روناهي/ الرقة ـ بعد سنوات طويلة من الحرب والدمار، الذي خلّفته المجموعات المتطرفة، تعود مدينة الرقة اليوم لتستعيد ملامحها التاريخية، وتنهض من بين الركام كطائر الفينيق، بفضل مشاريع الترميم الطموحة التي تقودها هيئة الثقافة والآثار في شمال وشرق سوريا، فالرقة التي كانت يوماً درّة الفرات ومدينة العلم والفن، تحاول اليوم أن تُرمم ليس فقط حجارتها، بل ذاكرتها الجمعية التي حاول الإرهاب طمسها.
ولم تكن الرقة مدينة عادية في التاريخ السوري، بل كانت عاصمةً للخلافة العباسية في عهد الخليفة هارون الرشيد، ومركزاً للحضارة الإسلامية وحضارة العلم والجانب المعماري. احتضنت على مدى قرون أعلام الفكر والأدب والفقه، وامتازت بمعالمها الأثرية الفريدة مثل قصر البنات، وجامع المنصور، والسور الأثري، وتلال البيعة وهرقلة التي تعود إلى عصور سحيقة.
ولكن هذا الإرث العظيم لم يسلم من محن الزمن، إذ تحولت المدينة خلال سنوات الحرب إلى ساحة صراعٍ مريرٍ دُمّرت معظم معالمها التاريخية. وما بين عامي 2014 و2017، واجهت الرقة أبشع فصول الدمار على يد “داعش”، الذي استخدم مواقعها الأثرية مقرات عسكرية ومخازن ذخيرة، ما أدى إلى انهيار أجزاء واسعة من تلك المعالم، التي كانت شاهدة على مجد الماضي.
سور الرقة الأثري.. حارس المدينة العتيق
ويُعد سور الرقة الأثري أبرز الشواهد العمرانية، التي تحيط بالمدينة القديمة، فهو بُني في العصر العباسي من اللبن الطيني والآجر، ليكون درعاً دفاعياً يحمي المدينة من الغزاة. يمتد السور مسافة تزيد عن خمسة كيلومترات، وكانت تتخلله عدد من الأبراج الدفاعية (البدنات) والمداخل الكبرى مثل باب بغداد، وباب المنصور.
وخلال فترة سيطرة داعش، تعرض السور لتدمير هائل، حيث فُجّرت أجزاء كبيرة من الأبراج باستخدام العبوات الناسفة، وانهارت المداخل التاريخية التي كانت تمثل شرياناً للحياة التجارية والاجتماعية قديماً. كما تسببت عمليات القصف الجوي أثناء المعارك في تصدع اللبن الطيني الأصلي الذي بُني به السور منذ أكثر من 1200 عام.
ولكن اليوم، ومع بدء المرحلة الرابعة من مشروع الترميم، تنبض الحياة من جديد في جدران السور. فقد بدأت الهيئة بإعادة بناء البدنة /رقم 6/ وترميم أربعة مداخل رئيسية، باستخدام/ 110أمتار مكعبة/ من الآجر و/330 مترا مكعبا/ من اللبن الطيني، وهي مواد مطابقة تقريباً لتلك التي استخدمها البناؤون العباسيون.
ويقول المهندس المشرف على المشروع، إن الترميم يجري وفق معايير هندسية دقيقة، توازن بين الحفاظ على الأصالة المعمارية واستخدام التقنيات الحديثة في التدعيم، ويضيف:”هدفنا ليس إعادة بناء الشكل فقط، بل الحفاظ على روح المكان التي تختزن تاريخ الرقة وهويتها الثقافية.”
قصر البنات… من الخراب إلى الجمال العباسي
قصر البنات هو أحد أجمل المعالم الإسلامية في الرقة، بناه الخليفة العباسي هارون الرشيد في القرن الثامن الميلادي كجزء من مجمع القصور التي كانت تزيّن المدينة، تميز القصر بزخارفه الجصّية البديعة، وقبابه العالية، وأقواسه المزخرفة التي تعكس روعة الفن العباسي. لكن؛ مرتزقة داعش حوّلوا هذا المعلم الأثري إلى موقع عسكري ومخزن ذخيرة، ما أدى إلى انهيار القباب الداخلية وتلف الزخارف الجصّية بفعل الانفجارات والحرق المتعمّد.
وبدأت هيئة الثقافة والآثار عام 2022 المرحلة الأولى من الترميم الهيكلي، وشملت تثبيت الجدران المهددة بالانهيار، وتنظيف الأنقاض دون المساس ببنية الجدران الأصلية، وفي عام 2024، انطلقت أعمال إعادة تأهيل الزخارف الداخلية بالتعاون مع خبراء من جامعة روج آفا وبعثة فنية ألمانية مختصة بالترميم التراثي.
ويشير أحد المشرفين على المشروع إلى أن الترميم يسعى إلى إعادة القصر إلى طابعه الجمالي الأصلي مع الحفاظ على بصمات التاريخ، مضيفا: “كل قطعة جصّية نعيدها إلى مكانها هي حكاية حضارة نُعيد روايتها للأجيال القادمة.”
الجامع القديم “جامع المنصور”
يُعد جامع المنصور أحد أقدم الجوامع في الرقة، شُيّد في القرن الثامن الميلادي، وكان مركزاً للحياة الدينية والاجتماعية في المدينة، تعرض الجامع لأضرار كبيرة أثناء الحرب، إذ انهار قسم من جدار القبلة والمحراب التاريخي وفقدت المئذنة جزءها العلوي. وأطلقت الهيئة مشروعاً خاصاً لإعادة بناء المئذنة باستخدام الطين المشوي والآجر المحلي، بما ينسجم مع الطابع الإسلامي القديم، كما تم ترميم المحراب باستخدام تقنية الجصّ التقليدي المحلّي الذي يميز العمارة العباسية.
تل البيعة “تل هرقل”… كنز حضاري يعود إلى النور
يُعد تل البيعة من أقدم المواقع الأثرية في الرقة، إذ يعود تاريخه إلى الألف الثالث قبل الميلاد، وكان موقعاً لحضارات متعاقبة منذ العصور البرونزية، وخلال فترة الحرب، تعرّض التل إلى حفرٍ عشوائي ونهبٍ ممنهج من داعش بحثاً عن اللقى الأثرية، ما دمّر طبقات تاريخية لا تُقدّر بثمن.
وبعد التحرير، نفذت هيئة الثقافة والآثار عمليات توثيق ومسح أثري شامل بالتعاون مع بعثات جامعة روج آفا، تم خلالها تحديد المناطق المتضررة ووضع خطة لحمايتها من التعرية الطبيعية والعوامل الجوية، ويجري حالياً العمل على إنشاء سياج وقائي ومركز مراقبة لحماية الموقع من أي تعديات مستقبلية.
من التوثيق إلى الترميم: خطة شاملة لإحياء التراث
ومنذ تحرير المدينة في 20 تشرين الأول 2017، وضعت هيئة الثقافة والآثار خطة استراتيجية طموحة لإعادة الحياة إلى التراث المهدد، تضمنت محاور متعددة:
-
توثيق شامل للأضرار عبر فرق مختصة بالآثار والترميم.
-
تدريب كوادر شبابية على تقنيات الترميم والبناء بالطين المحلي.
-
إطلاق مشاريع متتابعة بدأت بسور الرقة ثم قصر البنات، فتل البيعة.
-
التعاون مع منظمات دولية لحماية التراث المادي وغير المادي.
-
إقامة معارض ومؤتمرات توثّق مراحل الدمار والترميم لتوعية المجتمع بأهمية الحفاظ على التراث.









