No Result
View All Result
محمد عيسى
منذ أن تشكّلت خرائط الشرق الأوسط الحديثة على يد القوى الاستعمارية بعد الحرب العالميّة الأولى التي بدأت في عام 1914، لم تذُق شعوبه طعمَ السلام، وتحوّلت هذه المنطقة إلى مسرحٍ دائم للدمار وللثورات والانتفاضات والحروب، ولم تعرف سوى التحولات العنيفة، وكأنّها تعيش في قلب عاصفة لا تهدأ، ولا تستقر فيها البوصلة إلا لتعودَ وتتنقل من ساحة إلى أخرى. فبينما كان العالم في السابع من تشرين الأول 2023 يتابع واحدة من أكثر العملياتِ صدمةً في تاريخ الصراع الفلسطينيّ ـ الإسرائيليّ، كانت صواعق أخرى معدّة للانفجارِ على بعد آلاف الكيلومترات، لتعيدَ رسمَ خرائط النفوذ والقوى في المنطقةِ مجدداً.
من غزة إلى لبنان، ثم سوريا فإيران انتهاءً بالسودان، توالتِ الأحداث كقطع الدومينو التي أُسقِطت بعنايةٍ أو بعبثٍ، لكنّ نتيجتها كانت واحدة: مزيدٌ من الدم، ومزيدٌ من الخرابِ، ومزيدٌ من المنفى الذي لا يكفّ عن التوسع.
طوفان الأقصى… شرارة الانفجار الكبير
في السابع من تشرين الأول 2023، شنّت حركة حماس عملية “طوفان الأقصى” التي وصفها مراقبون بأنّها لحظة مفصليّة في تاريخ الصراع الفلسطينيّ ـ الإسرائيليّ. العمليةُ التي فاجأت العالم باختراقها الحدود وتدميرها الخطوط الدفاعيّة الإسرائيليّة في محيط غزة، أسفرت عن مقتل قرابة 1195 إسرائيليّا وأجنبيّاً، بينهم 797 مدنيّاً، إضافةً إلى أسر ما لا يقل عن 251 شخصاً، وفي اليوم التالي، بدا أن الشرق الأوسط بأسره يتحركُ على صفيحٍ ساخنٍ، إذ أعلنت إسرائيل في الثامن من تشرين الأول الحربَ رسميّاً على حماس، لتبدأ مرحلةٌ جديدةٌ من الدمار الممنهج، كان عنوانها الأبرز: “تدمير غزة وإضعاف المحور الإيرانيّ”.
هذه الحرب لم تقتصر على غزة، بل شكّلتِ الشرارةَ التي هزّت توازن القوى في المنطقة بأسرها، ومع دخولِ الاجتياح البريّ الإسرائيليّ في 27 تشرين الأول من العام نفسه، تحولت أنظار صنّاع القرار في تل أبيب إلى الشمال، حيث لوّح حزب الله بخطابِ “المقاومة المشتركة” رداً على ما يجري في غزة. ولكن؛ الردَّ الإسرائيليّ كان معدّاً سلفاً، فابتداءً من أيلول 2024، صعّدت إسرائيل عملياتها في لبنان عبر استهدافِ منظومات الاتصال (أجهزة البيجر) الخاصة بحزب الله وتصفية قياداته الميدانيّة، قبل أن تُوجّه الضربةَ الكبرى في 27 أيلول باغتيال حسن نصر الله، منهيةً عقوداً من زعامته للحزبِ.
لم تمضِ سوى أيامٌ قليلة، حتى أعلنت إسرائيل في الأول من تشرين الأول 2024 بدء عمليّةٍ بريّةٍ كبيرةٍ في جنوب لبنان، معلنةً حربَ لبنان الثالثة. ومع انسحاب الجيش اللبنانيّ من بعض المناطق المحاذية للخط الأزرق، بدا أنَّ التوازن الهشَّ الذي حكم جبهات الشمال منذ عام 2006 قد بات من الماضي. فالحزبُ الذي كان ينظر إلى نفسه كقوةٍ ردعٍ، وجد نفسه فجأةً على خطِ النار المباشر، ما دفعه لتغيير تكتيكاته، غير أنّ إسرائيل كانت تعمل وفق رؤيةٍ أوسع: إنهاء التهديد الاستراتيجي من الشمال، بالتزامن مع تحطيم بنية حماس في الجنوب.
بهذا الامتداد للجبهات، تداخلت خطوطُ الحرب، وصار من الواضحِ أنَّ الهدفَ الإسرائيليّ لم يكن تصفية حماس وحدها، بل تفكيك الحلقة المركزيّة في مشروع “المحور الإيرانيّ”، من غزة إلى الضاحية الجنوبيّة فالعاصمة دمشق، تمهيداً لانتقال المعركة إلى قلب طهران نفسها.
