No Result
View All Result
لورنس الشعير
الراحلة فوزية المرعي… الكاتبة التي كتبت بروحها ورحلت بجسدها
رحلت الأديبة السورية فوزية المرعي تاركة وراءها أثرًا أدبيًا خالدًا، يشهد على روحها المرهفة وصدقها الإنساني. لم تكن مجرد كاتبة روايات، بل إنسانة حملت في قلبها نبض الفرات، وكتبت بمداد الذاكرة والحنين، لتمنح القارئ روايات تمتزج فيها العاطفة بالتاريخ، والإنسان بالأسطورة.
لقد برهنت الراحلة، من خلال روايتها الوثائقية «قارب عشتار من توتول إلى ماري»، أنها لم تكن تكتب بالحبر فقط، بل كتبت بدمها ودموعها، وبذاكرة مليئة بالحكايات والوجوه والأمكنة. كتبت كمن يضيء شمعة في ليل طويل، لتكشف عبرها دروب النهر، وجراح الناس، وأحلام الأجيال. غابت بجسدها، لكن صوتها الأدبي ما زال حاضرًا كنسيم الفرات، يتردد في ذاكرة القرّاء ويضيء لهم سبل المعرفة والانتماء.
قارب عشتار… أكثر من رحلة
هذه الرواية الاستثنائية تعود إلى مغامرة حقيقية جرت عام 1977، حين أبحر قارب خشبي على نهر الفرات من توتول (الرقة) إلى ماري (البوكمال)، حاملاً سبعة عشر مغامرًا ومثقفًا وباحثًا في رحلة نهرية لم يشهدها الفرات منذ آلاف السنين. لم تكن مجرد رحلة سياحية، بل بعثة أدبية وتاريخية أرادت أن تُعيد وصل ما انقطع بين الحاضر والماضي.
كان القارب أشبه بمركب أسطوري؛ فخشبه ومجاديفه لم يكونا مجرد أدوات، بل رموزًا للعودة إلى الجذور. على صفحته، اجتمع الحلم مع الواقع، والتاريخ مع الأسطورة، والإنسان مع النهر. وقد عرفت الراحلة فوزية المرعي كيف تلتقط هذا المعنى، فجعلت القارئ يجلس إلى جوار المغامرين، يسمع خفق الماء، ويرى الضفاف تمرّ أمامه لوحات حية.
المدن على ضفاف النهر
بين نقطة البداية توتول ومحطة الوصول ماري، يمرّ القارب بمدن وقرى، ولكل منها أثره في الذاكرة. في الرقة، تنبسط ضفاف الفرات كذراع أمّ حنون، فيما تطلّ وجوه الناس ببراءتها ونقائها. كانت المدينة نقطة الانطلاق، ومفتاح الحنين والذاكرة. وعند دير الزور، بدا النهر أكثر عمقًا، كأنه يحمل في جوفه أسرار آلاف السنين. هناك، يطلّ الجسر المعلّق كرمز صامد، فيربط بين ضفّتين كما يربط بين ماضٍ وحاضر.
الراحلة فوزية المرعي لم تسرد أسماء المدن فقط، بل أحيت أرواحها. منحت الأمكنة شخصية، وجعلت النهر كائنًا حيًّا يتكلم، والحقول شواهد تروي قصصها. كل محطة على ضفاف الفرات تحولت في الرواية إلى مساحة من الذاكرة الجماعية، وإلى مرآة تعكس وجوه الناس وحياتهم.
المغمورون بالفرات… حين غمر الماء القرى والذاكرة
لم تكتفِ رواية «قارب عشتار» بمتابعة مغامرة القارب، بل توقفت عند أكبر جرح إنساني عاشه أهل الفرات في القرن العشرين: غمر القرى مع بناء سد الفرات في سبعينات القرن الماضي.
ارتفعت المياه فابتلعت سهولًا خضراء طالما أنبتت القمح والحنطة، وغطّت قباب المساجد ومآذنها، وجرفت في طريقها أراجيح الأطفال، وحكايات الأجداد. الطيور فرت مذعورة، والحيوانات هربت تبحث عن مأوى، أما البشر فقد وجدوا أنفسهم أمام التهجير القسري.
