No Result
View All Result
روناهي/ عين عيسى – في الموروث الشعبي لشعوب شمال وشرق سوريا، تتجسد صورة المرأة عنصراً أساسياً في نسيج الحياة الاجتماعية والثقافية، فلم تكن يومًا على هامش الحكاية، بل كانت روحها. فالمرأة في الفلكلور الكردي والفراتي تُقدَّم بوصفها رمزًا للخصب والعطاء، وصاحبة الكلمة المسموعة في الحياة اليومية والمناسبات الاجتماعية، كما تمثل في الوقت ذاته الشجاعة والصبر أمام الشدائد.
المرأة في الأغنية والرقص والمثل الشعبي
في الأغاني التراثية الكردية، مثل “لوري لوري” و”دلو”، نجد المرأة حاضرة برمزٍ للحنين والوطن، وبقوةٍ قادرة على الصمود في وجه الغياب والفقد، فهي التي تنتظر ابنها أو زوجها في الجبل أو المنفى، وهي التي تنسج بخيوط الصبر قصص الحب والفداء.
وتحتل الأم مكانة روحية عالية، فترتبط صورتها بالحنان والحكمة، وغالباً ما تبدأ الحكايات الشعبية بجملة “قالت الجدة”، في إشارة إلى الدور المركزي للمرأة في نقل الذاكرة والهوية الجمعية.
أما في وادي الفرات، فإن الفلكلور يفيض بصور المرأة العاملة في الحقول، والعارفة بأسرار الزراعة والمواسم، فهي “الفراتية” التي تردد الأغاني أثناء الحصاد، وتشعل نار التنور، وتدير تفاصيل الحياة اليومية بصبرٍ وكرامة. وفي الأمثال الشعبية المنتشرة في الرقة ودير الزور، تتجلى مكانة المرأة في عبارات مثل “البيت بلا امرأة خراب” و”الست نصف التدبير”، وهي أقوال تلخص تقدير المجتمع لدورها الحيوي في بناء الأسرة والحفاظ على القيم. كما يبرز حضورها في الرقصات والدبكات الشعبية، بوصفها رمزًا للجمال والوقار معًا. فالدبكة الكردية مثلاً لا تكتمل دون مشاركة النساء، حيث تحمل بخطواتها دلالات الوحدة والتوازن بين القوتين الذكورية والأنثوية في المجتمع، بينما تقود النساء الغناء والزغاريد في الأعراس الفراتية، في مظهر يعكس مكانتهن حاملات الفرح ومُحافظات على الطقوس الجماعية.
المرأة ذاكرة المقاومة وحافظة التراث
لم يكن الفلكلور النسائي أداء فنيًّا، بل وسيلة للتعبير عن الذات والهوية. فالأغاني التي تؤديها النساء في المناسبات الخاصة تعبّر عن الوجع والأمل، عن مقاومة القهر الاجتماعي والظروف القاسية. وغالبًا ما تتخذ كلمات الأغاني طابعًا رمزيًا يختزن معاني الحرية والتحدي، كأنها حكاية مقاومة ناعمة تُروى عبر الأجيال.
كما لعبت المرأة دورًا محوريًا في حفظ الفلكلور، إذ تناقلت الأغاني والأمثال والحكايات وعلّمتها للأبناء دون كتب أو مدارس، فهي “أرشيف الذاكرة الشفوية” للمجتمع، تحفظ تاريخه وتعيد روايته بلغتها الخاصة.
في السنوات الأخيرة، ومع ازدياد الاهتمام بالهوية الثقافية في شمال وشرق سوريا، عاد حضور المرأة في الفنون الشعبية ليأخذ بعدًا جديدًا. فالكثير من الفرق والمهرجانات، باتت تحتفي بأدوار النساء في الغناء، والرقص والحكاية، تأكيدًا على أن المرأة ليست فقط جزءًا من التراث، بل أيضًا من حاضره ومستقبله.
هي الأم والمقاتلة والمطربة والراوية، ورمز الخصب والذاكرة. ومن خلال حفاظها على هذا الإرث الغني، تواصل المرأة اليوم أداء رسالتها الثقافية، مؤكدة أن التراث حاضرٌ يُعاش ويُجدّد بروح النساء اللواتي ما زلن ينسجن الحكاية بخيوط الضوء والحنين.
No Result
View All Result