No Result
View All Result
روناهي/ الرقة ـ مع كل نسمة برد تقترب من مدينة الرقة، تتجدد معاناة مئات العائلات المهجّرة من عفرين، الذين وجدوا في المدارس مأوىً مؤقتاً تحول إلى إقامة دائمة منذ سبع سنوات، وفي مدرسة حسن بن الهيثم يعيش الواقع الإنساني بتفاصيله المؤلمة فهناك 28 عائلة تتقاسم ضيق المكان ووجع الغربة والخوف من شتاء قاسٍ يهدد ما تبقّى من قوتهم وصبرهم.
ولم تعد الصفوف في مدرسة “حسن بن الهيثم” تعبق بصوت التلاميذ ودفاترهم، بل امتلأت بجدران رطبة، وأسقف متشققة، وأرضية ينام عليها الأطفال والنساء والمسنين، والغرف التي كانت يوماً صفوفاً دراسية أصبحت الآن مأوى لعائلات فقدت كل شيء وتنتظر بصمتٍ مساعدة قد لا تأتي.
معاناة المهجرين
وعلى أرض الغرفة الفارغة، يجلس طفلان قرب مدفأة مكسورة لا تعمل منذ العام الماضي، قالت والدة الطفلين “فريدة خليل” بعينين مثقلتين بالقلق: “منذ أكثر من ستة أشهر لم تصلنا أي مساعدة غذائية أو خدمية، لا من المنظمات، ولا من أي جهة، نعيش على ما يجود به بعض الجيران أو على عملٍ يومي لا يكفي لشراء الخبز، أطفالنا ينامون على الأرض بلا فرش، ولا بطانيات كافية، ومع قدوم البرد، لا نعلم كيف سنواجه الشتاء”.
وأضافت فريدة، وهي أم لخمسة أطفال: “كل عام نعيش المأساة نفسها، ونتمنى أن يكون هذا الشتاء مختلفاً، لكن لا شيء يتغير، نسمع وعوداً كثيرة، لكن الواقع يبقى كما هو، بارد وجاف وخالٍ من الأمل”.
الجوع قبل البرد
وفي المدرسة ذاتها، يعيش الأهالي على الحد الأدنى من مقومات الحياة، فالمساعدات انقطعت منذ النصف الأول من العام الجاري، ولم تُوزع أي سلال غذائية منذ ستة أشهر كاملة، رغم المناشدات المتكررة للمنظمات الإنسانية والمجالس المحلية.
ومن جانبها؛ قالت المهجرة من ناحية جندريسة بعفرين “سلوى أحمد الحاج“، وهي أم لأربعة أطفال: “نطبخ فقط عندما نجد شيئاً نطبخه، أحياناً نأكل الخبز مع الشاي فقط، المساعدات انقطعت، والعمل شبه معدوم، نحن نعيش على الديون، ولا أحد يسأل عنا، الأطفال جائعون، والبرد يزداد يوماً بعد يوم”.
وتوقفت سلوى للحظة ثم تابعت بصوتٍ مبحوح: “أصعب ما في الأمر أن ترى أطفالك يرتجفون برداً، وتسمع بطونهم الخاوية ولا تستطيع فعل شيء، نحن لا نريد إلا حياة بسيطة تحفظ كرامتنا”.
46 طفلاً بلا مدارس… جيل مهدد بالضياع
وإلى جانب المعاناة المعيشية، تواجه الأسر المهجرة تحدياً آخر لا يقل خطورة “الحرمان والجوع والبرد”. وداخل المدرسة التي كانت يوماً مكاناً للتعليم، يعيش اليوم 46 طفلاً بلا تعليم ولا مدارس، لا صفوف منظمة، ولا كتب، ولا معلمون، فقط أطفالٌ يتسكعون في الممرات أو في الساحة الترابية الصغيرة أمام المدرسة، يلعبون بأحجارٍ وتراب.
وقالت سلوى بحزن: “أطفالنا لم يعد يتذكروا شكل القلم والدفتر، يسألوننا كل يوم “ماما، متى نرجع على المدرسة؟” ولا جواب عندنا، فليس هناك مدارس تستقبلهم، ولا قدرة لنا على نقلهم إلى أماكن بعيدة، نحلم فقط أن يتعلموا مثل بقية الأطفال، لكن الفقر والتهجير سرقا حتى هذا الحق”.
