No Result
View All Result
محمد عيسى
في السابع عشر من أيلول 2025، وبين أروقة قصر «تشرين» في قلب العاصمة دمشق، وُقّع اتفاقٌ وصفته الأوساط الرسمية بالتاريخي، بينما اعتبره أبناء السويداء مجرّد محاولة جديدة لإعادة إنتاج السلطة المركزية التي كانت وما زالت السبب في المآسي والجرائم، التي طالت المحافظة. الاتفاق الذي جمع وزير الخارجية السوري في الحكومة الانتقالية أسعد الشيباني، والمبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا توماس باراك، ووزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي، بدا وكأنه صكّ يُراد منه إعادة تهدئة الشارع الجريح بعد المجازر، التي شهدتها السويداء في تموز الماضي، لكنه في الوقت ذاته فتح جروحاً أعمق حين تجاهل المسؤولية المباشرة للحكومة الانتقالية عن تلك الأحداث، وراح يضع حلولاً فوقية لا تستند إلى إرادة الأهالي في الجنوب السوري.
لقد تضمنت الوثيقة ثلاثة عشر بنداً، من بينها الدعوة إلى لجنة التحقيق الدولية المستقلة الخاصة بسوريا لإجراء تحقيق حول أحداث السويداء، لكن مع التشديد على أن المحاسبة ستتم وفق القانون السوري. وهذا التناقض وحده كان كفيلاً بتفجير موجة من الرفض، لأنه لا يُعقل أن تتحول الحكومة – وهي المتهمة الأولى بالضلوع في الجرائم – إلى الخصم والحكم في آن واحد. أبناء السويداء الذين ودّعوا في صيف 2025 أكثر من ألفي قتيل ومفقود ومختطف في مجازر وعمليات خطف جماعية، لم يبلعوا الطعم، ولم يقبلوا بما وصفوه بـ «مسرحية قضائية محلية»، تديرها الأجهزة الأمنية ذاتها التي أطلقت النار على المدنيين، واعتقلت المئات منهم، وساقت العشرات إلى مصير مجهول.
تموز الدموي.. حين انكشفت الحقيقة
شهد شهر تموز 2025 لحظة فارقة في تاريخ الجنوب السوري، إذ تحولت محافظة السويداء، ذات الأغلبية الدرزية، إلى مسرح دموي لمآسٍ لم يعرف لها الأهالي مثيلاً منذ اندلاع الأزمة السورية عام 2011. فما بين الشوارع الضيقة في المدينة، والبلدات المحيطة بها، ارتسمت صور الفوضى والدمار، بعدما دفعت الحكومة السورية الانتقالية قواتها الأمنية نحو الحدود الإدارية للمحافظة تحت ذريعة ملاحقة مجموعات مسلحة خارجة عن القانون. غير أن الواقع كشف سريعاً زيف هذه المبررات، إذ لم يكن الهدف سوى إخضاع السويداء من جديد لسلطة مركزية قاهرة، حتى ولو كان الثمن دماء المدنيين.
فقد شهدت المدينة اقتحامات واسعة للمنازل والأسواق، رافقها إطلاق نار عشوائي على التجمّعات السلمية، في مشهد صادم ذكّر الأهالي بالحقبة السوداء لنظام الأسد، الذي انهار في كانون الأول 2024، لكن أساليبه القمعية عادت مع النظام الانتقالي بوجه جديد. وفي يوم 12 تموز وحده، وهو اليوم الذي بات رمزاً للمأساة، قُتل أكثر من 230 مدنياً في الأحياء الجنوبية للمدينة، فيما وثّقت منظمات حقوقية محلية اختفاء ما يزيد عن 600 شخص خلال أسبوعين فقط، معظمهم شبان جرى توقيفهم على الحواجز أو اختطافهم من الطرقات.

الأمر لم يقتصر على القوات النظامية المباشرة، إذ فتحت الحكومة المجال لميليشيات محلية مرتبطة بأجهزتها الأمنية لتشارك في عمليات المداهمة والخطف والابتزاز. هذه الميليشيات، التي يفترض أن تكون جزءاً من المجتمع المحلي، تحولت إلى أداة رخيصة لتنفيذ سياسات مركزية هدفها كسر إرادة الأهالي. وهو ما جعل الكثير من أبناء السويداء يرون فيما جرى «جرائم ضد الإنسانية مكتملة الأركان»، لا مجرد تجاوزات فردية أو أخطاء في التقدير. لقد بدا واضحاً أن ما حصل في تموز لم يكن حادثاً عرضياً، بل نتيجة طبيعية لتمسّك الحكومة الانتقالية بالمركزية المفرطة، ورفضها أي شكل من أشكال الإدارة الذاتية التي كان يمكن أن تمنع وقوع هذه الكارثة.
