الطبقة/ عبد المجيد بدر ـ تواجه آلاف العائلات النازحة في مخيمي طويحينة والمحمودلي شمال غرب الطبقة، تحديات كبيرة للعودة إلى ديارها بسبب الدمار ونقص الخدمات والألغام، فتعمل الإدارة الذاتية على تنظيم برنامج العودة الطوعية، حتى الآن بثلاث رحلات آمنة شملت أكثر من 230 شخصًا، مع توفير مرافق طبية ولوجستية لضمان حماية العائلات.
بعد سقوط النظام السوري في الثامن من كانون الأول ٢٠٢٤، برزت قضية النازحين مجددًا كأحد أكثر الملفات تعقيدًا في المشهد السوري، عشرات آلاف العائلات التي هجّرتها الحرب منذ عام 2011 ما زالت تقيم في مخيمات “طويحينة والمحمودلي” شمال غرب مدينة الطبقة، حيث تعيش ظروفًا إنسانية صعبة بانتظار أن تتهيأ الظروف الأمنية والخدمية التي تسمح لها بالعودة إلى ديارها.
وعلى الرغم من انتهاء العمليات العدوانية في معظم المناطق، فإن عوائق الأمان ودمار البنية التحتية جعلت العودة حلمًا بعيد المنال.
معاناة النازحين في مخيمي الطويحينة والمحمودلي
وتشير إحصائيات هيئة الشؤون في مقاطعة الطبقة إلى أن أكثر من 12 ألف شخص يقيمون حاليًا في المخيمين، غالبيتهم من دير الزور وحمص وحماة، وهي محافظات شهدت معارك ضارية خلال سنوات الحرب، ورغم مرور نحو عام على انتهاء سلطة النظام، إلا أن الأوضاع في هذه المناطق لم تستقر بعد، حيث لا تزال الألغام تحصد الأرواح، والخدمات العامة شبه معدومة، والبيوت مدمرة بالكامل في بعض القرى والبلدات، ومع كل رحلة عودة طوعية، تتجدد الأسئلة حول جدوى العودة قبل معالجة هذه التحديات.
وفي هذا السياق قال “علي الحمدان” نازح من دير الزور ومقيم في مخيم طويحينة: “خرجنا من دير الزور تحت القصف عام 2017، حتى استقرّ بنا الحال في طويحينة، اليوم، يتحدث الجميع عن العودة، لكن من يعود إلى بيت مهدوم؟ لا ماء ولا كهرباء ولا مدارس، الطريق إلى قريتنا ما زال مزروعًا بالألغام”.
وأشار إلى أن المعاناة اليومية في المخيم لا تقلّ قسوة عن النزوح نفسه: “الخيمة لا تقي حرّ الصيف ولا برد الشتاء، نعتمد على صهاريج المياه، والمساعدات لا تكفي، لكننا على الأقل نعيش في منطقة آمنة، لا نريد أن نعود إلى الخطر من جديد”.
وأضاف: “لا تكون العودة الحقيقية بالشعارات، بل بضمانات أمنية وخدمية تضمن حياة كريمة للعائلات التي أنهكتها الحرب”.
ومن جانبها نوهت “وضحى الجاسم” وهي نازحة من ريف حمص ومقيمة في مخيم المحمودلي: “أطفالي يحلمون بالعودة لمدارسهم، لكن معظم المدارس مغلقة ومدمرة والمستشفيات شبه معدومة، في المخيم هناك خيام صغيرة، لكن على الأقل بعيدون عن العنف والأوضاع المتردية في مناطقنا، فالعودة قبل تحسن الأوضاع ستكون مخاطرة كبيرة ونخشى فقدان حياتنا كما حدث مع الكثير ممن عادوا”.
الدمار وحجم التحديات
وتظهر بيانات أطلس معهد الأمم المتحدة للبحث والتدريب (UNITAR) حجم الدمار الهائل الذي خلّفته سنوات الحرب في المحافظات السورية الوسطى والشرقية، ففي دير الزور وحدها، تضررت 6405 مبانٍ، منها 1161 مدمّراً، و2370 مدمّراً كاملاً، و2874 مدمّراً جزئيًا، أما في حمص، فقد بلغت أعداد المباني المتضررة 13778 مبنى، وفي حماة نحو 10529 مبنى، في حين سجّلت مدينتا تدمر والقريتين ما يقارب 1176 مبنى متضررًا بنسب متفاوتة.
ويقع مخيم طويحينة على بعد 30 كيلومترًا شمال غرب مدينة الطبقة، وقد أُنشئ عام 2017 لاستقبال نازحي معارك دير الزور والرقة، اليوم، يضم نحو 523 عائلة تعيش في 720 خيمة، بإشراف مباشر من لجنة الشؤون الاجتماعية والعمل.
أما مخيم المحمودلي، الذي افتُتح رسميًا في حزيران 2025، فيقع على الطريق الواصل بين الطبقة والجرنية، ويضم 1090 عائلة بواقع أكثر من 7500 نازح، أغلبهم من ريف حمص الشرقي وتدمر والقريتين.
