No Result
View All Result
روناهي/ الرقة ـ لم يعد سور الرقة الأثري، الذي شُيّد قبل أكثر من ألف عام ليحمي المدينة ويصون تاريخها، محمياً اليوم حتى من أكوام النفايات التي تُلقى عند جوانبه وتُحرق بشكل عشوائي، مشهدٌ صادم لا يليق بمدينةٍ لطالما كانت منارة حضارية. لكنه؛ بات حقيقة يومية تُهدد ما تبقى من معالمها الأثرية.
على الرغم من الجهود التي بذلتها هيئة الثقافة في إقليم شمال وشرق سوريا، بالتعاون مع بلدية الشعب في الرقة، لحماية سور الرقة وترميمه، إلا أنّ المنطقة المحيطة به تحوّلت خلال الأشهر الأخيرة إلى مكب عشوائي للنفايات المنزلية والتجارية.
ولم تجدِ حملات التوعية التي أُطلقت أكثر من مرة نفعاً، الملصقات التحذيرية، الاجتماعات مع الأهالي، وحتى فرض الغرامات على بعض المتجاوزين، لم توقف الظاهرة، والنتيجة، سور أثري يعود للعصر العباسي، مدرجٌ على قوائم التراث المحلي، يختنق اليوم بالدخان والروائح الكريهة.
معاناة يومية للأهالي
ولا تقف المأساة عند حدود التعدي على التراث، فيعاني السكان المقيمون قرب السور يومياً من آثار هذه الكارثة، حيث قال “خالد العنتر“، 55 عاماً، وهو أحد سكان الحي المجاور للسور: “نستيقظ كل صباح على رائحة دخان النفايات المحترقة، لم يعد بإمكان أطفالنا اللعب بالقرب من السور، هذا المكان الذي كان رمزاً لتاريخ الرقة، تحوّل إلى مصدر للأمراض والخطر”.
أما “ضحى الأشقر“، 43 عاماً، فتحدثت بمرارة: “أنا أسكن بجوار باب بغداد، وكل يوم أخرج من منزلي فأرى أكياس القمامة ملقاة عند حائط السور، حاولت مراراً أن أنبه الجيران، لكن لا فائدة. الناس اعتادت رمي الأوساخ هنا، وكأن المكان مجرد أرض مهجورة”.
وبدوره؛ أضاف الشاب “أحمد المحمد“، 28 عاماً، وهو عامل في أحد المحلات القريبة: “المشكلة ليست فقط في القمامة، بل في حرقها ليلاً، الدخان يخنقنا، والغبار يغطي حجارة السور، لو استمر الوضع هكذا، فلن يبقى من السور سوى اسمه”.
أزمة متفاقمة رغم التوعية
ولم تقف بلدية الشعب في الرقة مكتوفة الأيدي، فأكثر من حملة توعية أُطلقت خلال العامين الماضيين تحت شعار “سور الرقة هويتنا… فلنحافظ عليه”، ووزعت منشورات على الأهالي، ونُظمت ندوات في المدارس والمراكز الثقافية. لكنّ؛ الأزمة ازدادت بدلاً من أن تنحسر.
وقال أحد العاملين في قسم النظافة ببلدية الشعب (فضّل عدم ذكر اسمه): “نقوم يومياً بجمع القمامة الملقاة عند السور، لكن الناس يعاودون الرمي في اليوم التالي، الأمر خرج عن السيطرة، وتحوّل ظاهرة تحتاج حلولاً جذرية، لا مجرد حملات توعية.”
كما أنّ الجانب البيئي والصحي لا يقل خطورة، فتراكم القمامة يجذب القوارض والحشرات، والدخان الناتج عن حرقها يلوّث هواء الأحياء المجاورة، مسبّباً أمراضاً تنفسية خطيرة للسكان، وخاصة الأطفال وكبار السن.
أصوات تطالب الحل
وطالب الأهالي بتدخل عاجل، حيث قالت “أمينة الحسين“، 35 عاماً، وهي من المتضررين من هذه الكارثة:” لا يكفي أن نلوم الناس على رمي القمامة، يجب أن توفَّر بدائل حقيقية كـ (حاويات كافية، ونظام جمع يومي منظّم، وحماية فعلية للسور من أي تجاوزات)، فإذا استمر الوضع كما هو، سنفقد السور ونفقد صحتنا معه”.
ويختصر المشهد في الرقة أزمة أوسع، حين يتحول موقع أثري عمره قرون إلى مكب قمامة، فهذا يعني أنّ المجتمع يواجه كارثة أخلاقية وثقافية قبل أن تكون بيئية، فالحفاظ على السور ليس رفاهية، بل هو واجب إنساني وتاريخي يخصّ كل مواطن.
واليوم، يقف سور الرقة الأثري على حافة الانهيار، ليس بسبب غزوات أو زلازل، بل بسبب إهمال بشري متعمّد، وإذا لم تُتخذ إجراءات حازمة وعاجلة، فإن المدينة ستخسر أحد أهم رموزها التاريخية.
وإنّ تحويل سور الرقة الأثري إلى مكبّ للنفايات هو جريمة بحق التراث والإنسانية معاً، الأصوات الغاضبة للأهالي، والجهود المتكررة لبلدية الشعب، لم تنجح حتى الآن في وقف الكارثة، والمطلوب اليوم ليس حملات توعية جديدة، بل خطة طوارئ شاملة تعيد الاعتبار للسور وتضع حداً للتجاوزات.
الرقة لا تستحق هذا المشهد المخزي سورها الذي صمد لقرون أمام الغزاة، يوشك أن ينهار أمام أكياس القمامة وألسنة النار.
No Result
View All Result