No Result
View All Result
روناهي/ الرقة ـ في الذكرى الثامنة لتحرير الرقة، ما زالت قصص الشهداء حاضرة في ذاكرة المدينة، تنبض بالحياة رغم مرور السنوات، وتُروى بدموع الفخر والحزن معاً. ومن بين هذه القصص، تبرز حكاية الشهيد فارس علي حسن، والشهيد خالد الشريف العسكر، اللذين جسّدا معنى الإيمان بالحرية والسير على نهج القائد عبد الله أوجلان، فكانا جزءاً من الملحمة الكبرى، التي سطّرها أبناء شمال وشرق سوريا في وجه الإرهاب.
ثماني سنوات مضت منذ لحظة تحرير الرقة من قبض داعش الإرهابي، تلك اللحظة التي شهدت ولادة الحرية من رحم الدمار، وتفتّحت فيها شقائق الدم على تراب المدينة التي دفعت أغلى الأثمان لاستعادة إنسانيتها، لم يكن تحرير الرقة انتصاراً عسكرياً، بل كان نصراً للكرامة، ولإرادة الحياة التي جسدها أبناء وبنات المدينة حين قدّموا أرواحهم فداءً للرقة التي كانت تُعرف يوماً بعاصمة الظلام، فأعادوها منارة للنور والمقاومة.
حلم الحرية في عمر الزهور
وفي أحد بيوت حي الرميلة بالرقة، جلست والدة الشهيد فارس علي حسن، “مريم عبد الحميد”؛ تستعيد ذكرياتها، ودموعها تختلط بابتسامة فخر لا تفارق وجهها، وتحدثنا بصوت يملؤوه الحنين: “فارس كان صغيراً في العمر، بالكاد بلغ الثامنة عشرة، لكنه كان كبيراً بأحلامه وإيمانه، ودائماً يردد “الحرية ما تُهدى، تُنتزع”، أحب الحياة، لكنه أحب حرية شعبه أكثر، لقد اختار اسماً حركياً أبو شادي، فقد كان يريد أن يكون أباً في المستقبل، لكن يبدو أن حلمه بأن يكون أحد أبطال تحرير الشعوب كان أقوى من أي شيء آخر”.
ولد حسن في بيئة بسيطة من عشيرة الجيس العربية، في مدينة كانت تتجرّع الألم تحت حكم مرتزقة داعش الذي جعل الرقة مسرحاً للقتل والخوف، ورغم صغر سنه، كان يدرك أن الخلاص لن يأتي إلا بالمقاومة.
تروي والدته: “كنا نعيش بين الخوف والصمت، وكل شيء كان محرماً حتى الحلم، ولم يرضَ ذلك فارس، فلم يعرف الخوف يوماً”، وتستذكر كلمات كان يرددها “نحن على خط القائد عبد الله أوجلان، وما دام فكر القائد أوجلان حيّاً، لا تموت الحرية”. فقد راقبته والدته وهو يكتب كلمات عن الأمل، ويخط شعارات على الورق، ويحلم أن يرى مدينته حرة من الظلم والظلام.
في عام 2016، زُفَّ إلى فاطمة خبر استشهاد فلدة كبدها في نيسان، إلا أن سيطرة داعش على الرقة منعت العائلة أن تنعاه علناً: “وصلنا الخبر عن طريق أخ زوجي، لكن لم نعلن عنه، كان الخوف يملأ المدينة، دفنا وجعنا بصمت في قلوبنا فقط، خشية أن يُعتقل أحدنا إذا علموا أنه استشهد على درب الحرية”.
تصف تلك الأيام بأنها “الأشد وجعاً”: “كنت أشعر أن الحزن يسكن كل زاوية في البيت، كنت أبتسم رغم الألم، لكن أبكي ليلاً بصمت، أردد: “ابني شهيد، ما لازم نخاف، بس خلّي الخبر جوّانا لحد ما تنتهي الغمّة””.
مرت السنوات ببطء قاتل، وفي كل يوم كان الفراغ الذي تركه حسن يكبر، حتى جاء يوم التحرير الذي حول كل دمعة إلى فخر لا انكسار، فمريم رأت في ذلك اليوم الحرية، التي انتظرتها وجاءت من تضحية كبيرة إذ ضحت بقطعة من روحها.
ففي العشرين من تشرين الأول 2017، دوّى صوت الفرح في الرقة، انتهى عهد الظلام وعاد الأمل ينبض من جديد، ب
فضل قوات سوريا الديمقراطية، التي قاتلت بشجاعة بمساندة أبناء المدينة من مختلف الشعوب كرد وعرب وسريان وآشور في صورت عبرت كما يريده الشعب لا أذرع الإرهاب.
وعن فرحة التحرير أشارت مريم: “تحرير الرقة كان لنا حياة جديدة، شعرنا يومها أن فارس عاد بيننا، وأن روحه ترفرف فوق المدينة، في كل شارع تحرر، كنا نقول “هنا كان يمكن أن يسير فارس”، وكل علم ارتفع، كنا نراه يبتسم بين خيوط الشمس”.
