No Result
View All Result
دجوار أحمد آغا
لكل أمة وشعب، تاريخ يقوم بكتابته أبناء هذه الأمة وهذا الشعب. ودوماً يكون هناك مناضلون يعملون بتفانٍ وإخلاص من أجل قضايا أممهم وشعوبهم في مختلف مجالات الحياة. ربما يكون المجال السياسي أصعب هذه المجالات لأنه يعرض صاحبه إلى الكثير من الضغوط والأعباء خاصة في مجال الفكر وممارسة السياسة سواء الدبلوماسية أو الحدّة والندّية في التعامل من أجل الوصول إلى تحقيق أهداف شعبه وأمته.
الكرد من الشعوب الأصيلة في منطقة الشرق الأوسط وقد تعرّضوا إلى الكثير من الظلم خلال فترات طويلة من تاريخهم، رغم أنهم ساهموا إلى حد كبير في بناء الدول القومية، التي تقاسمت فيما بينها وطن الكرد كردستان، إلا أنهم حُرموا حتى من التكلم بلغتهم الأم بل سعت هذه الدول القومية إلى تجريدهم قوميتهم، فمنهم من ادعى زوراً وبهتاناً بأنهم أتراك الجبال، ومنهم من قال، بأنهم من العرب العاربة أو المستعربة، والبعض الآخر أنكر بأن يكون هناك قوم أو أمة تحت اسم الكرد. سوف نتحدث في هذا المقال عن أحد المناضلين الكرد الذين ناضلوا من أجل حقوق شعبهم في روجهلات كردستان (شرق كردستان) وهو الدكتور صادق شرف كندي.
الولادة والنشأة
كأن القدر متربص للكرد، وخاصة المناضلون الذين يقدمون أرواحهم فداء لشعبهم. مثل الكثيرين من قادة الكرد ترعرع الدكتور صادق شرف كندي يتيماً في كنف أخويه، الأكبر الشاعر الكبير هجار، وكذلك هيمن بعد وفاة والده بفترة قصيرة من ولادته، التي كانت بتاريخ 11 كانون الثاني 1938 في إحدى القرى التابعة لمنطقة بوكان في روجهلات كردستان هذه المنطقة المشهورة بجمال طبيعتها، وعذوبة مياهها، لكنها ترزح تحت الاحتلال الفارسي منذ معركة جالديران 1514. درس المرحلة الابتدائية والاعدادية في مدارس مدينتي بوكان ومهاباد، أما الدراسة الثانوية فقد أكملها في مدينة تبريز. انتقل بعدها إلى العاصمة الإيرانية طهران، حيث سجّل في كلية العلوم قسم الكيمياء التطبيقية التي حصل على الشهادة الجامعية سنة 1959. 
اللقاء مع قاسملو والتحول السياسي
نقطة التحول الرئيسية في حياته كانت اللقاء مع الشهيد الكبير الدكتور عبد الرحمن قاسملو. بسبب تفوقه في الدراسة وذكائه الحاد، حصل شرف كندي على منحة دراسية على حساب وزارة التعليم الإيرانية من أجل اكمال دراساته العليا في مجال الكيمياء التحليلية في العاصمة الفرنسية باريس. بالفعل ذهب شرف كندي إلى باريس سنة 1972. خلال فترة دراسته في باريس وفي العام الثاني أي 1973 تعرّف على الدكتور عبد الرحمن قاسملو، الذي كان يُحاضر في جامعة السوربون. من خلال شخصية قاسملو المؤثرة، تعرف شرف كندي على الحزب الديمقراطي الكردستاني في إيران عن قرب، وبعد أن اطّلع على مبادئ الحزب وبرنامج عمله، قرر الانضمام إليه ولدى عودته إلى طهران في العام 1976 بعد حصوله على درجة الدكتوراه في الكيمياء الصناعية، بدأ بالتدريس في كلية تربية المعلمين بجامعة طهران، حيث كان يمارس نشاطه السياسي أيضاً بين زملائه والطلبة على حد سواء. وفي العام 1987 تم انتخابه عضواً في اللجنة المركزية للحزب وفي المؤتمر الرابع المنعقد 1980 تم تعينه عضواً في المكتب السياسي، ثم أصبح في العام 1986 معاوناً لسكرتير الحزب الدكتور عبد الرحمن قاسملو.
