No Result
View All Result
بدرخان نوري
لم يكن غريباً أّن يلتقي الرئيس الأمريكيّ دونالد ترامب برئيس الحكومة الانتقالية أحمد الشرع في الرياض أو نيويورك، لأنّ واشنطن تاريخيّاً هي التي دعمت الأفغان العرب مؤسسي “القاعدة”، التنظيم الذي رفع الشرع رايته في العراق عندما كان متطرفاً باسم “أبو محمد الجولانيّ”، فيما الغريبُ استقبال الرئيس الروسيّ بوتين له في الكرملين وهو الذي يحفظ في ذاكرته اسم “الجولانيّ” زعيم جبهة النصرة التي انضم إليها آلاف المتطرفين الروس، وقصفت الطائرات الروسيّة آلاف المرات جغرافياً وجودهم في إدلب. وما حصل عنوانه: تغليب البراغماتيّة على المبادئ.
اختبار درج الكرملين
قال الرئيس الروسيّ فلاديمير بوتين خلال استقباله رئيس المرحلةِ الانتقالية، أحمد الشرع الأربعاء الماضي، إنّ “التعاون بين روسيا وسوريا سيجلب نتائج جيدة”. وأضاف: إنّ اللجنة المشتركة للبلدين ستستأنف عملها، و”نحن مستعدون لإنجاز مشاريع عدة”، وإنّ “العلاقات بين سوريا وروسيا كانت دائما ذات طابع وديّ خالص وتبلورت علاقات خاصةً بين البلدين على مدى عقود عديدة”، وإنّ روسيا مستعدة لإجراء مشاورات منتظمة مع سوريا عبر وزارة الخارجيّة.
واستهل الشرع حديثه إلى مضيفه بالقول: “لديكم سلّم طويل… جيد أن نتمرّن على الرياضة كيلا نأتِيَكم متعبين”، وما أراد قوله هو كلامٌ مبطنٌ، تلقفه الرئيس الروسيّ، الذي لا يتبع تقاليد محددة في استقبال ولا يحرج كلّ ضيوفه بصعود درج الكرملين الطويل، وممن سار على ذلك الدرج الرئيس المصريّ السابق محمد مرسيّ عندما زار موسكو في 18/4/2013، ووصل منهكاً، وبعد شهرين من الزيارة سقطت حكومته، ولعلَّ الشرع أراد القول إنّه خلاف مرسي يتمتع بلياقة بدينّة عالية وأنّه باقي في السلطة.
وأكّد الشرع أنّ سوريا ستحاول إعادة ضبط علاقاتها مع روسيا، مبيناً إنّ “الأهم هو الاستقرار في البلاد والمنطقة”. وأضاف: “نحاول أن نُعرِّف بسوريا الجديدة في روسيا ومختلف أنحاء العالم من الدول التي تربطنا بها علاقات جيدة، ونؤكّد أنّ هناك علاقات قوية بين سوريا وروسيا”. وقال أيضاً: “نحترم كلّ ما مضى من اتفاقيات مع روسيا ونعمل على إعادة تعريف طبيعة العلاقات مع روسيا”.
وعقب المباحثات قال نائب رئيس الوزراء الروسيّ ألكسندر نوفاك: إنّ مباحثات بوتين والشرع في الكرملين تناولت جوانب عدة أهمها الإنسانيّ بالإضافة إلى الطاقة والنقل والصحة والسياحة، وتابع إنّ “سوريا بحاجة إلى إعادة بناء بنيتها التحتيّة”، مؤكداً أنّ “روسيا قادرة على تقديم الدعم في هذا المجال”، موضحاً أنّ موسكو ودمشق اتفقتا على عقد اجتماع للجنة حكوميّة دوليّة مشتركة في المستقبل القريب، وأضاف أنّه جرى بحث مسائل الإمدادات الإنسانيّة إلى سوريا. لافتاً إلى أنّ دمشق أبدت اهتماماً بالحصول على القمح والأدوية الروسيّة.
تطمح سلطة دمشق للحصول على دعم موسكو لها في مجلس الأمن الدولي، وكذلك دعم ملف إعادة الإعمار وجلب الاستثمارات والشركات الروسيّة الخاصة بقطاعي النفط والغاز. فيما بعثت موسكو رسالة للدول الغربية مفادها إنّ “روسيا تتبع سياسة براغماتيّة في تعاملها مع الشرق الأوسط، ولا تتعامل فقط مع الأنظمة السياسيّة، بل مع الشعوب والدول بشكلٍ عام، وأنّه يمكنها مواصلة علاقتها مع سوريا بعد سقوط النظام السوريّ السابق”.
