No Result
View All Result
الحسكة/ محمد حمود ـ في حقول مقاطعة الجزيرة السورية، تنبض قصص عشق الفلاحين لأرضهم، يغني الفلاحون أثناء البذار، معبرين عن إيمانهم بالأرض، وفي القطاف تردد النساء أغاني الحب والأمل، رغم الحرب، تبقى الحقول مسرحاً للفرح والصمود، حيث تروي الأرض قصص شعبها.
في قلب إقليم شمال وشرق سوريا، حيث تمتد الحقول الخصبة في مقاطعة الجزيرة، تنبض قصص عشق قديمة تجمع بين الإنسان وتراب وطنه، منذ فجر التاريخ، ارتبط السوريون بأرضهم بعلاقة عميقة، مزيج من العمل الشاق، المحبة، والأمل، الأرض، تلك الأم الجوادة، أعطت أبناءها خيراتها بسخاء، وهم بدورهم أحيوها بعرقهم وأناشيدهم التي تحمل في طياتها قصص الأجداد وأحلام الأبناء.
تراث زراعي يروي قصة الأرض
وتشهد الحفريات الأثرية في سوريا، التي جابت أرجاء البلاد، على عراقة هذه الأرض، فخاريات عتيقة وأدوات زراعية عثر عليها في التراب تحكي قصة خير لم ينضب منذ آلاف السنين، هذه الأرض، التي كانت ولا تزال مصدر رزق وإلهام، تحمل في طياتها تاريخ شعب لم ينفصل عن جذوره يوماً.
وفي ريف مقاطعة الجزيرة، حيث تتمايل سنابل القمح والشعير في أواسط الصيف، وتتراقص كرات القطن تحت نسمات الخريف، لا تزال الأغاني الشعبية تتردد بين الحقول، هذه الأناشيد ليست مجرد كلمات، بل تعبير عن نبض الحياة، حيث قال “أحمد الحسين”، فلاح من ريف الحسكة: “الأرض ليست مجرد مكان للزراعة، إنها شريكة حياتنا، نغني لها كما نغني لأحبائنا، لأنها هي الحياة ذاتها”.
طقوس البذار.. إيمان وأمل
وعندما يحمل الفلاح بذور القمح وينثرها في الأرض، يردد بصوت مليء بالإيمان: “للطير وما قسم الله” هذه العبارة، التي يتلوها الفلاح مع كل حفنة بذار، ليست مجرد طقس، بل تعبيراً عن إيمان راسخ بالرزق والعطاء، حيث أضاف الحسين: “نحن نزرع البذور ونترك الباقي لله، الأرض لا تخون من يعتني بها، وأغانينا تعبر عن هذا العهد”.
الفلاح، وهو يطمر البذور في التراب المحروث، يغني أهازيج تحمل قصص الحب والأمل “جت تتخطى من ورا الفلحاني.. كسرت ظهيري وعطلت فداني”، هكذا يتغنى الفلاح، مستحضراً صورة حبيبته التي تمر بحقله، في لحظة تمزج بين مشقة العمل وسحر العاطفة، هذه الأغاني، التي ورثها الحسين من أجداده، ليست مجرد تسلية، بل تعبيراً عن ارتباط وثيق بالأرض والحياة.
قطاف القطن.. عرس الحقول
وفي موسم قطاف القطن، تتحول الحقول إلى مسرح للفرح والعمل الجماعي، على الرغم من التحديات التي واجهتها مقاطعة الجزيرة خلال سنوات الحرب، لا تزال طقوس القطاف تحتفظ برونقها، نساء القرية يتجمعن مع بزوغ الفجر، يحملن أكياسهن وأحلامهن، ويبدأن بجمع القطن الأبيض الناعم، الأغاني ترافقهن، تخفف من وطأة التعب وتزرع البهجة في قلوبهن.
“زريفة صالح محمد“، من ريف الحسكة الشرقي، شاركتنا قصة أغنية ورثتها من جدتها: “يا حواشات القطن.. وحدة منجن نصيبي.. لقعد حارس يم الكود.. بس شوفوني حبيبي” هذه الكلمات، التي بدأت كتعبير شخصي عن شاعر تغزل بحبيبته، تحولت تراثاً شعبياً يتردد في الحقول والأعراس، حيث أضافت زريفة: “هذه الأغنية تجعلنا نشعر أننا جزء من شيء أكبر، قصة حب ليست فقط بين الناس، بل بيننا وبين الأرض”.
