No Result
View All Result
فراس يونس (كاتب سياسي سوري)
بدت الانتخابات التي جرت في الخامس من شهر تشرين الأول الجاري في سوريا شكليا أكثر منه تجسيدا لإرادة الشعب السوري، حيث سيتحول مجلس الشعب المرتقب أداة سياسية إضافية لتكريس نفوذ السلطة، ومكافأة الموالين لها، بينما تهمشت أصوات الأغلبية، وتغلق أمامها أبواب المشاركة السياسية الحقيقية.
ترسيخ نهج الإقصاء
فمنذ تولي الحكومة الانتقالية مقاليد الحكم، تبنت سلسلة من الإجراءات والقرارات التي رسخت نهج الإقصاء السياسي، بدءا من تنصيب الشرع نفسه رئيسا في مؤتمر ما سمي بالنصر، الذي انتزع فيه ولاء المجموعات العسكرية، التي شاركته عملية “ردع العدوان”، ومرورا بما سمي “مؤتمر الحوار الوطني”، الذي دام عدة ساعات فقط في خضم مرحلة انتقالية صعبة ومعقدة، والذي شهد استبعاد معظم الشعوب والمكونات السورية من المشاركة. تبع ذلك “الإعلان الدستوري”، الذي منح رئيس الحكومة الانتقالية صلاحيات مطلقة، شملت تعيينه ثلث أعضاء مجلس الشعب مباشرة، وتشكيل هيئة انتخابية يعينها الرئيس ذاته، مهمتها اختيار ثلثي أعضاء مجلس الشعب الآخرين، ما يعني ذلك التحكم بآليات العملية الانتخابية، ومصادرة مفاعيلها الديمقراطية.
كل هذه المؤشرات تثير شكوكا حاسمة حول طبيعة العملية الانتخابية، إذ لا تشي بعملية انتخابية ديمقراطية وشفافة، بل تعيد إنتاج سلوك التعيين المقنع غير المؤهل كما يصفها المحامي السوري ميشيل شماس، ففي ظل غياب بيئة تفتقد للأمن والاستقرار، وانهيار مؤسسات الدولة الأساسية، وتفكك الهوية الوطنية، يصبح الحديث عن انتخابات حرة ونزيهة وشفافة أقرب إلى التزييف منه إلى التأسيس والاستمرار في العملية الديمقراطية.
وما يعد له عمليا لا يعبر عن عملية انتقال ديمقراطية، حيث حرصت سلطة الأمر الواقع في دمشق، على إزالة هذه الكلمة من قاموسها، وجدول أعمالها، بل كرست منطق الولاء الأسدي القديم، وتجديد آلياته، وإعادة تدوير رموز وأدوات النظام الجديد بأسماء جديدة.
ومع قيام الحكومة الانتقالية بالعملية الانتخابية الغير مشروعة، بينت تقارير من جهات حقوقية ومحامين مستقلين، أشاروا فيها إلى طعون بلا بينات، وانسحابات جماعية، وتعيينات مشبوهة، يجدر على الرأي العام الاضطلاع عليها، بسبب ما سوف يترتب عليها من وقائع خطيرة مستقبلا.
التباس وسقطة قانونية
وسط مناخ الانتهازية والوصولية وهيمنة عقلية المغانم، أهاب المحامي زيد العظم، بزملائه المحامين الوطنيين المخلصين لمهنتهم، والإعلاميين أيضا، أن ينتبهوا إلى خطأ جسيم يتكرر في خطاب الحكومة الانتقالية الإعلامي، إذ دأب البعض منهم على استخدام مصطلح الانتخابات غير المباشرة، لإضفاء الشرعية عليها، وهذا توصيف غير صحيح إطلاقا، فالانتخابات غير المباشرة، نظام انتخابي يقوم به الشعب بانتخاب ممثلين عنه، وهؤلاء الممثلون المنتخبون هم من يتولون لاحقا انتخاب هيئة أخرى.
وعلى سبيل المثال انتخاب رئيس جمهورية لبنان، يتم عبر مجلس النواب المنتخب من الشعب، وكذلك انتخاب مجلس الشيوخ في فرنسا، يتم عبر هيئة انتخابية من نواب الجمعية الوطنية، والمجالس البلدية، وجميعهم بدورهم منتخبون من الشعب.
أما في حالة انتخابات مجلس الشعب السوري الجديد، فإن المنتخبين ليسوا ممثلين عن الشعب، بل لجاناً صُنعت على مقاس اللجنة، التي شكلها الشرع نفسه، أي أن المؤسس واللجان والآليات، جميعها غير شرعية أصلاً، وعليه فإن وصف ما يجري بأنه انتخابات غير مباشرة، ليس مجرد خطأ لغوي أو تقني بل سقطة قانونية فادحة.
وكشفت شهادات موثقة، أن لجان الطعون قبلت استبعاد مرشحين، بناء على شهادة شاهدين فقط، من دون أي بينة أو نص قانوني، أدى إلى إزاحتهم مباشرة من القوائم وبشكل تعسفي، في معرض كشفه هذه العملية، أوضح المحامي ميشيل شماس، أن هذا الخلل استغل من المرشحين، لإقصاء منافسيهم، كما حدث في درعا والقنيطرة، حيث تم استبعاد ناصر الحريري، من دون منحه حق الطعن أو الاطلاع على ملفه، والأخطر أن المرشحين لم يمنحوا حق معرفة هوية مقدمي الطعون، ما يكشف منظومة قضائية عاجزة عن حماية حقوق المرشحين.
