No Result
View All Result
محمد عيسى
منذ الساعات الأولى لصباح الجمعة 5 أيلول 2025، أعلنت قوات سوريا الديمقراطية عن بدء حملة أمنية واسعة في مخيم الهول الواقع شرقي الحسكة، بدعمٍ مباشر من التحالف الدولي، هذه الحملة، التي وصفتها “قسد” بالاستراتيجية، لم تأتِ كتحركٍ روتيني أو خطوةٍ جزئية ضمن مسار أمني طويل، بل جاءت استجابةً لتصاعد غير مسبوق لهجمات خلايا مرتزقة داعش الإرهابي داخل المخيم، وارتفاع مستوى التهديد الذي يطال العاملين في المجال الإنساني والمنظمات الدولية، إضافةً إلى تزايد عمليات تخريب المرافق الخدمية في المكان الذي يضم أكثر من سبعين ألف نازح ولاجئ من سوريا والعراق وجنسيات متعددة. وفق ما أعلنته الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا عبر بيانات رسمية، فإن هدف الحملة يتجاوز مجرد ملاحقة الأفراد المشتبه بهم، ليصل إلى تفكيك الشبكات الإرهابية النشطة، وحماية العاملين الإنسانيين من عمليات الاغتيال التي تصاعدت في الآونة الأخيرة، وكذلك التصدي لما يُعرَف بـ “أشبال الخلافة” الذين يشكلون امتداداً أيديولوجياً خطيراً للتنظيم الإرهابي. الإحصائية الرسمية الأخيرة الصادرة في آب 2025 عن إدارة المخيم، كشفت عن وجود نحو 13 ألف عراقي، و15 ألف سوري، إلى جانب 6385 من نساء وأطفال مرتزقة داعش الأجانب، الذين ينتمون إلى أكثر من خمسين دولة، هذه الأرقام ليست مجرد بيانات إدارية، بل هي مؤشرات على حجم الخطر الكامن داخل الهول، إذ أن كل شخص غير معادٍ إلى بلده يمثل احتمالاً كامناً لولادة خلية متطرفة جديدة. أخطر ما في الأمر إن العديد من الأطفال الذين دخلوا المخيم قبل ست سنوات وهم في عمر الصغر، باتوا اليوم في سن المراهقة أو الشباب، ما يجعلهم هدفاً مباشراً للتجنيد ضمن صفوف “أشبال الخلافة” الذين ما زالوا ينشطون داخل أسوار المخيم.
خطورة ذهنية داعش والتجنيد الصامت
لم يعد الخطر الداعشي اليوم محصوراً في الصحراء والبوادي كما كان في ذروة تمدده العسكري بين عامي 2014 و2017، بل تحول إلى ما هو أخطر وأعمق: جيل جديد يُصاغ داخل بيئات مغلقة مثل مخيم الهول، حيث تختلط المعاناة الإنسانية بالفكر المتطرف، وحيث تتداخل الحاجة للبقاء مع مساعي “داعش” لإعادة إنتاج نفسه من خلال الأطفال والنساء. تقارير أممية ودراسات غربية حذرت بوضوحٍ من إن داعش يراهن على الزمن أكثر مما يراهن على السلاح، فهو يدرك إن معركة الغد ليست معركة بنادق وصواريخ، بل معركة وعي وأيديولوجيا تُزرع في عقول الصغار الذين لم يعرفوا سوى الخيام، العنف، والخوف. هؤلاء الأطفال، الذين يشكلون نحو ستين في المئة من قاطني المخيم، يعيشون اليوم في بيئة أقرب إلى مدرسة مغلقة على التطرف، حيث يتحول اللعب إلى شعارات، والخيال الطفولي إلى أرض خصبة للتعبئة العقائدية.
هذا الواقع المعقّد يجعل من أسلوب “الخلايا النائمة” الذي يعتمده داعش أداة مثالية للاستمرار. فالعناصر لا يحتاجون إلى أسلحة ظاهرة أو معسكرات تقليدية، يكفي أن يتحركوا داخل الخيم، يعقدوا حلقات تعليم سرية، ينشروا القصص الدينية المؤدلجة، ويربطوا بين المعاناة اليومية للفقر والحرمان وبين خطاب الكراهية والثأر، وهنا تكمن خطورة المشهد: فالطفل الذي ينشأ في ظل هذه الظروف لا يتلقى فقط أفكاراً متطرفة، بل يعيش إحساساً دائماً بالظلم والخذلان من المجتمع الدولي، ما يضاعف قابليته للانجراف وراء خطاب داعش.