سقوط دمشق.. لحظة الانهيار
كانت دمشق، منذ أربعينياتِ القرن الماضي، أكثر من مجرد عاصمة سياسية لسوريا؛ كانت رمزاً للصمودِ، وقلعةً يتكئ عليها تاريخٌ طويلٌ من محاولاتِ الاحتواءِ والتغييرِ والانبعاثِ من ركامِ الصدماتِ المتلاحقة. وفي الثامن من آذار دخلت طور وصاية حزب البعث وليستمر ستة عقودٍ، غير أنّ الثامن من كانون الأول عام 2024 لم يكن مجرّد حلقةٍ جديدةٍ في تلك السلسلة المتعرجة من أحداث سوريا المعاصرة، بل كان لحظةً مفصليّة انقلب عندها اتجاه الزمن، وانقلبت معها المعادلاتُ التي حكمت مصيرَ السوريّين لعقود.
ففي ذلك اليوم، سقط نظام حكم آل الأسد ـ الذي بدأ مع حافظ الأسد في 16/11/1970 وورثه بشار عام 2000 ـ بعد 53 عاماً من سلطة أقامت فيها أجهزة القمع بنيانها على الخوف، ونسجت فيها شبكة الولاءات من بيروت إلى طهران مروراً ببغداد وصنعاء تحت عنوان “وحدة ساحات المقاومة”. الهجومُ الذي شنّه تحالفُ المعارضة بقيادة «هيئة تحرير الشام»، وبدعم لوجستيّ وعسكريّ مباشر مما يسمّى «الجيش الوطنيّ» الموالي لتركيا، نجح أخيراً في اقتحام مركز القرار الدمشقيّ، مُسقطاً بذلك النظام، ومعلناً نهاية حقبة، لكن دون أن يفتح الطريق إلى الاستقرار المنشود.
كانت لحظةُ سقوطِ السلطة في قصر الشعب لحظةً انتظرها ملايين السوريين؛ لحظة نصبو إليها منذ اندلاع الاحتجاجات الأولى في آذار 2011. غير أنّ تلك اللحظة، بدلاً من أن تكون بشارةً بولادةِ سوريا جديدة، فتحتِ الباب على مصراعيه أمام كوابيس بدا أنّها أكثر تعقيداً ممّا سبقها. فالسلطة الجديدة التي ورثتِ الحكم ـ تحت قيادة أحمد الشرع، الذي أُعلن رئيساً انتقاليّاً في 29 كانون الثاني 2025 ـ سرعان ما أثبتت أنّها لا تختلفُ كثيراً في جوهرها عن النظام الذي أسقطته، إذ أعادت إنتاجَ ذات النهج الاستبداديّ وإن بوجوهٍ جديدةٍ.
وصف كثير من المراقبين هذا التحول بـ”استبدالِ الواجهةِ لا تغيير الجذور”، فالقمعُ السياسيّ لم يتوقف، وحالة الطوارئ استمرت ولكن بلباس ثوريّ، بينما ظل النفوذ العسكريّ، خاصةً أذرع “هيئة تحرير الشام”، هي المتحكم الفعليّ بمفاصل القرار. وسُجن صحفيون ونشطاء، وجرى إقصاء شعوب أساسيّة من المشهد السياسيّ، بينما عجزت الحكومة الانتقاليّة عن تقديم نفسها كسلطةٍ جامعة أو عادلة. وبدا أنّ حلم «الدولة المدنيّة الديمقراطيّة» لم يكن سوى شعاراً عابراً على جدران الخراب، وأنّ اللحظة الثوريّة تحولت إلى فرصةٍ للهيمنةِ بدلاً من التحرير.
وفي سياقٍ أوسع، شكّل سقوطُ دمشق ضربةً استراتيجيّةً لإيران ومحورها الإقليميّ؛ إذ بدا واضحاً أنَّ إسرائيل، بدعم أمريكيّ وغربي، نجحت في شقّ الهلالِ الإيرانيّ المتصل عبر العراق وسوريا ولبنان. ولم يكنِ الأمرُ مجرّدَ انهيارِ نظامٍ حليف لطهران، بل خطوة نوعيّة في مسار تفكيك شبكات النفوذ التي بنتها الجمهورية الإسلاميّة منذ ما يقارب العقدين وبعد احتلال العراق عام 2003. ومع انكسار السلطة في دمشق، ارتفعت أعلام القوى المتصارعة، من أنقرة إلى تل أبيب، في معركة طويلةٍ لا يبدو أنّها قريب، بل بدأت فصولها الأكثر ضراوةً.