في محافظة القنيطرة، تحول التهميش إلى موقف جماعي معلن، إذ انسحب سبعة أعضاء من الهيئة الناخبة، بينهم الدكتورة خديجة الهايل، والدكتورة مروة عثمان، وبيان شنوان، وآخرون احتجاجا على ما وصفوه بالتزوير وتهميش الثوار الحقيقيين، علما أن أغلب المنسحبين كانوا من أهم أعمدة الثورة وقياداتها البارزة.
تنفيذ اتفاق آذار
أما الفضيحة الثانية، التي أثارت جدلا واسعاً في الأوساط السورية المهتمة بالعملية الانتخابية في ريف دمشق، حيث تم التلاعب في تشكيل الهيئة الناخبة نفسها، حيث أقدمت اللجنة الانتخابية على إزالة اسمين من الهيئة دون مبرر قانوني واضح، واستبدالهما شخصين آخرين عليهما ملاحظات كثيرة، في خطوة أثارت سخط الهيئة الناخبة، التي هددت بالانسحاب الجماعي، ما لم يعاد العضوين المستبعدين، هذه الواقعة لا تثير فقط المحاباة والتبعية، بل تكشف منطق التعيين العائلي، الذي يفرغ الهيئة الناخبة من استقلاليتها، ويحولها إلى أداة ولاء لا أداة تمثيل.
على الحكومة الانتقالية اليوم، إشراك الجميع في مستقبل البلاد، وتجاوز التصدعات، التي تراكمت بعد مجزرتي الساحل والسويداء، وتعثر اتفاق العاشر من آذار، الذي تعمل الحكومة الانتقالية على تجميده وعرقلة الاتفاق، وكان حريا بالسلطة في دمشق، دعوة مجلس سوريا الديمقراطية، للمشاركة في مجلس الشعب القادم، والإصغاء لمقترحاته في العملية الانتخابية الديمقراطية، والترفع عن الخلافات التي من شأن المفاوضات تذليلها. لكنها؛ تعاملت معه ومع السوريين، بالتهميش والإقصاء، ما يعكس مزاجها اللا وطني، وشمل الإقصاء مناطق بأكملها، مثل الرقة، والحسكة، وريف دير الزور الشرقي، والسويداء، التي لا تزال ترزح تحت وطأة حصار وعدوان همجي، ارتكبته الحكومة الانتقالية بحق سكانها في تموز الماضي.
وكل ما يحدث، تحت حجج واهية تحاول من خلالها الحكومة الانتقالية، إبعاد أكثر من ستة ملايين سوري، من هذا الاستحقاق، من هنا تأتي أهمية إلغاء هذه الانتخابات، أو تأجيلها كي تنضج الظروف السياسية المناسبة، والأهم من ذلك الإرادة السياسية الحقيقية، بعد أن تتم محاسبة مرتكبي جرائم الساحل والسويداء، وتوقيع الاتفاقيات بينها وبين الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا.
هذه الوقائع تكشف، أن ما يجري ليس خللا عابرا، بل أزمة بنيوية في آلية التمثيل نفسها، لذلك فإن الدعوة لوقف هذه العملية الانتخابية، لا تنبع من رفض مبدئي لفكرة التمثيل، بل من خطورة عملية الإقصاء، وإذا كانت الأزمة البنيوية في عملية التمثيل، فإنها لا تعبر عن أي حقيقة تمثيلية للشعوب والمكونات في سوريا.
سوء فهم البرلمان
وهناك ثمة جانب آخر لا يقل خطورة من كل ما يحدث، أشار إليه العديد من المراقبين، للمشهد الانتخابي، يتعلق بسوء الفهم لوظيفة المجلس التشريعي، إذ يتعامل معه الكثير من المرشحين، مدخلاً لتقديم خدمات محلية ليس إلا، ما يعكس تصورا مشوها لطبيعة عمل المجلس، فالمجلس ليس جهة تنفيذية بل سلطة تشريعية ورقابية، مهمتها سن القوانين وتعديلها أو الغاؤها، ومراقبة الحكومة وليس إطلاق الوعود الخدمية فقط.
مجلس الشعب السوري، في حال تشكله، ليس له أي معنى، سوى تتويج لإخفاقات الحكومة الانتقالية، المتتالية خلال مدة عشرة أشهر الماضية، وتفويتاً لكل الفرص التي لم تتم استغلالها، وأهمها عدم انعقاد المؤتمر الوطني، على أسس تشاركية غير إقصائية، يؤسس لبناء الدولة الحديثة، ومخرجات توافقية حاسمة، يتمخض عنه نواة دستور وطني حقيقي، وإقرار جمعية تأسيسية، وتحديد حكومة انتقالية شرعية، تحافظ على مسار العدالة الانتقالية. هذه الانتخابات غير شرعية، ولا تمس المواطن السوري، بأي شكل من الأشكال، وكان الأولى بالحكومة الانتقالية، إشراك السوريين في تحديد مستقبلهم، بما يعكس إرادة السوريين، وخاصة أن السوريات تم إقصاؤهن وبشكل كبير من هذه الانتخابات، بحيث لا تتعدى نسبة مشاركتهن 14 بالمائة. حتى أن الحكومة الانتقالية، لم تعتمد مبدأ الكفاءة والخبرة والاختصاص، في مسألة اختيار الأعضاء المناسبين، ما يعزز إقصاء وتهميش السوريين، ومسألة استبعاد أهالي شمال وشرق سوريا، خاصة، والسويداء، ستزيد من المشاكل، كما ستساهم في تفتيت التراب السوري.
No Result
View All Result