No Result
View All Result
أيمن روج
في خضم المظاهرات التي عمّت سوريا ضد النظام الديكتاتوري والقمعي بعد عام 2011، ووسط تصاعد حدة الصراعات الطائفية والإثنية، برزت وحدات حماية الشعب (YPG) ووحدات حماية المرأة (YPJ) كقوتين أساسيتين في الحفاظ على الأمن المحلي ومواجهة التنظيمات الإرهابية، وعلى رأسها “داعش” الذي مثّل التهديد الأشد للمجتمع السوري وتعدديته، لكن الدور الذي لعبته هذه الوحدات لم يقتصر على الجانب العسكري، بل تعداه إلى المساهمة في بناء نموذج للإدارة الذاتية الديمقراطية يضمن تمثيل كافة الشعوب، وهو ما تجسد لاحقاً في تشكيل قوات سوريا الديمقراطية والإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا.
تأسست وحدات حماية الشعب (YPG) في عام 2011، كقوةٍ محلية لحماية المناطق ذات الغالبية الكردية من أي تهديد خارجي، خصوصاً بعد انسحاب النظام السوري من بعض المناطق. لم يكن الهدف إنشاء جيش عرقي، بل قوة مجتمعية تتأسس على مفهوم “الدفاع الذاتي” لا “الهجوم العدواني”. وسرعان ما تأسست وحدات حماية المرأة (YPJ) في 2013، كقوة نسوية مقاتلة متميزة، لتكسر الصورة النمطية عن المرأة في الشرق الأوسط، وتؤكد أن الدفاع عن الأرض والمجتمع مسؤولية جماعية، هذا التوازن بين الرجل والمرأة داخل الصفوف القتالية شكّل أحد الأعمدة الأخلاقية والسياسية للمشروع الديمقراطي لاحقاً.
حين ظهر داعش على الساحة بقوة مدمّرة، لم يكن أحد يتخيل إن وحدات محلية ذات إمكانات محدودة ستتحول إلى القوة الرئيسية في دحره. من مقاومة كوباني الشهيرة (2014 ـ 2015)، التي كانت نقطة تحوّل رمزية وعسكرية، إلى تحرير الرقة، عاصمة “الخلافة المزعومة”، لعبت وحدات حماية الشعب ووحدات حماية المرأة الدور الحاسم في تحطيم بنية داعش، بتنسيق لاحق مع التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة.
لم تكن هذه الحملات والمعارك فقط ذات طابع عسكري، بل كانت دفاعاً عن نمط حياة، عن التعددية، عن الشعوب السوريّة التي رفضت الخضوع للفكر المتطرف.
مع اتساع نطاق الحملات وضرورة إشراك الشعوب كافة في الدفاع عن أرضهم، تم الإعلان عن تأسيس قوات سوريا الديمقراطية في عام 2015، والتي ضمّت إلى جانب المقاتلين الكرد، عرباً، سرياناً، آشوريين، تركماناً، وشركساً. هذا التنوع لم يكن شكلياً، بل مؤسسياً، حيث رُوعي التمثيل العادل في جميع مفاصل القيادة، وتم العمل على بناء جيش غير مركزي، يحمل في جوهره مشروع “أخوّة الشعوب” و”الدفاع المشترك”.
في موازاة التقدم العسكري، تم الإعلان عن الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، كنموذجٍ مدني للحكم المحلي الديمقراطي، يقوم على مبدأ الكومينات والمجالس المحلية، ويضمن تمثيل جميع الشعوب بمختلف أديانهم ومعتقداتهم، هذه الإدارة لم تكن مفروضة، بل تطورت كتعبيرٍ عن الحاجة لتأمين الخدمات، والتعليم، والأمن، في ظل انهيار مؤسسات الدولة المركزية.
الإدارة الذاتية أثبتت أنها قادرة على استيعاب الاختلافات، وحل النزاعات المحلية، عبر الحوار والمجالس الشعبية، ما عزز مفهوم “السلم الأهلي” في منطقة كانت مهددة بالتفكك.
في الثامن من آب 2025، عُقد في مدينة الحسكة كونفرانس وحدة الموقف لمكونات شمال وشرق سوريا، بحضور ممثلين عن كافة الشعوب والطوائف. المؤتمر لم يكن فقط مناسبة رمزية، بل محطة استراتيجية لإعادة التأكيد على التعايش، ووضع خارطة طريق مستقبلية لضمان تمثيل سياسي، دستوري، وخدماتي لكل من يعيش في هذه الرقعة الجغرافية.
ومن اللافت في هذا الكونفرانس هو مشاركة ممثلين عن الطائفتين الدرزية والعلوية، في خطوةٍ ذات دلالات وطنية عميقة، إذ تعكس انفتاح المشروع السياسي في شمال وشرق سوريا على الشعوب السوريّة كافة، بما في ذلك الطوائف التي بقيت لعقود محصورة في خيارات سياسية ضيقة نتيجة سياسات النظام المركزي أو ظروف الحرب. وقد جاءت مشاركتهم تأكيداً على رفض الإقصاء والهيمنة، وعلى دعم صيغة حكم تؤسس لمبدأ “العيش المشترك” دون تفوق طائفي أو قومي.
الكونفرانس عُقِد تحت شعار “معاً من أجل تنوع يعزز وحدتنا، وشراكة تبني مستقبلنا”، وسعى إلى تعزيز الحوار بين مختلف الشعوب، ليس فقط لإدارة شؤون مناطق شمال وشرق سوريا، بل كمساهمة فعلية في صياغة مستقبل سوريا ككل. وقد ناقش الكونفرانس قضايا تتعلق بالتمثيل السياسي، والمناهج التعليمية المشتركة، وضمان الحقوق الثقافية والدينية، إضافةً إلى تعزيز الشفافية في الإدارة، وضمان مشاركة المرأة وممثلي المكونات في صنع القرار.
الكونفرانس جاء في وقتٍ تزداد فيه الضغوط الإقليمية والدولية على تجربة الإدارة الذاتية، ليكون بمثابة رد عملي: نحن هنا، مجتمع متنوع اختار الحياة المشتركة والسلام، لا التبعية ولا الحرب.
ربما لا تخلو تجربة شمال وشرق سوريا من الأخطاء أو التحديات، لكنها تظل واحدة من النماذج القليلة في المنطقة التي جمعت بين مقاومة الإرهاب، بناء مؤسسات ديمقراطية، وضمان السلم الأهلي. وحدات YPG وYPJ كانت النواة، قوات سوريا الديمقراطية كانت الامتداد، أما الإدارة الذاتية فهي الشكل المدني لهذا الحلم الجماعي.
التجربة تقول: لا يمكن محاربة الإرهاب دون مشروع بديل عادل. ولا يمكن الحديث عن سوريا المستقبل دون الاعتراف بدور هذه القوى، لا بصفتها عسكرية فقط، بل بوصفها حاملاً لمشروع وطني ديمقراطي، من رحم المعاناة.
No Result
View All Result