الأمم المتحدة كانت واضحة في تحذيراتها الأخيرة، معتبرةً إن استمرار هذا الوضع دون حلول جذرية لن يهدد أمن سوريا والعراق فحسب، بل سيشكل خطراً مباشراً على الاستقرار الدولي. فكل خلية نائمة اليوم قد تتحول غداً إلى شبكة نشطة، وكل طفل مهمّش قد يصبح مقاتلاً يحمل مشروعاً انتقامياً عابراً للحدود، ولهذا؛ فإن الهول لم يعد مجرد مخيم نازحين، بل مختبراً مفتوحاً لمستقبل الإرهاب إذا لم يُكسر هذا المسار سريعاً.
النقاشات الدولية في نيويورك
في ظل هذه الأوضاع المتفجرة، شهدت الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك يوم 26 أيلول المنصرم على هامش دورتها الثمانين مؤتمراً دولياً رفيع المستوى برعاية العراق ومكتب الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب، خُصص بالكامل لمناقشة ملف مخيم الهول وبقية المخيمات المماثلة في شمال وشرق سوريا. المؤتمر حضره الرئيس العراقي عبد اللطيف رشيد وممثلون عن عشرات الدول والمنظمات الدولية، وتركز على ثلاثة محاور أساسية: خطورة المخيم أمنياً وإنسانياً، تجربة العراق في إعادة عوائله من الهول ودمجهم، وحث الدول الأخرى على تحمّل مسؤولياتها وسحب رعاياها. الأمم المتحدة استغلت هذا المؤتمر لتطلق تحذيراً جديداً، مفاده أن المخيمات باتت أهدافاً متزايدة لهجمات التنظيمات الإرهابية، ومنها خلايا داعش التي تحاول استغلال هذه البيئات المغلقة للتخطيط لهجمات جديدة. في كلمته، شدد وكيل الأمين العام للسياسات، غاي رايدر، على أن تفكيك مخيم الهول “تأخر كثيراً”، داعياً إلى إعادة جميع المتواجدين إلى بلدانهم بشكلٍ طوعي وآمن، ومشيداً بالخطوات العراقية التي اعتبرها الأكثر تقدماً على مستوى المنطقة. من جانبه، قال الرئيس العراقي عبد اللطيف رشيد إن بلاده التي عانت طويلاً من الإرهاب، تُدرك خطورة هذا الملف، ولذلك وضعت خطة لإعادة ودمج العائدين، مشيراً إلى أن العراق نجح حتى الآن في إعادة 4915 عائلةً، بواقع 18,880 شخصاً، في حين قامت 34 دولة بنقل رعاياها، ولا يزال رعايا ست دول عالقين في المخيم، هذا الرقم يكشف بوضوح حجم التباين بين الدول في التعامل مع الملف، ويؤكد في الوقت نفسه إن العراق تحول إلى نموذجٍ دولي يُستشهد به في المؤتمرات.
إعلان القيادة المركزية الأمريكية وتشكيل خلية مشتركة
الخطوة الأبرز التي خرج بها مؤتمر نيويورك لم تكن في الكلمات الدبلوماسية أو في بيانات التوصية التي اعتادت المؤتمرات الدولية إصدارها، بل تجسدت في إعلان قائد القيادة المركزية الأمريكية، الجنرال براد كوبر، يوم الجمعة 26 أيلول 2025 عن تشكيل خلية مشتركة تتولى تنسيق جهود إعادة عناصر مرتزقة داعش وعائلاتهم المحتجزين في مخيمات شمال وشرق سوريا إلى بلدانهم. الإعلان جاء كتحولٍ نوعي في المقاربة الأمريكية لهذا الملف، إذ لم يعد التعامل معه باعتباره شأناً إنسانياً أو عبئاً أمنياً على الإدارة الذاتية فقط، بل بوصفه قضية استراتيجية ترتبط مباشرة بالأمن الإقليمي والدولي. كوبر أوضح إن هذه الخلية ليست مجرد هيئة إدارية، بل آلية متكاملة ستعمل على وضع خطط عملية لتسريع وتيرة إعادة المحتجزين، بما يمنع الفئات الأكثر هشاشة من الانزلاق مجدداً نحو التطرف، معتبراً أن التعامل مع هذا الملف يجب أن يجمع بين البعد الإنساني والبعد الأمني في الوقت نفسه.
هذا الموقف عكس إدراكاً متزايداً في واشنطن بأن ترك الأمور على حالها لن يؤدي إلا إلى تعميق الأزمة، فكل يوم يمر دون حلول يعزز فرص التنظيم في إعادة بناء شبكاته داخل المخيمات، ويضاعف خطر تحولها إلى بؤر تصدير للإرهاب العابر للحدود، لذلك فإن الإعلان الأمريكي حمل رسائل متعددة، أبرزها أن الولايات المتحدة مستعدة للانتقال من موقع الداعم غير المباشر إلى موقع الفاعل المباشر في صياغة آليات دولية جديدة لمعالجة الأزمة.