وقالت إحدى النساء في المدرسة: “بدأ الكثير من الأطفال يعانون من مشاكل نفسية بسبب الفراغ الطويل، وبعضهم يعمل في بيع المناديل أو جمع البلاستيك لمساعدة أسرهم، بدلاً من الجلوس في مقاعد الدراسة”.
البرد قادم بلا رحمة
وداخل الغرف، رائحة الرطوبة تختلط برائحة الخبز اليابس، والجدران تحكي قصة شتاءٍ مضى وآخر قادم، فقال أحد المهجرين: “كل عام نعيش كابوس الشتاء، تتسرب مياه المطر إلى الغرف، والأرض تغرق بالماء، لا يوجد عزل ولا تدفئة، ونستخدم أكياس النايلون لسدّ الشقوق، الأطفال يمرضون بالإنفلونزا والسعال، ولا نملك ثمن الدواء”.
والمشهد ذاته يتكرر كل شتاء، فيما يكتفي بعض الأهالي بإشعال النار في علب بلاستيكية أو بقايا خشب لتدفئة أطفالهم، رغم خطورة الأبخرة السامة، فهم لا يملكون خياراً آخر.
نساءٌ يحملن عبء الحياة
وفي ظل غياب الرجال الذين فقدوا أعمالهم أو اضطروا للبحث عن رزقٍ في أماكن أخرى، تتحمل النساء العبء الأكبر. حيث قالت “فريدة خليل” في هذا السياق: “نحن النساء نحاول أن نحافظ على ما تبقى من حياتنا، نغسل، ونطبخ، ونرعى الأطفال، ونحاول أن نبتسم رغم كل شيء، لكن التعب أنهكنا، فكل ما نريده حياة كريمة لأطفالنا، ومكاناً دافئاً يأوينا”.
أما سلوى أحمد، فأضافت: “لسنا وحدنا من نعاني، كل مهجري عفرين يعيشون المأساة نفسها، لكن أن تعيش في مدرسة دون فرش، دون أمل، هذا وجع لا يُوصف، نعيش وكأننا منسيون من العالم”.
ورغم تكرار المناشدات إلى المنظمات الإنسانية والهيئات المدنية، لم تتلقَّ العائلات أي استجابة حقيقية حتى الآن. فقال أحد المهجرين: “توجهنا بطلبات للمجالس والمنظمات، لكن لا جواب، الجميع يعد، ولا أحد ينفذ، نخشى أن تقع مأساة إنسانية مع بداية الشتاء، الأطفال وكبار السن لا يتحملون البرد، والدواء غير متوفر”.
وفي نهاية اليوم، تعود كل عائلة إلى غرفتها الصغيرة، تحاول أن تصنع دفئاً من كلمات المواساة، ومن إيمانٍ بأن الغد قد يكون أفضل، فقالت “فريدة خليل” بصوتٍ خافت وهي تغطي طفلها بغطاء ممزق: “لا نريد الكثير، فقط أن نُعامل كبشر، أن نعيش بكرامة، أن نطعم أطفالنا، وأن يتعلموا، هذه ليست مطالب كبيرة، لكنها تبدو بعيدة جداً”.
أما “سلوى أحمد”، فقد اختتمت حديثها بعبارة تختصر الحكاية كلها: “الشتاء على الأبواب والبرد أقسى من التهجير، ونحن نعيش بين الخوف والجوع، ولكننا لا نفقد الأمل، لأننا نؤمن أن من عاش الظلم والتهجير يستحق يوماً حياة أفضل”.
نداء إنساني عاجل
وتدق عائلات مهجري عفرين المقيمة في مدارس الرقة ناقوس الخطر قبل حلول الشتاء، مطالبة المنظمات الإنسانية والمجالس المحلية بالتدخل العاجل لتأمين السجاد، والإسفنج، والبطانيات، ووسائل التدفئة، والسلال الغذائية، إضافةً، إلى فتح باب التعليم أمام 46 طفلاً يواجهون خطر الجهل والضياع. فما بين جدرانٍ باردة وأحلامٍ مؤجلة، يعيش هؤلاء المهجرون فصولاً متكررة من المعاناة، لا ينقصها سوى قليل من الإنسانية… وكثير من المسؤولية.
No Result
View All Result