رجل روسيا من العائلة
منصة ريا نوفوستي الحكوميّة نشرت مقالاً لكاتب روسيّ شعبويّ بعنوان “خسر بوتين، وكسب ترامب”، وقالت: “مرةً أخرى، أخطأوا التقدير. وجاء في المقال: “في الماضي، ربما كان لدى الشرع الكثير من المآخذ على الروس لأننا دعمنا الأسد ـ على الرغم من إن علاقاته بروسيا لم تكن قليلة: يكفي أن نذكر أن شقيقه الأكبر، الذي يترأس الآن الإدارة الرئاسية، عاش وعمل لسنوات طويلة في فورونيج، حيث كان يدير عيادة استشارات نسائية في مستوصف”.
وتابع الكاتب: “لاحظت أنّ جميع أعضاء الوفد السوريّ كانت لهم لحى سوداء. برز شخص واحد فقط في هذا المشهد. نعم، كان بلا لحية. لكنه لم يبرز لهذا السبب فقط. كان يجلس على اليسار، في أقصى الطرف، ويبدو أنّه كان يحاول ألا يلفت الأنظار. ولكن كيف له ألا يلفت الأنظار! لقد كان ماهر الشرع. عُيّن مؤخراً رئيساً لديوان القصر الجمهوريّ في دمشق. وقبل ذلك، عمل وزيراً للصحة في الحكومة السوريّة الانتقالية”.
وسرد المقال حياة ماهر الشرع الذي يعدُّ روسيا وطنه الثاني وقال “إن نقولَ إنّه رجلنا هو تبسيطٌ للصورة. ليس مجرد رجلنا. إنّه رجلنا القادر على النظر إلى جوهر الأشياء. يبدو أنّ كل الأمل الآن كان معلقاً عليه حتى من قبل هؤلاء الرجال الذين يبدون أقوياء للوهلة الأولى”.
وركزت كومرسانت وريا نوفوستي على الجانب الرمزيّ في الوفد السوريّ، وبخاصةٍ حضور ماهر الشرع، تزوج من روسيّة وعمل طبيباً في روسيا لسنوات، وهذا التفصيل ليس عرضيّاً، بل استُخدم جسراً لتأكيد العلاقة بين الجانبين.
تحقيق الهدف أولى رسائل موسكو
أكّد الرئيس الروسيّ بوتين في 19/12/2024 بالمؤتمر الصحفيّ السنويّ أنّ الإطاحة بالأسد حليفه الوثيق، ليس “هزيمة” لموسكو، وأضاف: “ثمة من يحاول تصوير ما حدث في سوريا على أنّه هزيمة لروسيا. أؤكد لكم أنّ الأمر ليس كذلك”، وأشار إلى التدخل الروسيّ في سوريا جاء لمنع إنشاء جيبٍ إرهابيّ فيها، كما في أفغانستان. وبصورةٍ عامة، حققنا هدفنا”. وفي حديثه عن الشأن السوريّ، تناول كيفية سقوط النظام في حلب، فقال إن “350 عنصراً من المعارضة دخلوا حلب فيما انسحب 30 ألف جندي من الحكومة والقوات الموالية لإيران دون قتال”، وأشار إلى أنّ القوات الروسيّة أجلت 4 آلاف عنصر موالي لإيران إلى طهران، عبر مطار حميميم السوريّ بعد سقوط نظام بشار الأسد. وأضاف: “بعض الوحدات الموالية لإيران غادرت دون قتال إلى لبنان، وبعضها إلى العراق”.
وذكر الرئيس الروسيّ أنّ موسكو قدّمت اقتراحات للحكومة الانتقالية بشأن استخدام القاعدتين العسكريّتين هناك لأغراض إنسانيّة، وتابع: “نحافظ على العلاقات مع جميع المجموعات المسلحة التي تسيطر على الوضع في سوريا وجميع دول المنطقة. معظم هذه الدول تؤكد لنا اهتمامها ببقاء قواعدنا العسكريّة في سوريا”.
وكان الرئيس الروسيّ فلاديمير بوتين قد أعلن في 12/4/2017، إنّ عدد المسلحين الأجانب في سوريا يُقدّر بـ20 ألفاً، نحو 9 آلاف منهم من روسيا، وجاء ذلك في لقاء أجرته معه قناة “مير تي في” الروسيّة، وأشار إلى أنّ أولئك المسلحين يشكلون تهديداً حقيقيّاً وكبيراً على أمن بلاده، وأنّ الأنشطة العسكريّة الروسيّة في سوريا تهدف إلى منع عودتهم بالقدر الممكن.
