No Result
View All Result
الشدادي/ حسام الدخيل ـ جفاف الخابور مشكلة بيئية ومثال صارخ على تأثير التغير المناخي في إقليم شمال وشرق سوريا، والذي بدوره أثر على تراجع النشاط الزراعي والثروة الحيوانية نتيجة نقص في الموارد المائية السطحية والجوفية.
في صباحٍ حار من صيف مدينة الحسكة، يقف “محمد إسماعيل” على أطراف أرضه القاحلة في ريف الشدادي. يقف على أطلال نهرٍ كان قبل سنواتٍ متدفقاً يحمل الحياة للقرى. يغمض عينيه قليلاً، محاولاً استرجاع صورة الخابور حين كان يصخب بالمياه، ليروي عطش الأرض ويغذي مواشيه. لكن المشهد اليوم مختلف تماماً: سرير النهر مكشوف، والأرض متشققة، والماشية هزيلة تنتظر حفنة علف ترتفع أسعارها كل يوم.
الخابور الذي كان يروي الجميع
يقول إسماعيل: “إن نهر الخابور لم يكن مجرد مصدر ماء، بل شريان حياة لكل من يعيش هنا”.
ويضيف بحسرة وهو ينظر إلى أغنامه القليلة التي تبقت بعد أن اضطر لبيع معظمها “حين كان الخابور جارياً، كنا نزرع القمح والشعير ونربي مواشينا بأمان. اليوم لا ماء ولا عشب ولا حتى قدرة على شراء الأعلاف”.
واختتم “محمد إسماعيل” حديثه بحزن: “لم نكن نتخيل يوماً أننا سنترك أراضينا ومواشينا، لكن الظروف أقوى منا. حتى الدعم المقدم من الجهات المعنية لا يكفي إذا لم يعُد الماء”.
الهجرة الصامتة من الحقول
على بعد كيلومترات قليلة من أرض “محمد إسماعيل“، يقف المزارع “إبراهيم الحمادي” أمام أرضه التي تركها مجبرةً. ليروي الحمادي قصته وكأنها مرآة لمئات المزارعين الآخرين: “هذه الأرض ورثتها عن أبي، وكانت تعتمد بالكامل على مياه الخابور. اليوم أصبحت صحراء. اضطررنا لوقف تشغيل الآبار الارتوازية بعد أن جفت وانعدمت القدرة على تحمل تكاليف الديزل والكهرباء”.
يستذكر الحمادي سنوات الوفرة، حين كان القمح يملأ الصوامع ويضمن دخلاً ثابتاً لأسرته، لكنه اليوم يبحث عن عمل آخر خارج الزراعة بعد أن تحولت أرضه إلى عبء بدل أن تكون مصدر رزق.
الأرقام تحكي حجم الكارثة
وبدوره المسؤول في مكتب الإنتاج الزراعي في الشدادي والمهندس “عبد الحميد محمد”، يحاول أن يضع الصورة في إطارها الأوسع: “لدينا أكثر من 50 ألف دونم كانت مزروعة بمحاذاة الخابور، تحوّلت معظمها إلى أراض بعلية أو مهجورة. حتى الأراضي البعلية تأثرت بسبب نقص الأمطار وتغير توزيعها بين الشتاء والربيع”.
ويضيف أن التغير المناخي جعل الموسم الزراعي أكثر هشاشة: “الأمطار الربيعية ضرورية لإنجاح القمح، وغيابها يعني خسارة موسم كامل. كما أن ارتفاع درجات الحرارة قلل من عمليات التلقيح أثناء الإزهار، ما انعكس سلباً على الإنتاج”.
مواجهة الجفاف بتقنيات جديدة
بينما يشرح المهندس عبد الحميد محمد تأثير الجفاف على الأراضي والمياه الجوفية، ويشير إلى بصيص أمل يتمثل في اعتماد تقنيات ري حديثة “لدينا نحو 150 ألف دونم من الأراضي البعلية في ريف الشدادي، ويجب أن نتجه إلى أنظمة الري بالتنقيط المدعومة بالطاقة الشمسية، هذه الأنظمة توفر ما بين 30 إلى 70% من المياه مقارنةً بالطرق التقليدية، وتخفف من تكاليف التشغيل”.
ويكشف إن إدارة الزراعة بصدد توزيع بذار مقاوم للجفاف خلال شهر أيلول الجاري، إضافةً إلى تدريب المزارعين على استخدام تقنيات أكثر استدامة للحفاظ على الموارد المائية.
أثر اجتماعي واقتصادي أوسع
الجفاف لم يضرب الأرض فحسب، بل أصاب المجتمع المحلي في صميمه. كثير من العائلات التي كانت تعتمد على الزراعة والثروة الحيوانية كمصدر رزق رئيسي باتت مهددة بالفقر والهجرة. ارتفعت أسعار الأعلاف والمواد الغذائية، وتراجعت فرص العمل في القرى، ما دفع بعض الشباب إلى ترك قراهم بحثاً عن فرص عمل في المدن أو حتى خارج البلاد.
التغيّر المناخي… العامل الخفي في القصة
قصة الخابور ليست مجرد أزمة محلية، بل مثال صارخ على تأثير التغير المناخي في مناطق شمال وشرق سوريا. تغير أنماط الأمطار، وارتفاع درجات الحرارة، وتراجع الموارد المائية السطحية والجوفية كلها عوامل متشابكة أدت إلى هذه النتيجة. خبراء البيئة يحذرون من أن استمرار هذه الظروف سيجعل من الصعب استعادة النشاط الزراعي التقليدي في المنطقة دون خطط طويلة الأمد ومشاريع حصاد مياه جديدة.
وسط هذه الأوضاع، ترتفع الأصوات المطالبة بدعم المزارعين وتقديم القروض الميسرة لهم، وتوسيع مشاريع الطاقة الشمسية، والاستثمار في تقنيات حصاد المياه مثل السدود الصغيرة. كل هذه الحلول قد تتيح فرصة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من القطاع الزراعي وحماية الثروة الحيوانية من الانهيار.
No Result
View All Result