No Result
View All Result
قامشلو/ سلافا عثمان ـ في مدينة عامودا يقف الخياط “عبد الباقي محمد” شاهداً على رحلة امتدت لأكثر من نصف قرن مع مهنة الخياطة، حيث تحولت الإبرة إلى شغف يومي يمنحه الحرية والراحة.
الخياطة مهنة تحمل في طياتها الشغف والصبر والإبداع، فلا تعد مجرد عمل لكسب الرزق، بل أسلوب حياة يرتبط بالحرية والاعتماد على النفس، وفي عامودا يجسد قصة الخياط “عبد الباقي محمد” هذه القيم برحلة امتدت عقوداً طويلة.
الخياطة عشق لا ينتهي
وفي مدينة عامودا يجلس الخياط “عبد الباقي محمد”، ذو الملامح الهادئة والنظرة العميقة، خلف ماكينة الخياطة التي لازمته طوال أكثر من نصف قرن، فعمره اليوم يبلغ 72 عاماً، لكن ذاكرته ما زالت حاضرة لتروي تفاصيل مشواره الطويل مع مهنة ارتبطت بحياته.
وبدأت حكاية “محمد” خلال عام 1971، عندما كان شاباً في الثامنة عشرة من عمره، حيث مارس آنذاك مهنة الخياطة لدى خياط معروف في عامودا كعامل مبتدأ، فيما لم يكن مجرد عمل عابر له، بل كان مدخلاً إلى حياة جديدة وعالم خاص، حيث وصف تلك المرحلة: “كنت أتعلم كل يوم شيئاً جديداً، لم أكن أتعامل مع الخياطة كمهنة فقط، بل كنت أشعر أنني أتعلم فناً يحتاج إلى الصبر والدقة والإبداع”.
ولم يتأخر كثيراً حتى قرر أن يشق طريقه بنفسه، ففي عام 1978 افتتح ورشته الخاصة، لتبدأ مرحلة جديدة في حياته، مرحلة الاستقلالية التي لطالما حلم بها، يومها كانت الخياطة له فرصة يعتمد على نفسه، ويثبت وجوده في المجتمع، حيث قال بابتسامة لا تخلو من الفخر: “حين جئت من القرية إلى مدينة عامودا، اتخذت قراري أن أعيش حراً بعملي، لا أتقيد بأحد، ولا أحتاج لمد يدي لأحد”.
ومع مرور السنوات، تحولت الخياطة من مهنة إلى شغف يعيش معه تفاصيل أيامه، ولن يخفي “محمد” بأن يومه يصبح ناقصاً إذا مر دون ممارسة الخياطة: “اليوم الذي لا أخيط فيه أشعر أنني مريض”، هذه العلاقة العاطفية بالمهنة ليست شائعة في زمن يبحث فيه الكثيرون عن عمل فقط كمصدر رزق، بينما هو يرى فيها أسلوب حياة ومتنفساً للروح.
وورشته الصغيرة، التي تعبق برائحة القماش، وخيوط الحرير، كانت شاهدة على آلاف القصص، على مدى سنوات خاط محمد مئات الأطقم الرجالية الرسمية، إذ تخصص في هذا المجال وأبدع فيه: “تفصيل بدلة رسمية يحتاج مني ثلاثة أيام من العمل المتواصل، بين أخذ المقاسات، والقص، والخياطة، والتجهيز، ولكن رغم التعب، أشعر براحة كبيرة وأنا أتابع تفاصيل القطعة حتى تكتمل”.
ماكينة الزمن لا تتوقف
ولم تكن الطريق دائماً مفروشة بالورود، فقد واجه محمد الكثير من الصعوبات، أبرزها انقطاع الكهرباء، وهو عائق مستمر يعرقل عمله، خصوصاً أن الخياطة تعتمد بشكل كبير على تشغيل الماكينات، ومع ذلك لم يفكر يوماً في التراجع أو ترك المهنة: “لا يمكنني أن أترك هذه المهنة، سأبقى أمارسها ما حييت، ولن يأتي يوم أفكر فيه بالابتعاد عنها”
والخياطة لمحمد ليست مجرد مهنة شخصية، بل إرثاً عائلياً بدأ يورثه لابنه، فقد تعلّم ابنه المهنة منه، لكنه اختار أن يسلك طريقاً مختلفاً، ففتح محلاً خاصاً به، لكنه تخصص في الخياطة النسائية، ورغم اختلاف التخصص، فإن الرابط المشترك بينهما هو حب الخياطة، حيث تحدث محمد بفخر: “ابني أخذ الصنعة مني، واليوم صار لديه محل خاص، صحيح أنه يخيط للنساء، لكنني أراه يبدع مثلما كنت أبدع في بداياتي”.
ومن بين أكثر ما ردده محمد خلال حديثه هو كلمة “الحرية”، فهو يرى أن الخياطة منحته الحرية في حياته، حرية القرار والعمل والاعتماد على النفس، حيث اختتم الخياط “عبد الباقي محمد” حديثه: “أنا لست مقيداً بمكان أو شخص، فعملي جعلني حراً، وفتح لي الطريق لأبني حياتي كما أريد”، هذه الفلسفة الخاصة به جعلت من مسيرته أكثر من مجرد قصة نجاح مهني، بل تجربة إنسانية تعكس قيمة الاعتماد على النفس والصبر في مواجهة الصعاب.
واليوم، وبعد أكثر من خمسين سنة في هذه المهنة، ما زال “عبد الباقي محمد” يجلس يومياً في ورشته، يحيط به القماش من كل جانب، وصوت الماكينة يملأ المكان كأنها موسيقا خاصة لا يمل سماعها، ورغم تقدم العمر، لا يشعر بالتعب، بل يزداد تمسكاً بعمله الذي يراه رفيق العمر.
No Result
View All Result