وعشية الإعلان عن التدخّل الروسيّ في سوريا غي 30/9/2015، قال الرئيس الروسيّ: “لن ننتظرهم حتى يأتوا إلينا، بل سنذهبُ لدحرهم هناك” ذلك أنّ الحرب التي خاضتها موسكو في سوريا مثلت في أحد جوانبها المرحلةَ الثالثة للحربِ الروسيّة – الشيشانيّة، وقد دارت الحرب الأولى (1994-1996)، وتلتها حرب ثانية (1999-2009). وكانت موسكو تراقبُ عن كبثٍ انتقالَ المتطرفين من رعاياها إلى سوريا، وتتوافق مع الدول الأوروبيّة، برغبتها التخلص من رعاياها الخطرين، فجعلتهم هدفاً مباشراً لاستراتيجيتها في سوريا، إذ تخشى عودتهم إلى البلاد بعدما اكتسبوا خبراتٍ عسكريّةً متقدمةً. واستهدفت أولى الغارات الروسيّة مواقع وجود المسلحين القوقاز (الشيشان والداغستان) ومن جمهوريات سوفيتيّة سابقة وبخاصة أوزبكستان وطاجيكستان، في اللاذقية وحلب وإدلب.
الاتفاقات السابقة مع روسيا
تشمل الاتفاقات بين دمشق وموسكو مجالات عسكريّة واستثماريّة والتنقيب عن النفط والغاز واستخراج الفوسفات، ومنها:
اتفاقية حميميم، الموقعة في 26/8/2015. وبموجبها، مُنحت روسيا حقَّ استخدام قاعدة حميميم الجويّة ومرافقها مجاناً، إضافة لمساحة بعشرات الكيلومترات حولها، وتضمنت الاتفاقية إعفاءات جمركيّة وضريبيّة، وحصانات واسعة للأفراد والممتلكات ورجال الأعمال والضباط والأفراد والمتعاونين، وجميعهم روس. وليس للاتفاقية حدٌّ زمنيّ، فهي تبقى سارية المفعول ما لم يُلغِها أحد الطرفين.
في 18/1/2017، وُقّعت اتفاقية تسمح لروسيا بتوسيع واستخدام المنشأة البحريّة في طرطوس لمدة 49 عاماً مجاناً والتمتع بالولاية القضائية السياديّة على القاعدة. وتسمح الاتفاقية لروسيا بالاحتفاظ بـ 11 سفينة حربيّة في طرطوس، بما فيها السفن النوويّة، كما وُقّعت اتفاقية تكميليّة تُفصّل الحصانات والإعفاءات القضائيّة لجميع الممتلكات والمرافق الممنوحة للاستخدام في حميميم.
في 21/4/2019 أعلن نائب رئيس الوزراء الروسي، يوري بوريسوف، أنَّ بلاده استأجرت ميناء طرطوس، لمدة 49 عاماً، لأغراض النقل والاستخدام الاقتصاديّ. مع شركة STGللهندسة (المجموعة الروسيّة نفسها)، بقيمة تزيد عن نصف مليار دولار، لتشغيل وتوسيع ميناء طرطوس التجاريّ، ورفع طاقته الاستيعابيّة إلى 38 مليون طن سنوياً، وبموجبها.
وفيما تم تداول إلغاء عقد استثمار ميناء طرطوس بعد سقوط النظام، نقلت وكالة “رويترز”، في 27/2/2025 عن ديمتري تريفونوف، الرئيس التنفيذيّ للشركة أنّها لا تزال تدير الميناء ولم تتلقَ أيّ إخطار بإلغاء عقدها، وأضاف لا يمكن إنهاء الاتفاق من طرف واحد، نظراً لأنّه حظي بتصديق كلٍّ من الرئيس والبرلمان السوريّ.
في 25/12/2013 وُقعت اتفاقية للتنقيب البحريّ عن النفط والغاز في المياه الإقليميّة، وشمل العقد عمليات تنقيب في مساحة 2190 كم2، وتوقفت لاحقاً بسبب ظروف الحرب، بحسب الشركة عام 2015.
في 28/3/2018 وقعت اتفاقية مع شركة ستروي ترانس غاز (STG)، المملوكة للملياردير جينادي تيمشينكو، حليف بوتين المقرب، وبموجب الاتفاق حصلت الشركة على حقوق استغلال كافة مناجم الفوسفات الشرقيّة وخنيفس في تدمر لمدة 50 عاماً، وتمكّنها من استخراج نحو 2.2 مليون طن سنويّاً، فيما يقدّر الاحتياطي بـ 105 ملايين طن من الفوسفات السوريّ الثمين، وتُقسم الأرباح بنسبة 70% للشركة الروسيّة و30% للجانب السوريّ، والحصة السوريّة تُستخدم لسداد الديون، ولذلك لن يتمتع السوريون بعوائد الفوسفات حتى عام 2075.
في تشرين الثاني 2018، وُقعت اتفاقية تقضي باستثمار شركة الأسمدة ومعاملها الثلاثة مع شركة ستروي ترانس غاز، تمنحها صلاحية تشغيل وإدارة مجمع الأسمدة لأربعين عاماً قابلة للتجديد طويل الأجل. ويُنتج المصنع السوبر فوسفات واليوريا ونترات الأمونيوم. وتقسم الأرباح بنسبة 65% للشركة الروسيّة، و35% لسوريا، مع خصم موسكو للديون.
