No Result
View All Result
رفيق إبراهيم
في الخامس من تشرين الأول مرت الذكرى السنوية الثالثة والستون، للإحصاء السكاني الاستثنائي في الحسكة، فبموجب المرسوم التشريعي رقم 93 الذي صدر ممَّا سمي بحكومة الانفصال آنذاك، في 23 آب 1962، بعد حدوث الانفصال بين مصر وسوريا مباشرةً، المرسوم جرد مئات الآلاف من الكرد، من حصولهم على الجنسية السورية، وبالنتيجة حرموا من حقوق المواطنة، وأكدت تقارير دولية وحقوقية، تجريد ما يزيد على 517 ألف كردي، من حقوقهم المدنية.
شروط قاسية ونتائج كارثية
الطامة الكبرى جاءت في التعامل من هؤلاء الكرد، بصفاقة كبيرة، حيث أعطي للبعض منهم هويات لا تشبه هوية المواطنين السوريين، كتبت عليها أجانب الحسكة، هذا من جهة، وفي الطرف الآخر، لم تعطَ لعشرات الآلاف هويات مشابهه لهويات “أجانب الحسكة”، وبقوا مكتومي القيد، ولم يتم تسجيلهم في مراكز السجلات المدنية في الحسكة، وهناك الكثيرون منهم يعانون حتى الآن من هذه المشكلة.
عندما قاموا بالإحصاء الجائر، فرضوا على الكرد شروط قاسية لا يمكن توفيرها للحصول على الهوية السورية، حيث تم إجراء الإحصاء في يوم واحد فقط، ومدة يوم واحد لا يكفي حتى لتقديم الإثباتات، المعلومات العامة عن عملية الإحصاء كانت شحيحة للتعريف بها، ما أدى بالمحصلة إلى نتائج كارثية على العائلات والأشخاص الذين جردوا من الجنسية السّورية، لتصبح من أعقد الملفات التي فشلت الحكومات السورية المتعاقبة بحلها حتى اليوم.
منذ الإحصاء وحتى بداية العام 2011، أكدت مصادر موثوقة، أن عدد أجانب الحسكة، ممن يملكون البطاقة الحمراء، “346242” شخصاً، ومع نهاية أيار 2018 بلغ عدد الحاصلين على الجنسية السّورية من الفئة نفسها “326489” فرداً، وبالنتيجة هناك 19753 شخصاً لم يحصلوا حتى الآن على الجنسية السورية.
أما مكتومو القيد، فالإحصائيات حولهم غير دقيقة، ولكن هناك بعض الاحصائيات تقول، إن هذه الفئة حتى عام 2011، كان عددها يفوق “171300” فرد، حصل “50400”، منهم على الجنسية السّورية، وهنالك “41000”، حالة لم تستطع تصحيح وضعها القانوني بسبب التعقيدات الإدارية بالتعامل مع هؤلاء، ومن مكتومي القيد هناك “5000”، شخص لم يراجعوا حتى دوائر النفوس.
بعد اندلاع الأزمة السورية في العام 2011، صدر المرسوم التشريعي رقم (49) في السابع من نيسان من العام ذاته، بمنح الجنسية العربية السورية للمسجلين في سجلات أجانب الحسكة، وجاءت مواده كالآتي:
المادة الأولى: يُمنح المُسجلون في سجلات أجانب الحسكة الجنسية العربية السورية.
المادة الثانية: يُصدر وزير الداخلية القرارات المتضمنة للتعليمات التنفيذية لهذا المرسوم.
المادة الثالثة: يُعتبر هذا المرسوم نافذاً من تاريخ نشره في الجريدة الرسمية.
المرسوم 49 حبر على ورق
وبعد صدور المرسوم رقم (49) بفترة من الزمن، جاء قرار وزاري يقضي بمعاملة فئة مكتومي القيد، معاملة الأجانب للحصول على الجنسية السورية، ولكن عند مراجعة الأشخاص المكتومين، لدوائر السجل المدني، كان الرد، بأنهم لا يعلمون الجهة المسؤولة عن تنفيذ القرار الوزاري، وهذا ما أدى لإفراغه من محتواه.
لقد تم حرمان الكرد السوريين، من الجنسية بموجب الإحصاء الاستثنائي عام “1962”، ومنذ ذاك الحين، يعانون الحرمان من أبسط الحقوق المدنية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية، فحتى الحصول على شهادة الوفاة محرمة عليهم.
اليوم وبعد سقوط النظام البعثي السابق، الحكومة الانتقالية لم تبدِ أية اهتمام بحل هذه القضية الهامة، وتعاملت معها بقدر كبير من اللامبالاة والتجاهل، وهي بحاجة لحل عاجل وفوري، ما يعكس استمرار العقلية ذاتها في التعامل مع القضايا المصيرية، التي يجب الوقوف عندها، وإيجاد الحل المستدام لها، فبقاء عشرات الآلاف من الكرد دون جنسية حتى اليوم، محل تساؤل كبير في المجتمع الكردي.
لقد عانى المجردون من الجنسية السورية، الكثير من التحديات، التي مست حقوقهم المدنية، والسياسية، والاقتصادية، والثقافية، ومن هذه الحقوق، حق التصويت والترشّح في الانتخابات، وحق التوظيف، والعمل الرسمي في القطاع العام، وحق السفر والحصول على الجوازات، وحق تسجيل الزواج والمواليد في الدوائر الرسمية، وحق تملّك العقارات والمشاركة الفاعلة في الحياة العامة، ما أدى إلى تداعيات خطيرة سياسيًا، واجتماعيًا، واقتصاديًا، وثقافيًا، ونفسيًا على المجتمع الكردي، وما تزال آثارها وتبعاتها قائمة حتى اليوم.
الإحصاء الاستثنائي لعام 1962 في الحسكة، يُعدُّ من أكثر المشاريع العنصرية، والشوفونية بحق الكرد السوريين، فجاء جزءاً من سياسة تغيير التركيبة السكانية، والتغيير الديمغرافي في المنطقة، وكان الإحصاء الجائر نقطة البداية لمرحة التمييز الممنهج والإقصاء السياسي والاجتماعي والثقافي، لمئات الآلاف من الكرد السوريين.
وفي الختام، اليوم ليس هناك أي سبب أو مبرر لدى الحكومة الانتقالية، لبقاء نتائج الإحصاء الجائر، وعليها أن تتعامل مع هذه القضية بروح من المسؤولية، والعمل بجدية من أجل إزالة آثاره السلبية على الكرد السوريين، والتعامل مع قضيتهم على أنهم مواطنون سوريون، وإعادة الاعتبار لهم، كي يشاركوا في بناء سوريا ديمقراطية تعددية لا مركزية.
No Result
View All Result