الشهداء لا يموتون بل أحياء
في زاوية أخرى، تروي زوجة الشهيد خالد الشريف العسكر، “أمل العسكر” قصةً لا تقل وجعاً عن قصة أم فارس، ففي كل منزل من مدينة الرقة كانت هناك قصة شهيد قصة أم أو زوجة تمسح دموعها، وهي تُطَمْئِن قلبها أن فقيدها كان على الطريق الصحيح، وتقول أمل بصوت تختلط فيه القوة بالأسى: “زوجي التحق بصفوف قوات سوريا الديمقراطية عام 2017، وكان مصرّاً على المشاركة في حملة تحرير الرقة، وما زلت أتذكر كلماته في ذلك اليوم “إذا ما قاتلنا نحنا، مين راح يحرر أهلنا من داعش؟”، كان واثقاً أن الحرية تحتاج تضحيات”.
لكن القدر كان أسرع من الأحلام، فقد تلقت خبر استشهاده: “بعد وقت قصير، وصلني خبر استشهاده، قالوا إن مرتزقة داعش أسرته وأحرقته، لم أكن أتخيل يوماً أن الشخص الذي كان كل حياتي يحرق، وبعد الخبر بـ 13 يوماً، أعاده رفاقه، كان جثمانه رماداً، لكن كرامته كانت نار عز”.
تضيف أمل وهي تمسح دموعها: “لقد دفن بطريقة تليق بأبطال التحرير، وكل ذكرى لتحرير الرقة تجديد للعهد، لن ننسى تضحياتهم، ولن نرجع خطوة عن طريق الشهداء”.
أبناء الشهداء يرسمون المستقبل
بعد التحرير، لم تتوقف الرقة عند البكاء على شهدائها، فمن تحت الركام وُلدت الحياة من جديد، عاد الأهالي إلى بيوتهم، فتحت المدارس أبوابها، وتعالت أصوات الأطفال في أحياء كانت صامتة.
تقول والدة فارس بفخر: “اليوم، عندما أرى شباب الرقة يعملون والبنات يدرسن، أرى حلم فارس يتحقق، هو لم يمت، فكره باقٍ بيننا، ودماء الشهداء لم تذهب هدراً، بل زرعت الحرية في تراب المدينة”.
الرقة اليوم ليست كما كانت قبل ثماني سنوات، تغير وجهها، لكن ظلها ما زال محملاً بذكريات من قاوم وضحى، وفي كل حي قصة شهيد، وفي كل بيت ذكرى بطل غاب جسداً وبقي روحاً.
العهد لا يزال قائماً
وقد أجمع من تحدثنا معهم على أن فكر القائد عبد الله أوجلان كان منارة استلهم منها الشهداء شجاعتهم وإيمانهم بعدالة قضيتهم. فبينت مريم: “كان فارس يحكي عن فكر القائد، وعن المساواة وحرية الشعوب، وكان يعتبر القائد أوجلان أب الثورة، ويقول: إن طريقه هو طريقنا، اليوم نحن على الطريق نفسه، مكملين المسيرة”.
أما أمل العسكر فتؤكد: “زوجي استشهد وهو يردد كلمات القائد أوجلان عن الأخوّة والحرية، ويؤمن أن فكر القائد هو الحل لكل الشعوب، والطريق الوحيد لبناء مجتمع ديمقراطي، وأنا اليوم أربي أولادي على الفكر نفسه، ليكملوا طريق والدهم”.
ثماني سنوات على التحرير، والرقة ما زالت تزهر كل صباح بذكرى من رووا أرضها بدمائهم. في كل عام، يخرج الأهالي لإحياء ذكرى التحرير حاملين صور الشهداء وأعلام قوات سوريا الديمقراطية، وتمتلئ الشوارع بالأغاني الثورية والهتافات التي تؤكد الوفاء للعهد.
واختتمت “أمل العسكر” والدة الشهيد فارس مريم حديثها: “رحل ابني، لكن فكره باقٍ، وصيته واضحة (لا تتراجعوا، الحرية تستحق)، وهذا العهد سنكمله، وسنظل أوفياء لمسيرة الشهداء، وفارس ورفاقه ممن ضحوا بحياتهم لم يموتوا، فقد زرعوا حب الوطن في كل شاب وشابة من مدينة الرقة”.
الرقة، المدينة التي كانت يوماً تحت ركام الخوف، نهضت بفضل دماء أبنائها، تحريرها لم يكن نهاية الحرب فقط، بل بداية عهد من النور، خُط بدماء الشهداء الذين ما زالوا يعيشون في ذاكرة كل حجر وشارع في المدينة، ثماني سنوات بعد التحرير، والشهداء لم يرحلوا، بل صاروا نجوماً تضيء درب الحرية.
No Result
View All Result