زاوية كينونة المرأة ـ ليلى خالد
عندما نتأمل أحوال الطبيعة البشرية، سنلاحظ مواصفات عديدة، منها القريبة ومنها البعيدة من ذواتنا، بحسب الطبائع التي خلقتها الخصوصية الإنسانية. أردتُ خلال هذه الزاوية أن أتطرق إلى ظاهرة منتشرة هذه الأيام بوضوح، وهي النرجسية، التي تُعد في علم النفس ظاهرة سلوكية يعاني فيها الشخص من اضطرابات مختلفة في شخصيته، حيث يعيش شعور التعظيم وحب الذات، ولا يمتلك مشاعر أو عواطف تجاه الغير إلا ما يخدم أنانيته، وتجتمع فيه صفات الغرور والاستغلال، وينسف بصفاته هذه كل إنسان يمتلك قدرات تفوق قدراته، ويتصف بالقيم الأخلاقية، وله مكانة ووجود ملفت في محيطه.
يجب ألّا نغفل أنّ الشخص النرجسي له تأثير سلبي على شكل العلاقات الاجتماعية ببعديها الأسري والمهني، حيث يزعزع العلاقات ضمن الأسرة ويخلق توترات بين الأصدقاء، وينشر تفاصيله الرثة في كل مكان يستطيع الوصول إليه عبر مواقع التواصل الاجتماعي المتعددة، مساهماً بذلك في خلق اضطرابات وأجواء سلبية تتجاوز كل حدود السواء في العلاقات الأسرية والرفاقية والعملية.
يعمل هذا النموذج وفق الخاصية الفردانية، لا يستمع للآخرين، عالي الصوت في نقاشاته ليُسكت الجميع ويُصغوا لقصص نجاحاته دون التطرق إلى أخطائه، فيُحدث ضوضاء غير مرغوب فيها.
يعاني النرجسي من حساسية مفرطة تجاه النقد، وسرعة في انتقاد غيره، فيُعظم ذاته ويقلل من شأن الآخرين، كتنين ينفخ ناره على كل من يتقدم عليه ليظل هو في المقدمة.
وهذا يدعوني إلى التساؤل عن حجم وتزايد عدد من يحملون هذه الصفات النرجسية في المؤسسات، التي تمثل الشعوب المتعددة، والذين يبثون سموم الغرور والغيرة والفوقية النتنة في بيئة العمل؛ ما يخلق اختلال التوازن في عمل هذه المؤسسات الوليدة والرائدة في المنطقة.
وللنرجسية تاريخ ترويه الأسطورة الإغريقية «نرسيس» أو ما يُسمى «نرجس» ذلك الشاب الفائق الجمال الذي كان يرفض الحوريات لاعتقاده أنّه لا توجد حورية تستحقه، فوقع في حب نفسه بعدما شاهد صورته في جدول ماء، وظل يراقبها حتى خارت قواه ومات، واختفت جثته، ونبتت مكانها زهرة النرجس التي لا تنبت سوى زهرة واحدة على كل ساق، وهذا الساق يُسبب التسمم للحيوانات الأليفة.
تشكل المرأة النرجسية خطراً على تنظيمات وحركات المرأة التي تناشد الحرية قولاً واحداً، لأنّها تمتلك قدرة فائقة على تفريغ كل من حولها من الطاقة والرغبة، وذلك يشكل عرقلة وعقبة أمام التطور والإبداع.
فالمرأة في الشرق الأوسط نشأت في بيئة تقليدية ذكورية تتسم بالقيود الثقافية والاجتماعية، والدونية، والإقصاء، والتعنيف؛ ما أفرز تركيبة نسوية هشة تعاني من متلازمة الطاعة والخنوع وعدم القدرة على المواجهة، فترضخ للواقع وتتقبله كأمر طبيعي، وهذا ما يساهم في هشاشة بنية منظومة المرأة الحرة، ويعزز استدامة عبودية المرأة بيد المرأة.
إنّ البحث عن الحل ضرورة وحاجة ملحة، من أهم مقوماتها الوعي والإرادة القوية في التعامل مع شخصيات تحمل هذه الصفات. ويحتاج الشخص النرجسي إلى توعية نفسية وحكمة في التعامل، بهدف تعزيز قيم التواضع والتعاطف فيه، وتنظيم برامج تدريبية تركز على الذكاء العاطفي والتواصل الفعّال مع زملاء إيجابيين، والتعمق في علم المرأة والحياة (الجنولوجيا) التي تعد مانيفستو المرأة الحرة، لتبيان ضرورة وأهمية العمل وفق العقل الكومونالي في حياتنا المجتمعية.