حرب إيران وإسرائيل: صدمة الـ 12 يوماً
لم تنتظر تل أبيب طويلاً بعد سقوطِ دمشق وضمان نهاية نظام الأسد، الذي كان بمثابةِ الحزام الأمنيّ ـ السياسيّ لإيران في جوار إسرائيل. ففي الساعات الأولى من فجر 13 حزيران 2025، أطلقت إسرائيل عملية عسكريّة نوعيّة واسعة النطاق أسمتها “الأسد الصاعد”، ونُفذت الضربات بصواريخ عالية الدقة وطائرات شبحيّة، وبالتنسيق مع جهاز الموساد، واُستهدفت مواقع حسّاسة للحرس الثوريّ ومراكز البحث النوويّ في نطنز وأصفهان وفوردو. وخلال ساعات قليلة، قُتل عدد من كبار الضباط الإيرانيّين، وسقط علماء بارزون في برامج التطوير النوويّ، فيما التهمت النيران أجزاءً من المنشآت التي لطالما اعتُبرت خطوطاً حمراء لدى طهران.
لم تمضِ سوى ساعات حتى بادرت إيران بردّها عبر عملية أسمتها “الوعد الصادق 3”. أطلقت طهران أكثر من 500 صاروخ باليستيّ وطائرات مسيّرة نحو الأراضي الإسرائيليّة، في أكبر هجومٍ مباشرٍ تنفذه منذ تأسيس الجمهورية الإسلاميّة عام 1979. خلفتِ الضربات 28 قتيلاً إسرائيليّا، فضلاً عن دمار واسع في مدن محاذية لقطاع غزة والجليل الأعلى، قبل أن تعلنَ الولايات المتحدة في 22 حزيران 2025 دخولها العسكريّ العلنيّ على خط المواجهة. حينها، استهدفت قاذفات “بي-2” الشبحيّة وصواريخ كروز بعيدة المدى المزيد من المواقع الحسّاسة داخل العمق الإيرانيّ، ما خلقَ حالةً من الرعب الاستراتيجيّ في طهران وأعاد شبح الحرب الشاملة إلى الواجهة.
لكنّ الحرب، التي استمرت 12 يوماً فقط، انتهت فجأة في 24 حزيران 2025، عندما أعلن الرئيس الأمريكيّ دونالد ترامب التوصلَ إلى اتفاقٍ لوقف إطلاقِ النار بين الطرفين، بعد وساطة محمومة شاركت فيها عواصم أوروبيّة وعربيّة. بدا أن “أيام النار” لم تكن سوى فصل جديد في حربٍ متعددةِ الأطرافِ، لم يُحسم فيها مآل القوة الصاروخية الإيرانيّة، ولا مصير مراكز نفوذها الممتدة من سوريا إلى اليمن.
بعد أشهر قليلة، وتحديداً في 29 أيلول 2025، عاد ترامب إلى المشهد، مستثمراً الزخمَ السياسيّ والدبلوماسيّ، ليعلنَ عن خطة طموحة من 20 بنداً لإنهاء الحرب في غزة، تقوم على تشكيل حكومة انتقاليّةٍ فلسطينيّةٍ من التكنوقراط، والإشراف الدوليّ على مناطقِ القطاع، وضمان انسحاب تدريجيّ للقوات الإسرائيليّة، مع إطلاق سراح الأسرى من الجانبين، والشروع في إعادةِ إعمارٍ شاملةٍ.
رغم الترحيب الدوليّ والعربيّ النسبيّ، إلا أنّ الخطة اصطدمت سريعاً بواقع الانقساماتِ الفلسطينيّة، وتصلّبِ القوى التي لا ترى في التسويات الدوليّةِ طريقاً لحلول حقيقيّة، فضلاً عن عمق الجراح التي لم تندمل بعد. ومع ذلك، شهدت مدينة شرم الشيخ في 8 تشرين الأول 2025 انفراجاً هّشاً مع تنفيذِ المرحلةِ الأولى من الخطة، والتي تضمّنتِ الإفراجَ عن 20 رهينة إسرائيليّاً مقابل 2000 أسير فلسطينيّ. خطوةٌ اعتبرها البعض بارقةَ أملٍ، بينما رأى فيها آخرون قشرة هشّة تغطي جمراً متّقداً لا يلبث أن ينفجر، في ظل تاريخ متراكم من الخيانات والانكسارات.
