No Result
View All Result
روناهي/ دير الزور ـ في زوايا البيوت الريفية الأصيلة، حيث تتشابك خيوط الزمن مع حكايات الأجداد، تبرز “حمدة العلي” حارسة أمينة لتراث عريق يضرب بجذوره في أعماق الصحراء.
مع حلول موسم حصاد القمح، لا تكتمل فرحة الحصاد إلا ببدء طقس آخر لا يقل أهمية “قص شعر الأغنام”، وهي عملية لا تزال تشكل محور حياة وعمل كثير من العائلات، وتحول الصوف الخام إلى كنوز منزلية دافئة، حافظةً مهنة الأمهات والأجداد من غبار النسيان.
وخلال لقاء مع صحيفتنا “روناهي” وصفت لنا، المواطنة “حمدة العلي” بابتسامة تزينها تجاعيد الخبرة، تفاصيل هذه الرحلة الشاقة والممتعة في آن واحد: “كل عام، ومع إعلان حقول القمح لونها الذهبي، نبدأ موسم قص شعر أغنامنا، وهي ليست مجرد عملية جز، بل طقساً يتجدد، نحافظ عليه جيلاً بعد جيل، لأن الأغنام ليست فقط مصدراً للرزق، بل جزءاً لا يتجزأ من هويتنا وعاداتنا المتوارثة”.
وبعد قص الصوف، يُجمع بعناية فائقة ويُوضع في أكياس كبيرة، استعداداً لمرحلة التنظيف التي تتطلب صبراً وجهداً يدوياً: “نغسله وننظفه جيداً من الشوائب والأوساخ، ثم ننشر هذا الصوف النقي فوق أسطح منازلنا”.
وأوضحت حمدة: “نتركه ليجف تحت أشعة الشمس الدافئة لمدة ثلاثة أيام كاملة، لنتأكد من جفافه التام وجاهزيته للمراحل التالية، التي تحوله من مادة خام إلى خيوط يمكن التعامل معها”.
وتنتقل الأيادي الماهرة بعد ذلك إلى عملية غزل الصوف وبرمه، وهو فن بحد ذاته يحتاج إلى دقة وتركيز، حيث يتحول الصوف المتطاير إلى خيوط متينة جاهزة للنسج: “من هذا الصوف المغزول، نصنع كل ما نحتاجه في بيوتنا”، وتبدأ في تعداد المنتجات اليدوية التي يزخر بها منزلها وكل بيت من بيوت أهلها، وكل قطعة منها تحمل قصة وتاريخاً.
وتتحول هذه الخيوط الذهبية إلى مخدات ناعمة تُضفي دفئاً وراحة، وبسط صوفية تُزين الأرضيات بألوان مستوحاة من الطبيعة الخلابة، ولا يقتصر الأمر على ذلك، فـ “شد الفراش” من الصوف يُعد عملاً فنياً بحد ذاته، حيث تُحشى المراتب بالصوف الطبيعي لتوفير نوم مريح وعميق، وهو تقليد عائلي متوارث يضمن جودة وراحة لا تضاهيها المنتجات الحديثة والمعاصرة.
كما يستخدم الصوف في صناعة غطاء بيوت الشعر التقليدية، تلك الخيام التي لا تزال رمزاً للأصالة البدوية ومركزاً للتجمع العائلي.
وقالت حمدة: “لهذه الأغطية أشكال كثيرة وتصاميم مميزة تعكس ذوق صانعها وتراث المنطقة”.
ولفتت إلى، أنهم يصنعون أيضاً مفارش جميلة ملونة ومزينة بالحرير، لتبدو لوحات فنية تزين أركان المنزل، وتضفي عليه لمسة من الجمال اليدوي الفريد.
فهذا الإتقان وهذه المهارة ليست وليدة اللحظة، بل إرثاً تناقلته الأجيال بسلاسة وحب: “لقد تعلمتُ مهنة شد الفراش وعمله من أمهاتنا”.
وتابعت بفخر: “هي مهنة أهلنا التي نخرج معهم في موسم القص، ونشاركهم تفاصيلها من البداية حتى النهاية، لقد علمونا أيضاً كل ما يتعلق بتربية الأغنام والعناية بها، فهي أساس عيشنا ووجودنا، وعمود فقري لاقتصادنا الريفي البسيط”.
واختتمت “حمدة العلي” بنبرة لا تخلو من العزيمة والإصرار: “منذ القدم أهلنا يربون الأغنام، ويحافظون على هذا التراث بكل ما أوتوا من قوة، ونحن اليوم، نتناقل عادة شد الفراش والمخدات من جيل لآخر، ليس فقط كحرفة، بل كرسالة لا نسمح من خلالها للحداثة السريعة أن تمحو ما تعلمناه في الماضي، وأن تسرق منا أصالتنا وهويتنا التي بنيت على هذه الممارسات والتقاليد العريقة”.
وهكذا، لا تزال أيادي “حمدة العلي”، ونساء كثيرات مثلها في المنطقة، تنسج خيوط الصوف، لا لتصنع منها منتجات منزلية، بل لتصنع منها حكايات صمود، ودروساً في الحفاظ على التراث.
فإنها قصة الأصالة التي تتحدى زحف الزمن وتحديات الحداثة، وتؤكد أن قيمة ما تعلمناه من الأجداد تبقى خالدة، تتوهج بدفء الصوف وعبق الماضي، لتضيء طريق الأجيال القادمة نحو مستقبل يحترم جذوره ويحتفي بأصالته.
No Result
View All Result