No Result
View All Result
قامشلو/ سلافا عثمان – في مدينة عامودا الهادئة، تتناثر الحكايات، ويجلس “سرفراز عوجي”، البالغ من العمر 29 عاماً، بين أدواته البسيطة وقطع الخشب الخام، ليصوغ منها فناً يتجاوز حدود المهنة، ويصبح انعكاساً لحياته وذكرياته وأحلامه.
في كل زاوية من خشبةً جافة ملقاة، يرى “سرفراز عوجي” حياة جديدة، ومن بين بقايا الخشب العادي، يصوغ بحبات صبره فناً يروي حكاية العمل، بدأ صدفة وتحول إلى طريق يملؤه الأمل.
مساحة صغيرة لحلم كبير
ولم يكن الفن لـ “سرفراز عوجي” قراراً متأخراً، بل بذرة نمت معه منذ صباه، ففي سن الخامسة عشرة، انكسر مقعد خشبي في مدرسته، أخذ قطعة منها وبدأ يعمل عليها بدافع الفضول، والنتيجة كانت طمبوراً خشبياً بسيطاً. لكنه؛ بدا له جميلاً بشكل غير متوقع، حين حمله بين يديه شعر أنه أنجز شيئاً مختلفاً، بعدها صنع أربع قطع أخرى وأهداها لأصدقائه المقربين، ومن هنا بدأت قصته.
وكانت تلك التجربة الأولى نقطة تحول في حياته، فقد اكتشف “عوجي” عالماً سرياً داخل قطعة خشب صغيرة، عالماً فتح له باباً لم يغلق منذ ذلك اليوم. وعند التحاق “عوجي” بكلية التجارة والاقتصاد في جامعة الحسكة، ورغم تفوقه لم يجد في جداول الأرقام والمعادلات طريقا لتكملة مشواره الدراسي، الذي يبحث عنه، فقد كان يحلم أن يفتتح ورشة صغيرة خاصة به، مكاناً يختبئ فيه من ضوضاء الحياة ليحاور الخشب ويفتح لنفسه أفقاً جديداً، حيث قال “سرفراز عوجي” خلال لقاء خاص مع صحيفتنا “روناهي”: “لم يكن هدفي التجارة فقط، بل ممارسة موهبتي وتطويرها، فكنت أرى بأنني إذا استسلمت للتخصص الجامعي وحده، فسأخسر شيئاً أثمن بكثير من الوظيفة، سأخسر نفسي”.
وقبل أربعة أشهر فقط، قرر أن يحوّل حلمه إلى واقع، فقد افتتح ورشته البسيطة، ووضع فيها أدواته وبعض الأخشاب من أنواع مختلفة “الزان، والقشر، والخشب السويدي”، ومن هنا بدأت مرحلة جديدة في رحلته، رحلة صبر يومي بين المنشار والإزميل وورق الصنفرة.
ويعمل عوجي على صناعة قطع فنية متعددة “طاولات خشبية، ديكورات لآلات موسيقية، حوامل خواتم، منحوتات صغيرة لأشكال طبيعية”، وحتى تصاميم خاصة يطلبها الزبائن، وقد يستغرق بعض القطع يومين كاملين من العمل، وتبدأ أسعارها من 15 دولاراً وتصل إلى 30 بحسب الحجم والدقة: “كل قطعة أصنعها تمر بمراحل طويلة من القص والتنعيم والتشكيل، قد تبدو مجرد خشب جامد للآخرين، لكنها بالنسبة لي كائن يتشكل بين يدي”.
حين يضيق السوق وتبقى الروح واسعة
ورغم الجهد الكبير الذي يبذله، بين عوجي أن الطريق ليس سهلاً، فالإقبال على الشراء متوسط في أحسن الأحوال، وأحياناً يتوقف السوق تماماً: “الناس هنا يعيشون ظروفاً صعبة، والفن غالباً ليس من أولوياتهم، أحياناً أقضي أياماً دون بيع قطعة واحدة، لكنني لا أعتبر هذا خسارة، لأن الوقت الذي أمضيه في الورشة هو مكسب لي، هو طريقي للتطور”.
وإلى جانب ذلك، لم تمنحه شهادته الجامعية فرص عمل، ما جعله يعتمد أكثر فأكثر على موهبته كمصدر رزق، ورغم هذه التحديات، يؤمن أن ما يفعله اليوم سيكبر غداً، وأن الإبداع لا يموت مهما ضاقت الظروف.
وما يميز عوجي ليس فقط فنه، بل العلاقة العاطفية التي يبنيها مع كل قطعة، حيث وصف عمله: “حين أصنع قطعة، أشعر أنني أضع جزءاً من طفولتي فيها، ليست مجرد عمل للبيع، بل رسالة صغيرة عن الجمال والصبر. لذلك، حتى لو قل البيع، فهي تبقى شاهداً على ما أستطيع أن أقدمه”. ويخطط عوجي قريباً للمشاركة في معارض فنية محلية، آملاً أن تمنحه هذه الفرصة مساحة للتعريف بأعماله والوصول إلى جمهور أوسع، بالنسبة له هذه الخطوة ليست عرضاً تجارياً، بل اعترافاً بموهبته، ونافذة يطل منها على مستقبل مختلف.
وفي ختام حديثه، اختصر “سرفراز عوجي” حكايته بجملة واحدة: “الخشب لي ليس مادة جامدة، بل حياة، فكل قطعة أصنعها تذكرني بأنني لم أستسلم، وأنني اخترت الطريق الذي أحب”.
يشار، إلى أن قصة “سرفراز عوجي” ليست مجرد حكاية شاب يصنع قطعاً خشبية، بل شهادة حيّة على أن الإنسان حين يتبع شغفه، يستطيع أن يزرع الجمال حتى في أصعب الظروف، وأن يحول الخشب الصامت صوتاً يروي حكاية الأمل.
No Result
View All Result