: “تركيا دخلت مرحلةً جديدة من تاريخها، وعلينا أن نستمعَ إلى جميع الأصوات، حتى تلك التي نختلف معها”.
لم يكن هذا التصريح عابراً. فقد كشف أردوغان أنّه تلقى مقترحاً من حزب “المساواة وديمقراطيّة الشعوب” يقضي بالسماح للقائد أوجلان بإلقاء كلمةٍ أمام لجنةٍ برلمانية تُشرف على عملية السلام.
وفي اليوم ذاته، خرج حليفه دولت بهجلي، زعيم حزب الحركة القوميّة، ملمحاً إلى احتمالِ الإفراج عن صلاح الدين دميرتاش، الزعيم الكرديّ المعارض المعتقل منذ 2016.
في مشهدٍ بدا أقرب إلى الانعطاف التاريخيّ، عاد اسم إمرالي إلى واجهة السياسة التركيّة، لا كسجنٍ معزولٍ في بحر مرمرة، بل كبوابةٍ تؤدي إلى حلٍّ شاملٍ يُعيدُ تعريف الجمهورية نفسها.
بعد يومٍ واحدٍ فقط من تصريحات أردوغان، أعلن حزب “المساواة وديمقراطيّة الشعوب” أنّ وفداً من قياداته زار القائد أوجلان في إمرالي. وضمّ الوفد كلاً من بروين بولدان، مدحت سنجار، وفائق أوزغور، واستمر اللقاء نحو ثلاث ساعاتٍ متواصلة.
في البيان الصادر بعد اللقاء، نقل الوفد عن القائد أوجلان تأكيده على “ضرورة إدراج القضية الكرديّة ضمن شرعيّة الجمهورية، لا خارجها”، مشيراً إلى أنّ الحلَّ يكمن في “مرحلة انتقاليّة قوية تُبنى عليها أسس الجمهورية الديمقراطيّة المنشودة”.
وأضاف أنّ العلاقة بين الأتراك والكرد “ليست علاقة نزاعٍ بل شراكةٌ تاريخيّةٌ عمرها أكثر من ألف عام”، داعياً إلى إعادة ترميمها على أساسٍ من العدالة والمواطنة المتساوية.
كانت تلك الرسالة بمثابة مفترقِ طريقٍ جديدٍ في تاريخ تركيا الحديثة: فالقائد الذي أُخرج قسراً من سوريا عام 1998، يُستدعى اليوم من سجنه ليقدّم خريطة طريقٍ لمستقبل البلاد.
مفتاح الحل في يد القائد أوجلان
حين نُعيد قراءة أحداث عامي 1998 و1999 بعمقٍ يتجاوز الوقائع الأمنيّة، ندرك أنّ النظام الدوليّ حينها لم يكن يسعى فقط إلى اعتقال القائد عبد الله أوجلان كشخصٍ، بل إلى كسر الروح التحرريّة التي مثّلها مشروعه. وظنّت القوى الكبرى، من واشنطن إلى أنقرة، أنّ اعتقاله سيُسدل الستار على حركة التحرر الكردستانيّة، وأنّ الفكر الديمقراطيّ الذي بشّر به سينطفئ خلف جدران السجن. لكن؛ ما جرى كان عكس ذلك تماماً. فقد تحوّلت العزلة في إمرالي إلى فضاءٍ فلسفيّ خصب، وإلى مختبرٍ أعاد فيه القائد أوجلان بناء فكرٍ شامل يتجاوز حدود القضية الكرديّة ليطالَ الإنسان بوصفه كائناً حراً ومسؤولاً. ومن زنزانةٍ ضيقةٍ خرجت رؤية واسعة للعالم، رؤيةٌ أعادت تعريف الحرية، والمجتمع، والسياسة.
وبعد مرور أكثر من ربع قرن، وبينما تتداعى أنظمة المنطقة تحت وطأة الأزمات البنيويّة والحروب الأهليّة والانقسامات، تعود القوى ذاتها التي شاركت في عزله لتفتّش عن مخرجٍ من الفوضى التي صنعتها بأيديها. لقد فشلت مشاريع القمع والاحتلال والنيوليبراليّة في تحقيق الاستقرار، وتبيّن أنّ الدم لا يبني الدول، وأنّ الإقصاء لا يصنع وطناً، وأنّ الأمن الحقيقيّ لا يُشترى بالقوة، بل يُبنى بالعدالة والمشاركة.
من هنا تتجلّى المفارقة الكبرى: الذين أغلقوا باب إمرالي عام 1999، يعودون اليوم ليطرقوه من جديد. فمفتاح الحلَّ الذي تجاهلوه يومها، ما يزال في يد الرجل الذي حاولوا كسره. إنّ فلسفة الأمة الديمقراطيّة التي أسسها القائد عبد الله أوجلان تقوم على ثلاث ركائزٍ جوهرية: تحرير المجتمع من القوميّة الصلبة التي مزّقت شعوب المنطقة، وتحرير المرأة بوصفها مركز الحرية الاجتماعيّة، وإرساء اقتصادٍ مجتمعيّ يوزّع الثروة على قاعدةِ المشاركة لا الاحتكار. وهذه المبادئ، التي بدت طوباويّة في التسعينيات، أصبحت اليوم شرطَ البقاء الوحيد في شرقٍ أوسطٍ أنهكته الدول القوميّة وفشلت فيه الرأسماليّة. وهكذا، لم تعد إمرالي سجناً، بل باتت مركز الثقل الأخلاقيّ والسياسيّ في معادلةٍ تبحث عن طريق العبور من الدم إلى السياسة، ومن الهيمنة إلى التعايش.
No Result
View All Result