قيادته الحزبية
بعد عملية الاغتيال البشعة التي جرت في العاصمة النمساوية فيينا بحق السكرتير العام للحزب الدكتور عبد الرحمن قاسملو في 13 تموز 1989 أجمع رفاق الحزب على تعين الدكتور صادق شرف كندي أميناً عاماً للحزب، خلفاً للدكتور الشهيد قاسملو. سار شرف كندي على خطا قاسملو من أجل تحقيق مصالح الشعب الكردي وبقية شعوب إيران، واقتنع بضرورة الحوار مع النظام الإيراني على الرغم من غدرهم برفيق دربه. النظام الإيراني الرجعي أبدى في بداية الأمر حسن نية واستعداده للحوار وحل القضية الكردية بالمفاوضات والحوار مع ممثلي الشعب الكردي، لكنه كان في حقيقة الأمر يتهيأ الفرصة المناسبة للانقضاض على هؤلاء المناضلين مثلما اغتيال قاسملو وغيره.
مسؤولية إيران
النظام الإيراني الاستبدادي لم يكتفِ بقمع المعارضين في الداخل والزج بهم في المعتقلات والسجون، وتعليقهم على أعواد المشانق، بل وصلت به الأمور إلى إرسال عملائه لأي مكان يتواجد فيه معارضوه ويقوم بتصفيتهم. وقد اعترف أحد أبرز عملاء هذا النظام المدعو “محسن رفيق دوست” في مقابلة صحفية مع موقع “إيران أوبزرفر” الإخباري المعارض عن القيام بالعديد من عمليات الاغتيال بحق شخصيات سياسية معارضة بارزة، منها قائد القوات البرية في الجيش الإيراني أيام الشاه الجنرال غُلام علي أويسي في باريس عام 1984 بمسدس، ورئيس الوزراء الإيراني الأسبق شاهبور بختيار طعناً بالسكين في العاصمة الفرنسية باريس سنة 1991، بينما تم اغتيال الدكتور عبد الرحمن قاسملو ورفيقيه في العاصمة النمساوية فيينا بتاريخ 13 تموز 1989. وقد ذكر دوست، إن قائد الحرس الثوري وقتها الجنرال محسن رضائي أشرف شخصياً على عمليات الاغتيال هذه.
الاغتيال الجائر والدفن
حدد ممثلو النظام الإيراني مطعم ميكونوس اليوناني في قلب برلين مكاناً لجولة جديدة من المفاوضات بين الطرفين. لم يكن يتوقع الدكتور شرف كندي هذه المؤامرة من جانب النظام الإيراني، فقد جاء برفقة فتّاح عبدولي عضو اللجنة المركزية للحزب، وهمايون أردلان أحد الكوادر البارزة في الحزب بالإضافة إلى المترجم نوري ديكوردي. ما أن دخل الدكتور شرف كندي ورفاقه المطعم، حتى شعر بريبة فقد كان المطعم فارغاً تماماً من الزبائن، وخلال لحظات قليلة دخل مجموعة من المسلحين بالأسلحة الرشاشة، وقاموا بإطلاق وابل من الرصاص بشكل مكثّف على الدكتور ورفاقه، ما أدى إلى استشهادهم جميعاً على الفور. توافد الكرد وأصدقاؤهم من مختلف المدن الألمانية والأوروبية إلى باريس حيث تم إقامة مراسم تليق بالشهيد حضرها الكثير من الشخصيات السياسية الكردية، وأصدقاء الشعب الكردي، وتم دفن الدكتور صادق شرف كندي إلى جانب رفيق دربه الشهيد قاسملو بمقبرة العظماء بير لانشيز في العاصمة الفرنسية باريس.
ختاماً نذكر
ومن الجدير بالذكر، إن عملية الاغتيال بحق الدكتور شرف كندي ورفاقه جاءت على هامش مشاركتهم في مؤتمر الاشتراكية الدولية المنعقد في فيينا، حيث يظهر بوضوح لا لبس فيه، التخاذل الأوروبي حيال هذه الجرائم، التي تُرتكب على أراضيها الأمر الذي يُشجّع السلطات الإيرانية على القيام بهذه العمليات مرات عديدة على الأراضي الأوروبية، وقد ذكرنا سابقاً كيف تم تنفيذ سلسلة من عمليات الاغتيال في عواصم أوروبية مثل (باريس، فيينا، وبرلين).
تصاعدت الاحتجاجات في مختلف أنحاء القارة الأوروبية وخاصة ألمانيا، النمسا، وفرنسا، الأمر الذي دفع بالقضاء الألماني لمتابعة القضية وبعد مرور خمس سنوات على عملية الاغتيال، أصدرت المحكمة الألمانية قرارها باتهام القيادة السياسية الإيرانية بالوقوف خلف هذه الجريمة، وعلى أعلى المستويات رئيس الجمهورية وقتها علي أكبر ولايتي، رئيس جهاز المخابرات “الباراستن” علي فلاحيان، ورئيس مجلس الشورى، وتم الحكم على المتهمين الرئيسيين في القضية، وهم ثلاثة لبنانيين، وايراني بأحكام قضائية مختلفة، تراوحت بين 15 سنة إلى ثلاث سنوات.
No Result
View All Result