النساء ودّعن الأرض بالدموع والولائم، والأطفال تركوا ألعابهم الصغيرة على ضفاف الوداع، والرجال حملوا خطواتهم المثقلة بالحزن. تصف الكاتبة تلك اللحظة فتقول: “حين اقتربت اللحظة الحاسمة بالترحيل، انفجرت النفوس بالأنين، كالأيتام يبلّغون بقرار الفقد الأبدي”.
بهذا الأسلوب المرهف، جسّدت الراحلة مأساة إنسانية لا تُنسى. الماء الذي كان مصدرًا للحياة تحوّل إلى قوة جارفة للذاكرة. غمر البيوت والمقابر والحقول، لكنه لم يستطع أن يغمر الحنين. ظلّ المغمورون بالفرات يحملون قراهم في قلوبهم، ويروونها لأبنائهم وكأنها لم تختفِ.
الفرات أمّ حنون
لم يكن النهر في رواية المرعي مجرى ماء، بل شخصية أساسية. وصفته أمّاً حنوناً تفتح ذراعيها لأبنائها، تحتضنهم وتؤنس وحشتهم. كان القارب وسيلة نقل ظاهرًا، لكنه في الحقيقة حضن عاطفي جمع المغامرين في حلم واحد.
كان بعضهم يغني، وبعضهم يروي النكات، فيما يسود الصمت أحيانًا أمام مشهد غروب الشمس، الذي يغمر النهر بالذهب. تلك اللحظات التي بدت عابرة، جعلتها المرعي خالدة في نصها، كأنها تقول: إن الحياة نفسها رحلة قصيرة على قارب طويل.
أسلوب يمزج الوثائقي بالأدبي
سرّ قوة هذه الرواية أنها لا تنتمي إلى الأدب الخالص وحده، ولا إلى الوثيقة الجامدة وحدها. لقد جمعت بينهما بمهارة نادرة. فمن جهة، نجد المادة التوثيقية: أسماء القرى، وتفاصيل الرحلة، وتاريخ ماري، وإشارات إلى نصوص أثرية. ومن جهة أخرى، نجد الأدب: لغة مشبعة بالعاطفة، وصوراً بلاغية، وجملاً تتنفس الشعر.
لقد أثبتت الراحلة، أن الأدب قادر على أن يحمل الوثيقة، وأن الوثيقة يمكن أن تكتسب روحًا حين تكتبها يد شاعرية. بذلك، تجاوزت فوزية المرعي حدود الرواية التقليدية، وقدّمت نصًا يمشي على خط رفيع بين التاريخ والخيال، بين الإنسان والمكان.
أثر الرواية وإرث الراحلة
«قارب عشتار» ليس كتاباً للتاريخ، أو رحلة نهرية، بل وثيقة وجدانية تحفظ للفرات روحه، وتؤكد أن الأنهار ليست مياهًا جارية فقط، بل أوطاناً تسكن الناس بقدر ما يسكنونها.
لقد تركت فوزية المرعي للأدب العربي إرثًا خالدًا. بكلماتها الصادقة، استطاعت أن تضع اسمها إلى جانب الكتّاب، الذين جعلوا من المكان شخصية حيّة، ومن الذاكرة وطنًا. ورغم رحيلها، يبقى أثرها حاضرًا في كل قارئ يعبر صفحاتها، وفي كل باحث ينظر إلى الفرات لا مجرى مائي، بل مسرح حياة وحضارة.
كلمة وفاء
وأنا أكتب عن الأديبة الراحلة فوزية المرعي، لا أكتب عن اسم عابر في تاريخ الأدب، بل عن إنسانة تركت أثرًا في النفوس، وكتبت بروحها لتجعل من الأدب وطنًا آخر. لقد عرفت كيف تحوّل النهر إلى ذاكرة، والرحلة إلى شهادة، والكلمة إلى جسر بين الماضي والحاضر.
رحلت بجسدها، لكنها تركت لنا قنديلًا من الحروف يضيء العتمة. ستظلّ روايتها «قارب عشتار من توتول إلى ماري» شاهدًا على صدقها الإنساني، وعاطفتها النبيلة، وإيمانها بأن الأدب رسالة لا تموت.
رحم الله فوزية المرعي، وأسكنها فسيح جناته، وجعل كلماتها شجرة خضراء في ذاكرة الفرات وأهله.
No Result
View All Result