No Result
View All Result
قامشلو/ دعاء يوسف – في زاوية منسية من مخيم الطلائع بالحسكة، وبين الخيام التي تحثو عليها الرياح، الغبار والهموم، وأنين المهجرين، يعيش “أحمد سلمو النهار”، رجل تجاوز الخامسة والخمسين، لكنه يحمل على كتفيه عمرين، عمر الجسد الذي أنهكته الإعاقة، وعمر القلب الذي أنهكه الجحود.
أمام خيمة مهترئة جلس عجوزان يبتسمان، وهما يحادثان الأطفال المارة من أمام خيمتهما بابتسامة حانية، إلا إن الزمن والألم حفرا على وجهيهما تجاعيد تروي الحكاية دون أن ينطقا بها، “أحمد سلمو النهار” يجالس الأرض، فهي من تحنو عليه وتحمله في كبره، فيما تبدو خيمته كأنها تسند وجعه أكثر مما تأويه، صغيرة وباردة، تتكئ على الأرض مثل صاحبها الذي لم يعد قادراً على الوقوف.
فقدمه اليسرى، التي كانت يوماً ما تحمل خطواته بين الحقول، أصبحت الآن عبئاً عليه، تنتظر عملية جراحية ربما تعيدها إلى الحياة، لكنه لا يملك سوى الانتظار، وانتظار الفقراء في المخيمات عادةً يطول، وقد لا يأتي محملاً بالأمل بل بالألم الذي يفتك بقلوبهم الصابرة قبل أوجاع أجسادهم.
معاناة لا تنتهي
وفي كل صباح، يفتح “النهار” عينيه على السعال المتكرر وزوجته التي تعاني من الضغط المزمن، والتي تحاول أن تخفي حالها المريضة، وهي تعدُّ له فنجان شاي خفيف، بعثت فيه روح الأمل التي لم تعد تظهر على وجهها، ولربما أول كلماته التي حدثنا فيها عبرت عن أوجاعه كلها: “كنت أدعو أن يأخذ الله أمانته، ولكن أعرف أنه لا يوجد سند لزوجتي، ولربما أذا مت يحن عليها أولادي ليداروها”.
إذ إن أبناءه الذين كانوا يوماً ما سنده، أصبحوا غائبين عن تفاصيله فلا زيارة، ولا سؤال، ولا حتى اتصال، فيعيش الشيخ المعاق على ذاكرة أبوةٍ باتت باهتة، يتذكّر كيف كان يزرع فيهم الحب والعطاء، وكيف تركوه الآن وحيداً يواجه الألم والبرد والحرمان.
فقد بين في مستهل حديثه، أنه قبل أن يهاجر من وطنه كان قادراً على المشي والجري والحركة، لكنه عانى فيما بعد من آلام بسيطة في قدمه اليسرى، حيث ذهب إلى دمشق بحثاً عن العلاج: “لقد أجريت عمليتين في قدمي وبقيت عملية واحدة ولكن المال الذي معي قد نفد، واستدعاني أولادي الذين هربوا من سري كانية بعد القصف لنعود خوفاً عليهم دون إكمال العلاج”.
وقد ساعد النهار أولاده بما تبقى لديه من مال: “أولادي لديهم أسر، وقد كنت أرى أولادهم بحاجة مساعدة، لذلك انفقت أموال علاجي عليهم، ولكنهم هجروني وأصبح الغريب أحن علي منهم”.
وأكمل النهار وهو ينظر إلى قدمه المتورمة: “حركتي أصبحت صعبة، ولا يوجد كرسي لأتنقَل عليه، فأصبحت طريح الأرض أصارع الألم والمرض، وأكبر أحلامي أن أصلي واقفاً”.
حلم النهار بسيط، ولكن الواقع قاسٍ، إذ أكد الأطباء أن العملية ممكنة، فقط إن توفرت كلفة العلاج، إلا أن الدواء حتى لم يعد يجد طريقه إلى خيمته منذ زمن.
رفقة أنيسة للروح
زوجته، رفيقة الرحلة المرهقة، لا تملك سوى الدعاء، تجلس إلى جواره بالقرب من خيمتهما يراقبان أطفال المدارس، وكأنهما يستذكران أطفالهما داخل خيمة: “أولادي ربيتهم كل شبر بنذر، ولكن خانتني صحتي، لا أطلب منهم المال أو المساعدة ولكن زيارة صغيرة منهم تكفيني”، مضيفاً: “ابني جاري يمر من أمامي ولا يلقي السلام، وكأنه لو فتح حديث معي سأطالبه بشيء”.
كلمات زوجته كبلسمٍ مؤقت، تُسكن الألم ولا تُزيله، لكنها كافية لتُبقي في قلبه ومضة أملٍ لا تنطفئ: “لدينا أملاك ومنازل في سري كانية لو أعود سأبيعها لأمشي مرة أخرى، أما الآن ليس معي سوى زوجتي، التي تعاني من المرض مثلي، ولكنها تكافح من أجل علبة دواء تسكن ألمي أو قطعة خبز تسد جوعي، فقد خانني الزمن ولكن زوجتي بقيت وفيةً لي”.
وقد بين “أحمد سلمو النهار” في ختام حديثه، أنه في الليل، حين يصمت المخيم ويُسمع فقط صفير الريح، وهي تعبث بأطراف الخيام، يرفع يديه إلى السماء، ويدعو من أجل أن يشفى ولا تبقى زوجته وحدها في المخيم.
يشار، إلى أن مخيم سري كانية يعجّ بالحكايات المنسية، ولكن حكاية “أحمد سلمو النهار” وزوجته تبقى وجعاً صامتاً لا يصل صداه إلى أحد، رجل كل أحلامه أن يمشي، وألا يُترك وحيداً في خيمة ممزقة، بين صدى الريح والجحود.
No Result
View All Result