No Result
View All Result
قامشلو/ ملاك علي – تجاوزت نساء القيود الاجتماعية والتقاليد الذكورية، تحت راية “فرقة الشهيدة ريحان للدبكة الشعبية”، فرقة نسائية مؤلفة من الأمهات، بمبادرة من المسؤولة عن الفرقة التابعة للهلال الذهبي في أحد المراكز الثقافية بمدينة عامودا، التي تشرف على مشاريع تمكين المرأة وحماية تراثها الثقافي.
في قلب مدنٍ أنهكتها الحروب وأثقلتها التحديات، ينهض صوت التراث ليقاوم النسيان عبر مبادرات بسيطة، لكنها عميقة المعنى، وفي عامودا، المدينة ذات الجذور الثقافية العريقة في إقليم شمال وشرق سوريا، لم يكن الحفاظ على الفلكلور الكردي مهمة فنانين محترفين أو مؤسسات كبرى، بل حملت هذه المسؤولية نساءٌ عاديات، أمهات قررن أن يواجهن العادات والتقاليد الصارمة برقصات الدبكة الشعبية وأغانٍ تنبض بالذاكرة، هكذا وُلدت فرقة “الشهيدة ريحان”، لتصبح أكثر من تجربة فنية، بل مشروعاً إنسانياً يربط الأجيال، ويعيد للمرأة مكانتها كحارسة أولى للهوية والتراث.
إحياء متأخر لكنه حقيقي
ومن هذا المنطلق تحدثت المشرفة على الفرقة بيريفان علي: “أعمل في المركز الثقافي في إدارة المرأة، وأهتم بحماية تراث المرأة ومبادئها وشخصيتها داخل المجتمع، جاءتني فكرة تأسيس فرقة للدبكة الشعبية مخصصة للأمهات في عام 2022، بعد شعوري بحاجة ملحة لإحياء الفلكلور والعادات والتقاليد الكردية، خاصة في عامودا التي تملك طابعاً تراثياً مميزاً وجدت أن الأم هي الأجدر بحمل هذه المسؤولية، فهي حارسة التراث الأولى”.
تتكون الفرقة من 16 امرأة، تتراوح أعمارهن بين 30 إلى 80 عاماً، بعض المشاركات يحتجن إلى المساعدة للصعود إلى خشبة المسرح، لكن ذلك لم يكن عائقاً أمام شغفهن بالحفاظ على التراث، تقول بيريفان: “حتى لو اضطررنا أن نمسك بأيديهن لنساعدهن على الصعود للمسرح، فنحن نفعل ذلك من أجل التراث، ومن أجل القضاء على النظرة الذكورية التي تضع المرأة في خانة المنزل فقط”.
كسر التقاليد والنمطية
لم تكن انطلاقة الفرقة مفروشة بالورود، إذ واجهت تحديات عديدة في مجتمع لا يزال يعاني من الذهنية الذكورية، التي تحصر دور المرأة في تربية الأبناء والاهتمام بشؤون المنزل حيث توضح بيريفان: “في البداية كانت الفكرة صادمة للكثيرين، كان من الصعب إقناع المجتمع بفكرة أن الأمهات يمكن أن يظهرن على المسرح، ويرقصن بالدبكة، كثيرون استغربوا كيف تترك المرأة بيتها وأولادها وتذهب للمشاركة في عروض فنية، لكن مع الوقت، بدأت الأمور تتحسن وتقبل الناس الفكرة، بل وازداد عدد الأمهات الراغبات في الانضمام يوماً بعد يوم”.
تعبر بيريفان عن رؤيتها للمرأة بأنها ليست كائناً ينتهي دوره مع تقدم العمر، بل تراه أكثر نضجاً وجمالاً بمرور الزمن، حيث تكتسب صفات جديدة وتجارب تمكنها من أن تكون حارسة أصيلة للتراث، “المرأة مثل الوردة المتفتحة، كلما مضى عليها الزمن، ازدادت جمالاً وقيمة، فهي تحمل العادات والتقاليد في ذاكرتها وتنقلها للأجيال، ولا أحد يستطيع حماية التراث مثل الأم”.
التراث في تفاصيل الحياة اليومية
تقدم الفرقة عروضها من خلال لوحتين رئيسيتين: لوحة المقدمة، وهي لوحة تستعرض أدوات فلكلورية كانت تستخدم قديماً، مثل أدوات طحن القمح، وأدوات صنع السجاد، والأعمال اليدوية التراثية الأخرى، التي أصبحت اليوم شبه منسية، واللوحة الثانية هي الدبكة الفلكلورية، وقد أعادت الفرقة إحياء هذه الأدوات بعروضها، للتأكيد على أهمية عدم التخلي عنها أو اعتبارها مجرد موضة قديمة: “أردنا أن نعيد الحياة لتلك الأدوات التراثية التي اختفت بحجة الحداثة والتطور لا نريد أن نُدفن مع تاريخنا، بل نُحييه ونُظهر قيمته”.
ترى المشرفة على فرقة الشهيدة ريحان للدبكة الشعبية بيريفان علي، أن الهدف من الفرقة يتعدى حدود الفن، فهو يحمل رسالة إنسانية ومجتمعية عميقة تسعى لتغيير النظرة النمطية للمرأة الكردية والعربية على حد سواء: “من خلال هذه الفرقة، نريد أن نوصل رسالة لشعوب العالم، بأن يحافظوا على تراثهم، وعلى عاداتهم، وعلى نسائهم، لنكسر الذهنية الذكورية، التي تختصر دور المرأة في المنزل فقط، المرأة يمكنها أن تفعل كل شيء، تحمي الأوطان، وتحمي التراث، وتربي الأجيال في الوقت نفسه”.
فرقة “الشهيدة ريحان” ليست مجرد مجموعة نساء يؤدين الدبكة، بل هي حركة مقاومة ثقافية واجتماعية تقودها الأمهات، تسير بخطا ثابتة نحو إعادة الاعتبار للمرأة، وللتراث الذي تحمله في ذاكرتها ووجدانها، إنها دعوة مفتوحة إلى المجتمعات لاحتضان تراثها وحماية نسائها من النسيان والتهميش.
No Result
View All Result