ويعاني المخيمان ضعفاً في البنى التحتية، وانقطاع الكهرباء المتكرر، وشحّ المياه، ونقص الكوادر الطبية والتعليمية، ما يجعل الحياة اليومية أشبه بصراع للبقاء.
ورغم محاولات الإدارة الذاتية والمنظمات الإنسانية تحسين الواقع داخل المخيمين، فإن أصوات النازحين لا تزال تعبّر عن القلق من مستقبل غامض، وتؤكد أن الحل الحقيقي يكمن في تهيئة ظروف العودة الآمنة.
العودة دون خطة تعني تكرار المأساة
وأوضح “نشمي الرحيل“، نازح من ريف حماة، وهو أحد وجهاء المخيم: “نحن هنا منذ سنوات، كنا نظن أن بقاءنا مؤقت، لكن المؤقت صار دائمًا، بعد سقوط النظام البائد، توقعنا أن تفتح الطرق ويُسمح لنا بالعودة، لكن لم يتغير شيء، مناطقنا ما زالت مدمرة، والسلطات المحلية هناك عاجزة عن تأمين الكهرباء والمياه”.
وتابع: “عاد البعض بالرحلات الطوعية إلى بيوت مهجورة لا سقف لها، ولا مدارس ولا مشافٍ، العودة من دون خطة شاملة لإعادة الإعمار تعني تكرار المأساة”.
وفي السياق ذاته، أشارت “إخلاص الجاسم” نازحة من ريف حمص ومقيمة في مخيم المحمودلي: “تركنا منزلنا بعد أن دمره القصف بشكل كامل، ونحن الآن نعيش في المخيم في ظروف صعبة؟ ونعتمد على المساعدات الإنسانية بشكل شبه كامل، والمياه تكاد لا تكفي احتياجاتنا اليومية، ورغم كل شيء نجد بعض الأمان هنا وهو ما لم نجده في مناطقنا الأصلية حيث الطرق مزروعة بالألغام والفلتان الأمني مستمر”.
برنامج العودة الطوعية المنظم
وشهد مخيم المحمودلي حتى الآن ثلاث رحلات طوعية لتنظيم عودة النازحين:
الرحلة الأولى: 26 آب 2025، شملت عشر عائلات تضم 42 شخصًا، إلى ريف دير الزور، بمرافقة فرق أمنية ولوجستية، والرحلة الثانية: 16 أيلول 2025، ضمت 15 عائلة بما مجموعه 55 شخصًا، إلى ريف حمص وريف حماة، وتمت متابعة وصولهم لضمان وجود الأمن والخدمات الأساسية، والرحلة الثالثة: 15 تشرين الأول 2025، بمشاركة 28 عائلة تضم 133 شخصًا، إلى أرياف درعا، دير الزور، حماة، حمص، وحلب، باستخدام 12 حافلة و24 شاحنة، مع مرافق طبية ولوجستية لكل رحلة.
وتوضح هذه الرحلات مدى حرص الإدارة الذاتية على تنظيم العودة الطوعية بطريقة آمنة ومدروسة، كخطوة أولى نحو معالجة أزمة النزوح الطويلة. وفي هذا السياق، قال الرئيس المشترك لمخيم المحمودلي في مدينة الطبقة “عبد الرحيم الواوي“: “برنامج العودة الطوعية يتيح للنازحين العودة إلى ديارهم بطريقة آمنة ومنظمة تمامًا، كل رحلة تُخطط بعناية، تشمل تحديد العائلات الراغبة، تنظيم النقل، وتوفير مرافق طبية ولوجستية أثناء السفر”.
وتابع: “نعمل على تأمين الممرات الآمنة لكل رحلة بالتنسيق مع الفرق المحلية، كما نتعاون مع المفوضية السامية لشؤون اللاجئين والمنظمات الإنسانية لضمان توفير الدعم الضروري لكل عائلة خلال العودة”.
وأضاف: “البرنامج يعتمد على مبدأ العودة الطوعية بالكامل، حيث يكون القرار للعائلة دون أي ضغط، مع التأكد من أن كل خطوة تراعي كرامتهم وحياتهم بعد سنوات النزوح الطويلة”.
وختم الرئيس المشترك لمخيم المحمودلي في مدينة الطبقة “عبد الرحيم الواوي” حديثه: “يقاس نجاح برنامج العودة الطوعية بمدى أمان العائلات واستقرارهم بعد العودة. لذلك؛ نركز على التخطيط الدقيق والمتابعة اللوجستية لضمان رحلة سلسة وآمنة لكل نازح”.
وبين وعود العودة ومخاوف الواقع، تبقى قضية النازحين السوريين في مخيمي “طويحينة والمحمودلي” مفتوحة على احتمالات كثيرة، فبين أنقاض البيوت وغياب الخدمات، ما زالت آلاف العائلات تنتظر أن يتحول برنامج العودة الطوعية إلى فرصة حقيقية للسلام والعودة، بينما يظل النازحون ثابتين في خيامهم، يرقبون الأفق، بحثًا عن فجرٍ يعيدهم إلى بيوتهم المفقودة”.