No Result
View All Result
أكرم بركات (صحفي)
في قلبِ الجغرافية السوريّة، برزت مدينة الرقة كواحدةٍ من أكثر المناطق حساسية ورمزية خلال سنوات الحرب. لم تكن مجرد مدينة وقعت تحت سيطرة داعش، بل تحولت إلى “عاصمة الخلافة” المزعومة، ومركزاً دعائياً وعسكرياً لأحد أكثر التنظيمات تطرفاً في التاريخ الحديث. منذ إعلان داعش سيطرته عليها في كانون الثاني 2014، غرقت المدينة في ظلامٍ دامس، حيث فُرضت على سكانها عقيدة العنف، وتحولت ساحاتها إلى مشاهدٍ يومية من الإعدامات والتمثيل بالجثث، في تجربة مريرة تجاوزت حدود سوريا لتصبح رمزاً عالمياً للرعب والانتهاك.
بداية الانحدار
في آذار 2013، خرجت مدينة الرقة عن سيطرة النظام السوري، إثر هجوم واسع نفذته مجموعات مسلحة متعددة الانتماءات، تجاوز عددها المئة، وتوزعت ولاءاتها بين تنظيمات متشددة كجبهة النصرة المرتبطة بالقاعدة آنذاك، وتشكيلات أخرى تابعة لما سُمي بـ “الجيش الحر”، هذا التعدد غير المنسجم في الأهداف والرؤى سرعان ما حوّل المدينة إلى ساحة صراع مفتوح على النفوذ والغنائم، وسط غياب أي مشروع وطني جامع.
في ظل هذا الفراغ الأمني والتناحر الفصائلي، دخل مرتزقة داعش المدينة في 12 كانون الثاني 2014، وفرض سيطرته الكاملة عليها، معلناً إياها “عاصمة لخلافته” المزعومة، ومنذ ذلك الحين، دخلت الرقة مرحلة غير مسبوقة من القمع والعنف، حيث تحولت ساحاتها إلى مسارح للإعدامات العلنية، ومشاهد التمثيل بالجثث، وفُرضت على سكانها حياة يومية مشبعة بالخوف والترهيب.
بعد سنوات من المعاناة، استجابت قوات سوريا الديمقراطية لنداءات أهالي الرقة، وأُطلقت في 6 تشرين الثاني 2016 حملة “غضب الفرات”، لتكون واحدة من أكبر الحملات العسكرية في شمال سوريا والشرق الأوسط. شارك في الحملة أكثر من 12 ألف مقاتل ومقاتلة، معظمهم من أبناء المنطقة، وخاضوا معارك ضاريةً على امتداد الريف الرقاوي، وصولاً إلى تطويق المدينة واقتحامها من عدة محاور.
امتدت المعركة داخل المدينة من 6 حزيران حتى 17 تشرين الأول 2017، وشهدت قتالاً ضارياً في أحياء مكتظة بالسكان، استخدم فيها داعش المدنيين كدروعٍ بشرية، وزرع آلاف الألغام والعبوات الناسفة، ورغم ذلك، تمكنت قوات سوريا الديمقراطية من تحرير المدينة في 17 تشرين الأول وإعلان النصر النهائي في 20 تشرين الأول، لِتُسقط بذلك آخر معقل حضري لداعش في سوريا، وتُنهي حقبة “العاصمة” المزعومة.
من مدينة مختطفة إلى مركزٍ للديمقراطية
تحرير الرقة لم يكن مجرد انتصار عسكري، بل إعلاناً بانتهاء مرحلة مظلمة من تاريخ سوريا، وبداية مشروع جديد يقوم على الإدارة المدنية الديمقراطية، ويضع الأسس الأولى لسوريا تعددية ديمقراطية لا مركزية، تُدار من قبل أبنائها، وتُبنى على أنقاض الاستبداد والإرهاب.
لم تكن حملة تحرير الرقة مجرد مواجهة عسكرية ضد داعش، بل كانت لحظة مفصلية في التاريخ الحديث، حيث اصطدمت إحدى أكثر الأيديولوجيات ظلاميةً وتوحشًا بذهنية تحررية نسوية تتجذر في مشروع سياسي واجتماعي أوسع. فالرقة، التي حولها داعش إلى سوق نخاسة معاصر، كانت رمزًا لانهيار القيم الإنسانية، حيث تحولت النساء إلى غنائم حرب تُباع وتُشترى، وتُغتصب وتُستعبد تحت غطاء ديني مزيف.