السودان…الحرب المنسية
في حين كانتِ الأنظارٌ مركّزةً على غزة ولبنان ودمشق وطهران، كان السودان يتلاشى بصمتٍ دامٍ في خلفيّة المشهد، بعيداً عن كاميراتِ التوثيقِ والبياناتِ العاجلة. فمنذ 15 نيسان 2023، اشتعلت حربٌ أهليّة شاملة بين الجيش السودانيّ بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو، المعروف بـ”حميدتي”. وخلال الأسبوع الأول للحرب، سقط نحو 250 قتيلاً وأكثر من ألف جريح، ليتحوّل السودان سريعاً إلى جغرافيا للانهيار الإنسانيّ الكامل. الخرطوم، عاصمة العواصف القديمة، غدت رماداً متناثراً على ضفتي نيلٍ لم يعد يعرفِ النقاءَ، بينما تحوّلت مدن دارفور إلى خرائط جنائزيّة، تزحف عليها موجات النزوح ككتائب من الظلال الفارّة من الموت، آخرها مجزرة الفاشر عاصمة شمال دارفور التي ارتكبتها قوات الدعم السريع السودانيّة في 26 تشرين الأول 2025 والتي أدت إلى مقتل أكثر من 2000 شخص في الفاشر بما في ذلك حوالي 460 شخصاً في مستشفى الولادة السعوديّ. وجاءت المجزرة بعد يوم واحد عن عمليات إعدام العشرات بعد سيطرة قوات الدعم السريع على مدينة بارا بولاية كردفان. واتُهم الضحايا بدعم القوات المسلحة السودانية.
أكدت مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان أنّها تلقت “روايات مروعة عن عمليات إعدام بإجراءات موجزة، وقتل جماعيّ، واغتصاب، وهجمات على العاملين في المجال الإنسانيّ، ونهب، واختطاف، وتهجير قسريّ” في سياق توغل قوات الدعم السريع في الفاشر.
في السودان، لا يجد العالم ملامح الحرب الحديثة: لا صواريخ فرط صوتية، ولا منظومات اعتراض، ولا تحالفات فوق الطاولة، ولا خطط لإعادة الإعمار. هناك فقط جروح متوارثة منذ عقود من التهميش والفقر، تغذت عليها الأطماع الإقليميّة والدوليّة. وفي الوقت الذي تخوضُ فيه المنطقة حروباً بأسماء ضخمة وصور ناريّة، تبقى مأساة السودان مجردَ بندٍ صغيرٍ في نشراتِ الأخبارِ، تُتلى بصوتٍ حياديّ، ثم تُنسى.
منذ 7 تشرين الأول 2023 وحتى 8 تشرين الأول 2025، تعاقبت خمس حروبٍ مفصليّة، بدّلت خريطة الشرق الأوسط العسكريّة والسياسية. من “طوفان الأقصى” في غزة، و”حرب لبنان الثالثة”، مروراً بسقوط دمشق، وانفجار المواجهة الإيرانيّة ـ الإسرائيليّة، وصولاً إلى خطة ترامب لإعادةِ هندسة المشرق وفق توازنات جديدة، كان يبدو أنّ الجسد العربيّ يخضعُ لإعادةِ تفكيكٍ وبناء بأدوات غير محايدة، وبإشراف قوى لا تعبأ إلا بمصالحها.
في هذا السياق، لا يظهر السودان كاستثناءٍ، بل كمرآة داميةٍ للدروسِ المهملة، فالحرب ليست صاروخاً فقط، لكنها أيضاً جوعٌ وغيابُ دولةٍ وذاكرةٌ مثقلةٌ بالخذلان. ومع أنّ المنطقة بأسرها تعيش على صفيحٍ ملتهب منذ قرن، إلا أنّ سؤال اليوم لم يعد: “متى ستنتهي الحرب؟” بل صار: “أين ستشتعلُ الحرب القادمة؟” وعلى أيّ مدينة ستُسدل غمامةَ الموت غداً؟ في مسرحٍ ممتدّ من المتوسط إلى النيل، لا تُثبت الأحداثُ إلا حقيقةً واحدةً: أنّ الشرق الأوسط، مهما تبدلت خارطته وأسماؤه وأحلافه، لا يزال ـ كما كان ـ يعيش في زمنَ الدم المفتوح، حيث لا نهاية قريبة للمشهد، ولا استراحة ممكنة من ضجيج البنادق.
هذه الخاتمة، بما تحمله من مرارةٍ وواقعيّةٍ، لا تنفصل عن سياق ما سبقها، بل تؤكد مجدداً أنّ ما بدأ في غزة امتدّ إلى بيروت، فدمشق، فطهران، قبل أن يدير العالم ظهره للسودان، تاركاً لشعوبه أن تواجه مصيرها وحدها، في زمنِ الحروبِ التي لا تنتهي، بل يتوارثها جيلٌ عن جيلٍ، كأنّها قدرٌ لم يُكتب بعدُ آخرَ سطرٍ من فصوله.
No Result
View All Result