ذكريات الحقول.. ضحكات وأحلام
وتذكرت زريفة بحنين: “في الماضي، كانت الحقول تمتلئ بأصوات الضحكات والأغاني، كنا نجتمع في مجموعات كبيرة، نتبادل القصص والنكات بينما نجمع القطن، كان العمل عرساً حقيقياً”، لكن الحرب غيرت المشهد، فقد تقلصت المساحات المزروعة، وتفرقت المجموعات بسبب النزوح والتهجير، ومع ذلك، تبقى الذكريات حية.
وقالت زريفة: “لم تستطع الحرب أن تمحو محبتنا لأرضنا، كل كومة قطن جمعناها هي قصة، وكل أغنية غنيناها هي وعد بالعودة إلى أيام الفرح”، هذه الروح العنيدة تعكس صمود شعب لم يفقد الأمل رغم التحديات.
سباق الفرح.. تنافس وأغانٍ
ومن بين طقوس موسم القطاف، يبرز التنافس بين العاملات، كل امرأة تسعى لجمع أكبر كمية من القطن، لتصبح حديث القرية، هذا التنافس ليس مجرد عمل، بل احتفالاً بالحياة، الأغاني تتدفق، والضحكات تملأ الفضاء، بينما تتبادل النساء الحكايات التي تجمع بين الجد والهزل، فقالت زريفة: “كنا نغني لننسى التعب، وكانت الأغاني تجعل الوقت يمر بسرعة، هذه اللحظات كانت بمثابة جسر يربط بين الماضي والحاضر”.
حصاد القمح.. قصيدة المشقة والحب
وعندما يحين موسم حصاد القمح والشعير، تتحول الحقول لوحة فنية تمتزج فيها الألوان والأصوات، في الماضي، كان الرجال ينطلقون إلى الحقول مسلحين بالمناجل، بينما تساعدهم النساء بنقل الماء والطعام وجمع السنابل، حيث قال “أحمد الحسين”: “الحصاد عمل شاق، لكنه يحمل في طياته قصص الحب والأمل، أغانينا تعكس هذا التناقض بين مشقة العمل وعذوبة العاطفة”.
“حاصود وأرملها سبل، وبريطم الحلوة ذبل”، هكذا يغني الحاصود، معبراً عن معاناة الفتاة التي تشاركه العمل تحت حرارة الصيف، وفي الوقت ذاته متغزلاً بجمالها، تضيف هذه الأغاني طابعاً عاطفياً مميزاً، حيث يتغنى الرجل بحبيبته التي قد تفارقه بعد انتهاء الموسم: “خبب يمشي المدلل بأزرق النيلي.. ومن حبك يا حلوة منهدم حيلي”، هذه الكلمات تجمع بين الرقة والحماس.
وبعض الأغاني تأخذ طابعاً شجاعاً، كقولهم: “ربعي دوم مونسين البر.. مسقين العدوان من المر”، وهي تعبير عن روح المقاومة والعزيمة التي تميز أهل الريف.
أرض تحكي قصصها
وفي كل سنبلة قمح وكل كومة قطن، تروي الأرض السورية قصص أبنائها، هذه القصص، المحفورة في التراب والمحفوظة في الأغاني، ليست مجرد تراث، بل شهادة على صمود شعب ارتبط بأرضه بعلاقة أبدية، حيث قال أحمد الحسين: “كلما زرعنا بذرة، حصدنا سنبلة، نحن نكتب قصة جديدة، الأرض هي كتابنا، وأغانينا هي حبره”.
فرغم الحرب والتحديات، لا تزال الحقول تنبض بالحياة، والأغاني تتردد في القلوب، من أهازيج الحصاد إلى طقوس البذار، تبقى الأرض السورية شاهدة على عشق لا ينتهي، وعلى شعب يحمل في قلبه أمل المستقبل وذكريات الماضي، “زريفة صالح محمد” اختتمت حديثها: “طالما هناك أرض وأغانٍ، ستبقى قصتنا حية، نحن نزرع الأمل، ونحصد الحياة”.
No Result
View All Result