No Result
View All Result
رفيق إبراهيم
تحت حجة عدم توفر الأمن، أقصت الحكومة الانتقالية السورية، ثلاث مناطق ومحافظات سورية مهمة من إجراء الانتخابات البرلمانية فيها، هي الحسكة، والرقة، والسويداء، بالإضافة إلى ريف دير الزور، استمراراً لسياسة التهميش والإقصاء، وإنتاج النظام المركزي، الذي أوصل الحال بسوريا إلى مستويات غير مسبوقة، من الخراب والقتل والدمار والتهجير.
قرار مجحف وغير مسؤول
إذا كانت تظن الحكومة الانتقالية، إن الانتخابات القادمة إجراء روتيني، لملء الفراغ الدستوري، فهي واهمة، ولا تدرك مدى أهمية هذا الاستحقاق للشعب السوري، الذي عانى الكثير من الظلم والاستبداد، ومن هنا، إن استبعاد ما يقرب من ستة ملايين من السوريين، وتأجيل الانتخابات في مناطقهم، يعتبر قرارا مجحفاً وغير مسؤول، من قبل ما تسمى اللجنة العليا للانتخابات، وبأوامر مباشرة من سلطة الأمر الواقع، برئاسة أحمد الشرع، القرار هذا من شأنه تفتيت البلاد، وتقطيع أوصال الجسد السوري الواحد.
الحكومة الانتقالية، تدعو تبجحاً بوحدة الأراضي السورية، قولاً، ولكن عندما نرى أفعالها على أرض الواقع، فهي عكس ما تدعيه، وقرار استبعاد السوريين من المشاركة في الانتخابات، لا يستند حتى إلى نص قانوني، أو إلى مواد دستورية، بل نعدُّه قراراً فردياً لا يتخذ من مصالح الشعب السوري أولوية له، ويتصف بالفردية والأنانية والتسلط، حيث عانى منها السوريون لأكثر من ربع قرن من الزمن.
عندما نتوقف عند قرار اللجنة العليا للانتخابات، بتعليق مشاركة تلك المناطق في الانتخابات القادمة، تحت حجج واهية، “عدم توفر الأمان”، يجب أن نسأل أنفسنا أولاً، متى كانت سوريا آمنة، فحتى في عهد النظام البائد، كانت تفرض أسماء مرتبطة به في الانتخابات، ولماذا لا تعترف الحكومة الانتقالية، أن المناطق والمدن التي أقصيت من الانتخابات، بأنها الأكثر أمناً وأماناً واستقراراً، حتى وإن لم تعترف بذلك، هي تعلم والعالم يعلم إن مناطق الإدارة الذاتية، وأيضاً السويداء هي الأكثر أماناً في سوريا، وهذه الجزئية معروفة لدى العالم برمته.
والكل يعلم أن مسألة إقصاء المناطق الثلاثة، الغاية منها استمرار سياسة التهميش، وتكرار إنتاج المركزية، في السيطرة على مقاليد الحكم، وكل القرارات والإجراءات التي قامت بها الحكومة الانتقالية، تؤكد ذلك، وقرار الاستبعاد يكرس التقسيم ويشكل خطرا على وحدة الأراضي السورية، وأيضاً على الشعب السوري، الذي يحاول النهوض من آثار الخراب والدمار والقتل من جديد.
تهميش المرأة يسقط الشرعية
الحكومة الانتقالية، تحاول اليوم إقامة الانتخابات لتكسب شرعيتها فيما ستقدم عليه من قرارات بعد ذلك، وهي بذلك تتخذ سياسة نظام البعث البائد في برلمان المصفقين، ويبدو أنها لا تدرك أن زمن الهوبرة والتصفيق والإملاءات قد ولى إلى غير رجعة، في ظل الديمقراطية المشوهة والعرجاء التي كانت يتبجح بها النظام السوري البائد، خاصة أن الشعب السوري قد ضحى بمئات الألوف من خيرة أبنائه في سبيل العيش بحرية وكرامة.
اليوم، تستعد الحكومة الانتقالية السورية، لإجراء انتخابات مجلس الشعب، في ظل غياب ممثلي ثلاث مناطق مهمة، بالإضافة لريف دير الزور، هل سيكون للانتخابات معناها الحقيقي، وإذا ما تحدثنا عن رمزية البرلمان، الذي من المفترض أن يمثل السوريين، هل سنجد أصوات السوريين وصداها تحت قبته، بالطبع نقول وكما أرى أنه رأي معظم السوريين، لا، وكان من المفترض أن تكون هذه الانتخابات بداية نهاية عصر الظلم والديكتاتوريات، عصر جديد يرى فيه كل سوري بأنه ممثل، وصاحب قرار.