اتفاق فوق الركام
بعد مرور شهرين على الكارثة، وتحديداً في 17 أيلول 2025، جاء الاتفاق الثلاثي في دمشق ليطرح ما سمّيت «خريطة طريق سورية ـ أردنية ـ أمريكية». البنود الثلاثة عشر بدت على الورق كأنها تضمن استقراراً مؤقتاً، من سحب المقاتلين المدنيين من حدود السويداء الإدارية، إلى نشر قوات شرطية مدربة، وتفعيل المؤسسات المدنية والإدارية في المحافظة. لكن العفريت كان يكمن في التفاصيل: كل هذه الترتيبات كانت تحت إشراف الحكومة الانتقالية في دمشق، أي الجهة ذاتها التي أشعلت النار، لتأتي اليوم وتعرض نفسها كإطفائي.
ولعل أخطر ما في الاتفاق، البند المتعلق بترتيبات أمنية مع إسرائيل في الجنوب السوري، تحت ذريعة معالجة الشواغل الأمنية المشروعة لكل من سوريا وإسرائيل. هذه الصياغة التي دفعت الولايات المتحدة إلى الترويج لها، أثارت مخاوف حقيقية من أن تكون السويداء مجرّد ورقة مساومة إقليمية، بينما يبقى الدم المسفوك بلا عدالة، والضحايا بلا إنصاف.
في 18 أيلول 2025، وبعد أقل من أربع وعشرين ساعة على توقيع الاتفاق، أصدرت اللجنة القانونية العليا في السويداء، التابعة للزعيم الروحي لطائفة الموحدين الدروز الشيخ حكمت الهجري، بياناً شديد اللهجة رفضت فيه ما سمّي بخارطة الطريق الحكومية. البيان وصف المحاسبة وفق القانون السوري بأنها «تبييض للجرائم»، مؤكداً أن الأجهزة القضائية السورية مسيّسة وتابعة للسلطة التنفيذية، وبالتالي غير قادرة على توفير أي ضمانات لمحاكمات عادلة.
اللجنة شددت على أن الحكومة وأجهزتها الأمنية والعسكرية كانت شريكاً مباشراً في المجازر التي طالت آلاف المدنيين بين قتلى ومفقودين ومختطفين. وأضافت أن الحديث عن مجالس محلية وقوات شرطية مشتركة ليس سوى محاولة لفرض وصاية جديدة وزرع الفتنة بين أبناء السويداء، عبر الدفع بأسماء فقدت الشرعية المجتمعية وخانت قضايا أهلها.
الأهم أن البيان ذهب أبعد من ذلك حين أكد أن لأبناء السويداء الحق القانوني والأخلاقي في تقرير مصيرهم بحرية واستقلال، سواء عبر الإدارة الذاتية أو الانفصال، باعتباره الخيار الأخير المتاح لضمان أمنهم وكرامتهم ووجودهم. وهنا بدا واضحاً أن تجربة التمسك بالمركزية السياسية، والتي تسببت بمجازر تموز، لم تترك أمام المجتمع المحلي سوى خيار اللامركزية أو حتى الانفصال كملاذ أخير.
سياسة الإفلات من العقاب
لم تكن المأساة التي عصفت بالسويداء في صيف 2025 حدثاً معزولاً عن السياق السياسي السوري، بل جاءت امتداداً مباشراً لنهج رسخه النظام السابق منذ مطلع سبعينات القرن الماضي. فمنذ استيلاء حافظ الأسد على السلطة عام 1970، وحتى سقوط النظام في كانون الأول 2024، ظلّت العاصمة دمشق المركز الأوحد للقرار، تتحكم بمصائر المحافظات، وتفرض سياساتها الأمنية والإدارية بقوة الحديد والنار. ومع مجيء الحكومة الانتقالية بقيادة أحمد الشرع، التي قدّمت نفسها كمرحلة جديدة من العدالة والمصالحة، تبيّن سريعاً أن البنية العميقة لم تتغير، وأن الأجهزة الأمنية ذاتها التي كانت أداة النظام السابق عادت لتفرض حضورها في الأطراف. وحين اندلعت الاحتجاجات في السويداء، جاء الرد من المركز كما كان يأتي دائماً: أوامر بإطلاق النار والقمع بدلاً من الاستماع والحوار.

لقد شكّل تموز 2025 دليلاً دامغاً على أن تبديل الأشخاص لا يغيّر جوهر السلطة ما دامت قائمة على المركزية المطلقة. فالاستبداد لا يتوارى بتغيير الوجوه، بل يتجذر ما دامت المحافظات محرومة من أي صلاحيات حقيقية. ولو كانت السويداء تمتلك إدارة ذاتية بصلاحيات أمنية وإدارية ومالية، لكان بإمكانها حماية نفسها ومنع القوات المركزية من اقتحامها وارتكاب المجازر بحق أبنائها. هذا ما يردده اليوم سكان المحافظة الذين يرون في اللامركزية خياراً وجودياً يضمن حقهم في تقرير مصيرهم بعيداً عن هيمنة العاصمة.