في 6/2/2018 وقّعت اتفاقية لتعاون الجانبين بتنفيذ مشاريع لتطوير وإعادة تأهيل حقول النفط والغاز ومناجم الفوسفات، وتنص على تنفيذ مشاريع البنية التحتيّة في جميع قطاعات الطاقة في سوريا، بما في ذلك مركز للمعلومات الجيولوجية والجيوفيزيائية.
في حزيران 2018، أُعلن عن اتفاقية في مجال استكشاف وإنتاج الهيدروكربونات، أي النفط والغاز، إلا أن تفاصيل الشراكات والمبالغ لم تُنشر رسمياً. وتم التوقيع من خلال اللجنة المشتركة بين الجانبين، وتحدث الجانب الروسيّ اليوم عن إعادة تفعيلها قريباً.
في أواخر عام 2020، أعلنت شركة إنتاج النفط الروسيّة “تات نفط”، أنّها تخطّط لاستئناف التنقيب في سوريا، ومُنحت شركتا “ميركوري” و”فيلادا” الروسيتين، ترخيصاً لافتتاح فرعين لهما في دمشق، للتنقيب عن النفط وتنميته وإنتاجه.
ديون وحصانة
وفقاً لوزارة الدفاع الروسيّة 2018: حتى عام 2018 كانت روسيا قد سلمت سوريا نحو 1.55 ــ1.61 مليون طن من الشحنات، عبر 424 رحلة بحريّة و2785 رحلة جويّة، وكل الإمدادات العسكريّة واللوجستيّة، والتي أضحت ديوناً مستحقة على سوريا. وذكرت مصادر إعلاميّة روسيّة أنّ موسكو شحنت بين عامي 2013 ــ2015 نحو 185.500 طن من الأسلحة والذخائر والوقود وقطع الغيار وغيرها من المواد إلى النظام السابق.
وفي عام 2018 جرت عمليات تسليم لاحقة، تضمنت منظومة صواريخ الدفاع الجويّ إس-300 ولم يُسمح للنظام استخدامها فعليّاً؛ وبين عامي 2015 ـ 2017، تم تسليم 30 ــ 40 دبابة حديثة من طراز تي-90 على دفعتين، إضافة مقاتلات من طراز ميغ -29، بحسب السفارة الروسيّة بدمشق، 2020. وبذلك فإنّ ملف الديون العسكريّة والاتفاقيات المخفية ضخم جداً يكتنفه الغموض. ويقدر خبر حجم تلك الديون بنحو 40-80 مليار دولار، إضافةً إلى حصص الأرباح الضخمة التي تحصل عليها روسيا من كل العقودِ الموقعة في عهد نظام الأسد، وتعهد الشرع في موسكو بتسديد كل تلك الديون، وهو ما يشير إلى الحاجة الماسة إلى الدور الروسيّ في سوريا بالنسبة للحكومة الانتقالية.
ويتمتع أفراد المجموعة الجويّة الروسيّة بكاملِ الحصانة من القضاء الجنائيّ والمدنيّ والعسكريّ والتشريعيّ والإداريّ السوريّ. ما يعني أنّه ليس لسوريا الحق في مقاضاة أيّ جندي أو ضابط أو عسكريّ روسيّ يعمل في القواعد الروسيّة أو مناطق انتشارها، سواء في حميميم أو طرطوس أو أيّ محافظة سورية أخرى، ولا في دمشق. فكل هذه المناطق بحكم المحظورة ولا يجوز لأيّ سلطة أو جيش أو مؤسسة سوريّة دخولها أو تفتيشها بغير إذن قائد القاعدة الروسيّة.
ولا تخضع وسائل النقل والطائرات والسفن والمركبات الروسيّة، لإجراءات التفتيش أو الاحتجاز أو التقييد بأيّ صورةٍ في المطارات السوريّة الخاضعة للسيطرة الروسيّة أو مطار دمشق الدوليّ أو أيّ قاعدة روسيّة أخرى وكذلك الموانئ، وتعدُّ جميع الوثائق والأرشيفات وأنظمة الاتصالات الخاصة بالجانب الروسيّ محميةً بشكل كامل ولا يجوز لأيّ جهة سوريّة الوصول إليها أو الاطلاع عليها.
بالمجمل؛ يمكنُ إطلاق مسميات كثيرة على الوجود الروسيّ في سوريا إلا أنّ يكون علاقة صداقة وتعاوناً نديّاً. إذ ليس لسلطاتِ دمشق صلاحيّة التدخل في أيّ شأن روسيّ على الأراضي السوريّة.
No Result
View All Result