في هذا السياق، جاء تحرير الرقة على يد قوات سوريا الديمقراطية، وفي طليعتها وحدات حماية المرأة (YPJ)، ليشكل ليس فقط انتصارًا عسكريًا، بل إعلانًا صريحًا عن بداية تفكيك ذهنية الاستعباد التي أعادت إنتاج العبودية الجنسية في قلب القرن الحادي والعشرين. لقد مثّل دخول المقاتلات إلى المدينة المحررة فعلًا رمزيًا عميقًا: نساء يحملنَ السلاح، يدخلن مدينة كانت تُباع فيها النساء، ليعلنَّ نهاية عهد الظلام وبداية عهد المقاومة والتحرر.
هذا التحول لم يكن عابرًا، بل حمل في طياته دلالات سياسية وثقافية عميقة. فذهنية استعباد المرأة التي جسدها داعش ليست وليدة التنظيم وحده، بل امتداد لتراكمات تاريخية من التهميش والهيمنة الذكورية، وجاء تحرير الرقة ليكسر هذه الحلقة، ويُعيد تعريف دور المرأة في المجتمعات الخارجة من الحرب. لقد أصبحت المرأة، من ضحيةٍ مستعبدة، إلى فاعلة ومحررة، تقود المعارك وتكتب التاريخ.
وبذلك، فإن حملة تحرير الرقة لا تُقرأ فقط كتحريرٍ جغرافي، بل كتحريرٍ ذهني واجتماعي، حيث تم القضاء على نموذج استعبادي، وفتح الباب أمام نموذج مقاوم، نسوي، تحرري، يعيد الاعتبار للكرامة الإنسانية، ويؤسس لوعي جديد في مواجهة كل أشكال القهر والاستغلال.
نموذج ديمقراطي يُحتذى به
في موازاة العمليات العسكرية، تأسس مجلس الرقة المدني في نيسان 2017، ليباشر تنظيم الحياة في الريف المحرر عبر مجالس محلية، مستلهماً تجربة باقي المدن التي تحررت والتي تُدار اليوم بإرادة أهلها. ومع تقدّم القوات داخل أحياء المدينة، بدأت الرقة تخلع السواد الذي فرضه داعش، وتستعيد نبضها بسواعد أبنائها وبناتها المقاتلين.
الرقة، التي اختُطفت من ذاكرة السوريين، نهضت من تحت الركام لتكتب فصلاً جديداً من فصول الكرامة والتحرر. تحولت من رمزٍ عالمي للظلم والإرهاب إلى نقطة انطلاق نحو بناء نموذج سياسي جديد، يرفض الاستبداد، ويؤمن بالإدارة الذاتية والتمثيل الحقيقي لكل مكونات الشعب السوري. لم تكن لحظة التحرير نهاية المعركة، بل بداية مشروع جماعي لإعادة بناء المدينة على أُسس العدالة والمشاركة.
منذ الأيام الأولى لما بعد التحرير، انخرطت شعوب الرقة كافة -من عرب وكرد وسريان ومسيحيين وغيرهم- في تأسيس إدارة مدنية ديمقراطية، تقوم على المجالس المحلية، والتمثيل المتوازن، والعمل الجماعي. لم تعد السلطة حكراً على جهة أو فئة، بل أصبحت موزعة بين أبناء المدينة وريفها، وفق آليات تشاركية تضمن صوت الجميع، وتمنح كل شعب دوره في اتخاذ القرار وصياغة السياسات.
هذا النموذج، الذي بدأ من الرقة، لم يكن مجرد تجربة محلية، بل تحول إلى نواة لسوريا ديمقراطية تعددية، تُبنى من إرادة الأهالي، لا من فوق، فالرقة اليوم لا تُدار من مركز بعيد، بل من داخلها، من أبنائها وبناتها، الذين قرروا أن يكتبوا مستقبلهم بأيديهم، بعيداً عن الإقصاء والتبعية. إنها مدينة تحررت، نعم، لكنها أيضاً مدينة اختارت أن تكون رائدة في رسم ملامح سوريا الجديدة: سوريا تُدار بالعدالة، وتُبنى بالتنوع، وتُصان بالكرامة.
مركز التحوّل الديمقراطي
وفي هذا السياق، أكد القائد عبد الله أوجلان، خلال لقاء أجراه مع أسرته في السابع من حزيران المنصرم بمناسبة عيد الأضحى، “إن الرقة تمثّل اليوم مركز إرساء الديمقراطية في سوريا”، مشدداً على ضرورة أن تتصدر الوحدة المشهد تحت مظلة الديمقراطية، وأن تُسرّع وتيرة العمل في المدينة، لأن الدبلوماسية البطيئة لا تخدم أحداً، هذا التصريح يعكس البعد الرمزي والسياسي الذي باتت تحتله الرقة، ويعزز من مكانتها كمحورٍ للتحول الديمقراطي، ونموذج يُحتذى في بناء سوريا المستقبل.
No Result
View All Result