ومن بين البنود الثلاثة عشر للاتفاق الذي وُقّع في 17 أيلول 2025، جاء وعد بإطلاق سراح المحتجزين والمختطفين بالتعاون مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر. لكن؛ الحقائق على الأرض تكشف عكس ذلك: مئات الاشخاص ما زالوا في عداد المفقودين حتى ذلك التاريخ، فيما لم تُقدِم الحكومة على إعلان أي حصيلة رسمية لعدد القتلى. أما المنظمات الحقوقية المحلية فقد وثّقت سقوط ما يقارب 2000 ضحية خلال أقل من شهر واحد. وفي ظل هذه الأرقام الصادمة، تبدو الوعود الرسمية بلا قيمة. وحتى الحديث عن نشر قوات شرطية «مؤهلة ومدربة» على طريق السويداء – دمشق لم يقنع أحداً، إذ إن هذا الطريق نفسه شهد في 12 تموز واحدة من أفظع عمليات الخطف الجماعي، عندما أوقفت الحواجز الأمنية عشرات الحافلات واقتادت ركابها إلى مصير مجهول. والسؤال الذي يطرحه أبناء السويداء اليوم بمرارة هو: كيف يمكن أن تتحول الجهة المتهمة في تلك الجرائم إلى ضامن للأمن وحامية للأرواح؟
اللامركزية.. الطريق الوحيد للنجاة
كل ما جرى في السويداء خلال عام 2025 كشف بوضوح أن خيار الحكم المركزي لم يعد قابلاً للاستمرار في سوريا الجديدة، وأن محاولات الحكومة الانتقالية لإعادة إنتاج النموذج القديم لم تجلب سوى المزيد من التوتر والانفجار. فمنذ سقوط النظام السوري في كانون الأول 2024، كان الأمل معقوداً على أن تبدأ البلاد مرحلة تأسيسية مختلفة، تقوم على المشاركة الواسعة وصياغة عقد اجتماعي يعكس تطلعات السوريين بعد سنوات الحرب الطويلة. غير أن الوقائع أظهرت أن هذه الحكومة أعادت إنتاج السياسات ذاتها التي حكمت سوريا لعقود، مع مركزية خانقة في دمشق تتحكم في مصير الأطراف، وتقابل أي احتجاج بالوعود الغامضة أو بالعنف المباشر.
في السويداء، حيث اندلع الغضب في تموز 2025، تحوّلت المطالب الشعبية بالكرامة والحقوق إلى مواجهة دامية مع الأجهزة الأمنية، التي لم تتردد في استخدام القوة المفرطة والانتهاكات. ومنذ ذلك الحين، تعالت الأصوات في المحافظة ومعها أصوات في شمال وشرق سوريا لتؤكد أن البديل الحقيقي عن الدمار هو اللامركزية، باعتبارها الصيغة الوحيدة التي تمنح المجتمعات المحلية حق إدارة شؤونها، وصيانة أمنها، وتوزيع مواردها بعيداً عن عقلية الوصاية. فاللامركزية، كما أثبتت التجربة العملية في شمال وشرق سوريا منذ عام 2014، ليست مرادفاً للتقسيم أو الانفصال، بل أداة لتحقيق العدالة وضمان عدم تكرار المذابح، كما حدث في تموز، حين دفع آلاف المدنيين حياتهم ثمناً لسياسات الاستبداد.
توقيع اتفاق 17 أيلول 2025 في دمشق، رغم عناوينه البراقة وحديثه عن الاستقرار والمصالحة، لم يُقنع المجتمع السوري ولا أبناء السويداء، الذين يرون فيه محاولة جديدة لفرض وصاية مقنّعة. فالأرقام الموثقة – من أعداد القتلى والمختطفين، إلى البنود المبهمة التي لا تقدّم ضمانات حقيقية – تكشف أن جوهر الأزمة ما زال قائماً: سلطة تتمسك بالمركزية، وتخشى منح الأطراف صلاحيات حقيقية.
اليوم تقف السويداء أمام مفترق طرق مصيري: إما الرضوخ لهيمنة جديدة تعيد إنتاج دوامة الدم باسم الأمن والاستقرار، أو الانخراط في مشروع لامركزي يحفظ الكرامة والوجود، ويمنح المجتمع القدرة على حماية نفسه وإدارة شؤونه. والتاريخ يقدم درسه القاطع: كلما تعمقت المركزية، ازداد القمع وارتفعت المجازر، وكلما اتسعت اللامركزية، تعززت فرص الحياة الحرة والعدالة.
No Result
View All Result