No Result
View All Result
روناهي/ الرقة ـ في مدرسةٍ كانت يوماً تعجّ بأصوات التلاميذ ودفاترهم الملونة، تحوّلت مأوى لعوائل مهجّري عفرين، الذين أجبرهم التهجير على ترك مواطنهم، فواجهوا واقعٍاً قاساً، وفي مدرسة “حسن بن الهيثم” بمدينة الرقة تختلط رائحة الزيتون الأخضر بصوت الأيدي العاملة، لتولد من بين القهر حكاية عزيمة لا تنكسر.
في إحدى الغرف التي ما زالت جدرانها تحتفظ بآثار الطباشير القديمة، تجلس نساء وأطفال حول أكوام الزيتون، يُفرَزُ حبّة حبّة بعنايةٍ وحرص، متأملين أن ينتهي هذا الواقع المتردي.
من صدفة إلى فرصة عمل
وفي الصدد، قال “منذر بلبل“، من مهجّري عفرين المقيمين في المدرسة: “لم نكن نتخيّل يوماً أننا سنجد في الزيتون باباً للرزق، لكن الحياة علّمتنا أن نخلق الفرص من العدم، فلدي صديق يتاجر في بيع الزيتون، وأخبرني أنه بحاجة إلى عمّال لفرز الزيتون، فخطرت لي فكرة أن أعمل في هذا المجال”.
وهكذا بدأت الحكاية من صدفةٍ بسيطة تحوّلت فرصة عملٍ جماعية لعائلة كاملة، حيث أحضر “بلبل” كمية من الزيتون تُقدّر بنحو طن وخمسين كيلوغراماً، وتم الاتفاق مع التاجر على أن تتقاضى العائلة ألف ليرة سورية عن كل كيلوغرام يتم فرزه.
وشرح بلبل تفاصيل العمل: “نقوم بفرز الزيتون إلى صنفين، صنف نستخدمه للمونة المنزلية، وآخر لإرساله إلى المعصرة”، مضيفاً: “الجميع يعمل معنا النساء والأطفال وكبار السن، فالحاجة دفعتنا إلى أن نتعاون جميعاً من أجل تأمين لقمة عيشنا”.
ويبدأ العمل منذ ساعات الصباح الباكر وسط أجواء مفرحة، وأصابع النساء تعمل بجد وتتزين بزيت الزيتون، بينما تضيء وجوه الأطفال بابتساماتٍ خجولة تُخفي خلفها تعباً كبيراً، ورغم برودة الطقس وقساوة الظروف لا يتوقف العمل إلا مع غروب الشمس، حين تُجمع الكميات المفروزة وتُعدّ للحساب اليومي.
من مأوى إلى خلية حياة
ولم تعد مدرسة “حسن بن الهيثم” مجرّد مأوى، بل تحوّلت إلى ورشة صغيرة للحياة، فبين جدرانها المتهالكة تُحاك قصص الكدح اليومي، وتُولد مبادرات بسيطة، لكنها تحمل معاني كبيرة، وكل عائلة هنا تحاول أن تخلق لنفسها مورداً بسيطاً يخفف وطأة الغلاء، وبعضهم يعمل في الخياطة أو صناعة الصابون أو بيع الخضار، إلا أن قصة الزيتون بقيت الأكثر حضوراً لأنها تعبّر عن صلةٍ رمزية بين الإنسان والأرض.
وقال أحد المهجرين: “نحن أبناء عفرين، والزيتون جزء من هويتنا، وكبرنا بين أشجاره ورزقنا من خيراته، وها نحن اليوم نعود إليه بطريقة مختلفة، لكن بمعنى واحد، إنه رمز الصمود”.
ذاكرة أرض وحكاية تهجير
ولا يعد الزيتون لمهجّري عفرين مجرّد محصول، بل ذاكرة الأرض وامتداد الجذور التي لا تموت، فالكثير منهم فقدوا بساتينهم في عفرين بعد التهجير، لكنهم ما زالوا يحملون حباته في قلوبهم قبل أيديهم، وحول ذلك قال “منذر بلبل” بابتسامةٍ ممزوجة بالحنين: “حين أمسك حبّة زيتون أشعر وكأنني ألامس تراب قريتي، فلا يمكن لشيء أن يربطنا بالماضي أكثر من هذه الحبات الصغيرة”.
ورغم تواضع الدخل الذي يحصلون عليه، إلا أن هذا العمل يمثل لهم أكثر من مردود مادي، فهو عملٌ يحفظ كرامتهم ويمنحهم شعوراً بأنهم ما زالوا قادرين على الإنتاج والعطاء رغم الصعوبات.
مشهد إنساني ينبض بالصبر والإصرار
وفي نهاية اليوم يجتمع أفراد العائلة حول صحنٍ صغير من الزيت والزيتون، ويقتسمونه بفرحٍ بسيط وصادق، تلك اللحظات كما قال بلبل: “هي مكافأة تعب يومٍ كامل”.
والأطفال يتبادلون الضحكات والنساء يتهامسن عن خطط الغد، وكأنهن يزرعن الأمل من جديد بين حبات الزيتون التي لم تفقد لونها الأخضر رغم الغربة. ورغم أن المدرسة لا تملك الكثير من المقومات الأساسية للحياة، فالغرف ضيقة والمياه شحيحة والكهرباء متقطعة، إلا أن إرادة المهجّرين جعلت منها مكاناً ينبض بالحياة والعمل والأمل.
وهكذا يمضي يومٌ آخر من حياة مهجّري عفرين في الرقة، يكتبونه بعرق الجبين وبصبرٍ لا يعرف الانكسار، حيث تتحوّل حبات الزيتون إلى قصص كفاحٍ تُروى للأجيال القادمة عن أناسٍ اقتلعهم النزوح، لكنهم ما زالوا متمسكين بالحياة كما تتمسك شجرة الزيتون بجذورها في عمق الأرض.
“نحن لا نبحث عن الشفقة، بل عن فرصة لنعيش بكرامة” بهذه الكلمات اختتم المهجر “منذر بلبل” حديثه، بينما كانت يده تمتدّ لالتقاط حبّة زيتون جديدة، في مشهدٍ يُلخّص كل ما تعنيه كلمة الصمود.
No Result
View All Result