No Result
View All Result
الشدادي/ حسام الدخيل ـ في أقصى الجنوب من مدينة الحسكة، وتحديداً في سوق الحدادية شمال مدينة الشدادي بنحو 22 كيلومتراً، تبدأ الحكاية كل صباح مع أصوات الأغنام المتعبة التي تبحث عن ظل أو عشب نادر في أرض أكلها العطش.
هناك، يقف “عمر الحميد“، أحد مربي المواشي، يراقب قطيعه بعينين يملؤهما القلق، لم يعد صوت الثغاء يبعث الطمأنينة كما كان، بل صار أشبه بنداء استغاثة من حيوانات تعاني الجوع والعطش معاً.
يقول الحميد بصوتٍ مُتعب: “ما عدنا نعرف كيف نعيش. الجفاف أكل المراعي، وأسعار الأعلاف نار… كيلو التبن صار بألفين ليرة سوريّة، وكيلو بذار العلف بأربعة آلاف، والنخالة بـ٣٥٠٠، بعض المربين اضطروا يبيعوا نص الغنم حتى يطعموا النص الباقي”.
كان كلامه مريراً مثل هواء الصيف الجاف الذي يلسع وجوه المزارعين والمربين على حدٍ سواء. في السوق، تتراصّ القطعان في انتظار من يشتري، لكن الأيادي قليلة، والعيون كلها خائفة من الغد.
أسواق شبه خالية وأرقام تُثقِل الذاكرة
في الجهة الأخرى من السوق، يجلس “عيسى الخلف“، دلّال الأغنام، يقلّب دفتره بين يديه ويعدُّ الأسعار التي لم يعد أحد يصدقها. يقول وهو يشير إلى أحد القطعان: “رأس الغنم اللحم صار بين مليونين ونص لثلاثة ملايين، والكبش يوصل لأربعة ملايين أحياناً، الخاروف بين مليون ونص ومليونين، والمطعّمة حوالي مليونين… بس المشكلة ليست بالأسعار، المشكلة إنو ما عاد في حركة بيع حقيقية”.
ويضيف: “كل يوم بيصرف المربي بين عشرة وخمسة عشر ألف ليرة سوريّة على الراس الواحد… والله حتى الناس ما عاد تقدر تشتري لحم، فكيف المربي بدو يعيش؟”.
الأسعار التي يذكرها الخلف أصبحت كالكابوس الذي يُثقل كاهل كل مربي، ومع كل ارتفاع جديد في سعر العلف، يتضاءل الأمل في الاستمرار.
كسادٌ يُخيّم على السوق
بين أصوات الباعة وحركة القطعان القليلة، يتحدث “أحمد العبد“، أحد الدلالين القدامى، عن سوق بات يختلف عن الأمس: “زمان كان السوق يعجُّ بالناس، اليوم أكثر المربين جايين بس يشوفوا الأسعار، ما يشتروا ولا يبيعوا. سعر رأس الغنم الوالدة بين ثلاثة وثلاثة ونصف مليون، والغنم العشر بين مليونين لثلاثة ملايين، والماعز العشر حوالي مليونين… كل شي واقف”.
يأخذ أحمد نفساً طويلاً قبل أن يُضيف: “الناس مو بس تعبت، انكسرت… المربي يلي ورث المهنة عن أبوه وجده، اليوم عم يفكر يتركها”.
أرض عطشى وقلوب مُثقلة بالهم
لم تكن تربية المواشي في الجنوب يوماً مهنة سهلة، لكنها كانت مهنة الكرامة والعيش الشريف. اليوم، يصفها المربون بأنها “معركة بقاء”، يخوضونها ضد الجفاف وغلاء الأسعار وقلة الدعم.
المراعي تحولت إلى أرضٍ قاحلة، والأنهار الصغيرة التي كانت تروي السهول جفّت منذ شهور، حتى الطيور هجرت المكان.
يقول العبد وهو ينظر نحو الأفق الباهت: “صرنا نحسب الأيام، نخاف يجي يوم ما نلاقي شي نُطعمه للغنم… وإذا راحت الغنم، راحت حياتنا كلها”.
صرخة المربين “نحتاج الدعم… قبل فوات الأوان”
في ظلِّ هذه الأزمة الخانقة، يناشد مربو المواشي في الجنوب الجهات المعنية بالتدخّل السريع، عبر تأمين الأعلاف بأسعارٍ مدعومة، وتقديم مساعدات مالية عاجلة تعينهم على تجاوز هذه المرحلة القاسية. فالأمر لم يعد مجرد تراجع في الإنتاج، بل خطر يهدد قطاع الثروة الحيوانية بأكمله، ويهدد معه أمن الغذاء المحلي الذي يعتمد عليه الآلاف من سكان المنطقة.
الجفاف لا يرحم، والمواشي لا تنتظر… وبين قسوة الطبيعة وصمت الجهات المسؤولة، تبقى أصوات المربين تصدح في أسواق الجنوب كصدى بعيدٍ لحياة كانت عامرة بالخضرة والصوف والرضا.
No Result
View All Result