No Result
View All Result
أحمد سليمان
يرى القائد عبد الله أوجلان أن طريق الحل الحقيقي لمشكلات الشرق الأوسط لا يكمن في تغير الانظمة السياسية أو تبديل الحكام، بل في إعادة بناء المجتمع على أسس الحرية والديمقراطية والأخوة بين الشعوب، فالمشكلة الأساسية برأيه ليست وجود الدولة بحد ذاتها وإنما في طبيعتها السلطوية الذكورية التي أقصت الإنسان والمجتمع عن المشاركة الحقيقية في القرار وجعلت من الدولة أداة قمع لا وسيلة خدمة، لذلك فإن الحل الجذري يبدأ من تغيير الذهنية التي أنتجت الاستبداد، أي الذهنية الدولتية المركزية التي ظهرت منذ آلاف السنين في ميزوبوتاميا واستمرت بأشكال حديثة في أنظمة الشرق الأوسط القومية والدينية والعسكرية.
ويؤكد الفيلسوف “عبد الله أوجلان” أن الشرق الأوسط كان مهد أولى الحضارات؛ لكنه أصبح لاحقاً مسرحاً وعمقاً للأزمات بسبب احتكار السلطة والثروة من قبل قوى محدودة.
ولتحرير المنطقة من هذه الدوامة يجب الانتقال إلى نموذج جديد (الحداثة الديمقراطية) مقابل الحداثة الرأسمالية التي تقوم على الدولة القومية والرأسمالية والهيمنة الذكورية.
تقوم الحداثة الديمقراطية على ركائز أساسية وهي “المجتمع الديمقراطي والاقتصاد المجتمعي والتحرر الفكري والثقافي والمساواة بين الجنسين والحفاظ على البيئة” فالمجتمع الديمقراطي هو المجتمع الذي يدير شؤنه بنفسه عبر المؤسسات القاعدية والكومينات والمجالس بعيداً عن السلطة المركزية والاقتصاد المجتمعي، يعني أن الثروات الطبيعية والإنتاج يجب أن يكون في خدمة المجتمع لا في خدمة الشركات والدول، بينما التحرر الثقافي والفكري يعني مقاومة الذوبان والتبعية الذهنية التي فرضها الاستعمار والرأسمالية. يرى القائد عبد الله أوجلان أن الديمقراطية الحقيقية لا تتحقق إلا من خلال مشاركة المرأة في إدارة المجتمع، وأن جذور كل أشكال الاستبداد تبدأ من اضطهاد المرأة، ولذلك فإن تحرر المرأة هو أساس تحرر المجتمع، فحين تُستعاد حرية المرأة وقدرتها على التنظيم والمبادرة يستعيد المجتمع توازنه الطبيعي وتُلغى البنية الهرمية التي تفرضها الدولة الذكورية؛ لذلك فإن أي مشروع ديمقراطي في الشرق الأوسط لا يمكن أن ينجح من دون ثورة ذهنية واجتماعية نسوية تعيد تعريف السلطة والحرية والعمل.
كما يرى القائد أوجلان أن حل القضية القومية في المنطقة سواء كانت كردية أو عربية أو تركية أو فارسية لا يكون بتأسيس دول قومية جديدة؛ بل عبر بناء كونفدرالية ديمقراطية بين شعوب المنطقة تقوم على التعايش والمساواة بين جميع المكونات الدينية والاثنية، هذه الكونفدرالية ليست دولة جديدة بل نظام إدارة ذاتية ديمقراطية يعتمد التوافق والعيش المشترك حيث يحتفظ كل مجتمع بلغته وثقافته وإدارته الذاتية ضمن وحدة جغرافية واقتصادية مفتوحة، بهذا الشكل يمكن تجاوز الصراعات الحدودية والطائفية التي تغذيها القوى الاستعمارية.
يرى القائد عبد الله أوجلان أن بناء الشرق الاوسط الديمقراطي لا يمكن أن يتم إلا عبر ثورة فكرية وأخلاقية عميقة تعيد للإنسان وعيه بدوره التاريخي، فالقضية ليست فقط سياسية بل روحية أيضاً، فالإسلام والمسيحية واليهودية والزرادشتية كلها تحمل في جوهرها قيماً انسانية يمكن أن تكون جسراً للتعايش لا للصراع إذا فُهمت بمعناها الأخلاقي لا السلطوي، من هنا يدعو القائد عبد الله أوجلان إلى إحياء القيم الأخلاقية القديمة للمجتمعات الشرق أوسطية التي كانت تقوم على التعاون والتكافل والمساواة قبل أن تفسدها الملوك والكهنة، ويركز القائد على أن النظام العالمي القائم على الربح والحرب الدائمة لن يسمح بسهولة بولادة شرق أوسط ديمقراطي؛ لذلك يجب أن تُبنى المقاومة على الوعي والتنظيم لا على السلاح وحده، فالسلاح قد يحمي المجتمع مؤقتاً لكن الوعي هو الذي يحرره بشكل دائم. لذلك؛ يدعو إلى ثورة فكرية سليمة مستمرة تنشر مفاهيم الأمة الديمقراطية، أي الأمة التي تقوم على تعدد الثقافات واللغات والمعتقدات وترفض الحدود المصطنعة التي فرضها الاستعمار، وبذلك فإن طريق الحل وفق رؤية القائد عبد الله أوجلان ليس مشروع دولة قومية جديدة ولا انقلاباً سياسياً، بل هو مشروع إنساني شامل لتحرير الذهن والمجتمع والطبيعة من الاستغلال، إنه طريق طويل يعتمد التربية والتنظيم والمشاركة بين الجنسين والحوار بين الشعوب لبناء شرق أوسط حر يعيش فيه الإنسان كائناً أخلاقياً حراً لا رَعيَّة في دولة ولا أداة في يد السوق بل فاعلاً في مجتمع ديمقراطي يُدار من القاعدة نحو القمة على أساس العدالة الاجتماعية والمشاركة الشعبية.
No Result
View All Result