يجمع السوريون، أن أي برلمان قادم لن يكون صدى لصوتهم ومعاناتهم وبخاصة المعيشية منها، وإيصالها لمراكز القرار، لا فائدة لوجوده، ولا ضرورة لخوض الانتخابات من أجله، وإن لم يقم بمهامه الأساسية، في سن قوانين جديدة، والعمل من أجل خدمة المواطن، وتحقيق العيش الحر الكريم له، وإشراك الجميع في تقرير مصيرهم، لن يختلف عن برلمانات النظام السوري السابق، التي تقول الكثير، وتعمل القليل، وحسب مصالح فئة معينة من المقربين للسلطة الحاكمة.
المرأة عنصر هام في تقدم أية دولة، وما لم يتم إشراكها في سن القوانين، ومراكز القيادة في البلاد، لن تنجح أية سلطة في تحقيق التقدم والازدهار مهما كانت الإمكانات، ونتيجة الضغوطات الداخلية وأيضا الخارجية، أعلنت ما تسمى باللجنة العليا للانتخابات، بتخصيص عشرين بالمئة من المقاعد للنساء، ورغم أن ذلك يفتح نافذة صغيرة للتغيير، لكن المرأة السورية، يجب أن تحظى بمشاركة أوسع في البرلمان السوري، فهي دفعت أثمان الحرب باهظة، ومن حقها أن تطمح بمشاركة فعلية وعملية في صياغة القوانين والسياسات العامة للدولة، وأيضاً أن تتواجد في مراكز القرار، وفي المجالات كافة.
انتخابات فاشلة قبل بدئها
في هذه الانتخابات، تم تهميش الشباب، الذين يشكلون عصب الحياة، والمحرك الأساسي لعميلة التقدم والازدهار، وإقصاؤهم يعني توقف الحياة والبناء والتطور، والمزيد من الهجرة إلى خارج الوطن، ونحن اليوم بأمس الحاجة إلى جهودهم، وفي المجالات كافة، وهم يتطلعون بألا يكونوا مجرد صورة رمزية في البرلمان، ومشاركتهم شرط أساسي للوصول بسوريا إلى بر الأمان، وأي مجتمع أو دولة تتجاهل الفئة الشابة، لن تستطيع مواجهة التحديات، والقدرة على التجدد.
الانتخابات القادمة، تواجهها تحديات كبيرة، لأن الحكومة الانتقالية لم تحضر لها جيداً، حتى عمليات الإحصاء لم تجرِ في المناطق السورية، وكان من المفروض وقبل إجرائها أن يكون هناك إحصاء بعدد المشاركين في الانتخابات، بالإضافة إلى العقبة الأساسية التي ستقف في طريق نجاحها، استبعاد ممثلي الرقة والحسكة والسويداء وريف دير الزور منها، وأيضا عدم وجود رقابة داخلية ودولية عليها، هذه كلها تنسف العملية الانتخابية، وتؤدي إلى فشلها الحتمي.
لقد عانى السوريون، من أزمة عمرها أربعة عشر عاماً من الحرب المدمرة، التي قتلت مئات الآلاف، ودمرت مدناً كاملة، ومئات الآلاف من المعتقلين، وهجرت الملايين، في الداخل والخارج، لم يعودوا يطلبون المعجزات من الحكومة الانتقالية، بل يريدون العيش بأمان وديمقراطية وعيش كريم، وبرلمان يمثلهم، يكون صدى لصوتهم، يعكس التنوع السوري، ولغاته وأديانه وأطيافه.
وملخص الكلام، إذا ما أرادت الحكومة السورية الانتقالية، نجاح العملية الانتخابية، عليها، إلغاء هذه الانتخابات، والالتفات للمجتمع السوري، والتقرب من الجميع بنفس سوري، وإشراك الأطياف السورية في انتخابات حرة ونزيهة وديمقراطية وشفافة، بعيداً عن فرض الموالين لها على تمثيل الشعب السوري، ما سيؤدي حتماً للتفرد بالسلطة ومصادرة قرار الشعب.
إنّ أساس نجاح الحكومة الانتقالية، يرتكز أولا على تنفيذ بنود اتفاقية العاشر من آذار، الموقعة بينها وبين قوات سوريا الديمقراطية، كما أن عليها الاستفادة من العقد الاجتماعي للإدارة الذاتية، وأيضاً يجب إشراك الدروز وبقية السوريين، في هذا الاستحقاق الهام، ولا يمكن تشكيل ملامح سوريا الجديدة، بالتهميش والإقصاء والتفرد بالسلطة، وخاصة في مسألة الانتخابات البرلمانية، التي تعد من أهم أسس الديمقراطية في مختلف دول العالم، والحكومة الانتقالية، مطالبة اليوم، بإحداث الفرق بينها وبين من كان أساساً بتدمير سوريا، وتفقير شعبها، لأن عقلية التفرد وإصدار القرارات، ستؤدي في النهاية لانهيارها وزوالها.
No Result
View All Result