الإدارة الذاتية من جهتها لم تتردد في الترحيب بهذه المبادرة، واعتبرتها خطوةً طال انتظارها، لأنها تعني عملياً إن المجتمع الدولي بدأ يعترف بحدود قدرة الإدارة على إدارة ملف بالغ التعقيد. فالمخيمات، وفي مقدمتها الهول وروج، ليست مجرد أماكن لإيواء النازحين، بل بيئات مزدوجة يجتمع فيها البعد الإنساني مع البعد الأمني في معادلة شديدة الحساسية، وقد شددت الإدارة على أنها على استعداد للتعاون الكامل في هذا المسار، سواء عبر تسهيل إعادة الرعايا أو من خلال فتح باب المحاكمات العادلة والشفافة لمقاتلي التنظيم في مراكز الاحتجاز، معتبرةً أن ذلك يشكل جزءاً من العدالة الغائبة التي يطالب بها آلاف الضحايا الذين فقدوا حياتهم جراء إرهاب داعش.
بهذا المعنى، لم يعد الإعلان الأمريكي مجرد تفصيل بروتوكولي عابر، بل لحظة فاصلة قد تُعيد رسم ملامح التعاطي الدولي مع واحد من أكثر الملفات تعقيداً في المشهد السوري.
استراتيجية النضال ضد الإرهاب
منذ بداية المعركة ضد مرتزقة داعش الإرهابي في 2014، شكلت مناطق شمال وشرق سوريا المسرح الرئيسي للنضال والكفاح ضد المرتزقة. التجربة هنا ليست مجرد مواجهات عسكرية بل مشروع مجتمعي متكامل يقوم على محاربة الفكر المتطرف، وإعادة بناء النسيج الاجتماعي الذي تمزق بفعل الإرهاب. في هذا السياق، تأتي الحملة الأمنية الأخيرة في مخيم الهول كجزءٍ من استراتيجية أشمل لا تقتصر على تفكيك الخلايا الإرهابية، بل تشمل حماية الأطفال من الاستغلال، وتحصين المجتمع من الانهيار القيمي، وضمان استمرار وصول المساعدات الإنسانية. تقارير التحالف الدولي أشارت مراراً إلى أن النجاح في هذه المعركة يتطلب تكاملاً بين العمل الأمني والعمل السياسي والإنساني، وهذا ما تحاول الإدارة الذاتية تطبيقه على الأرض رغم الإمكانيات المحدودة. التحدي الأكبر يتمثل في استمرار تردد العديد من الدول في استعادة رعاياها، ما يضع عبئاً إضافياً على كاهل الإدارة الذاتية، التي تجد نفسها بين مطرقة التهديدات الأمنية وسندان الأزمات الإنسانية. في الوقت نفسه، فإن أي تقاعس في هذا الملف يفتح الباب أمام داعش لإعادة تنظيم صفوفه، مستغلاً الفوضى الأمنية في مناطق عديدة من سوريا والعراق.
المشهد اليوم في مخيم الهول يتجاوز كونه ملفاً محلياً أو قضية تخص سوريا وحدها، فهو مرآة مكبرة لأزمة الإرهاب العالمية. الأرقام والبيانات تكشف حجم الخطر: 70 ألف نازح، 6385 امرأة وطفلاً من داعش الأجانب، ستين في المئة من السكان أطفال، وأكثر من عشرة آلاف إرهابي محتمل وفق تقديرات الرئيس العراقي. هذه المعطيات تضع المجتمع الدولي أمام سؤال لا يمكن الهروب منه: هل يمكن ترك مثل هذا المخيم يتفاقم دون حلول جذرية؟ إن إعلان القيادة المركزية الأمريكية عن تشكيل خلية مشتركة قد يكون بداية مسار جديد، لكنه يظل بحاجة إلى إرادة سياسية دولية حقيقية، وإلى إدراك أن الاستقرار الإقليمي لن يتحقق إلا بقطع الطريق نهائياً أمام عودة داعش بوجهه الجديد. في النهاية، فإن ما يجري في الهول ليس مجرد تفاصيل أمنية، بل هو معركة مفتوحة بين مشروع إنساني يسعى إلى إعادة تأهيل المجتمعات، ومشروع إرهابي يستثمر في الفوضى والدمار. والرهان اليوم هو على قدرة القوى الدولية والإقليمية والمحلية في أن تتوحد حول رؤية مشتركة، تقطع الطريق على ذهنية التطرف، وتفتح الأفق أمام مستقبل آمن لشعوب المنطقة.
No Result
View All Result