No Result
View All Result
الشدادي/ حسام الدخيل ـ في ظهيرة حارة بمدينة الشدادي جنوبي الحسكة، يجلس طفل صغير عند مدخل أحد المحال التجارية، ثيابه البالية، ووجهه المغبر يرويان حكاية قاسية أكثر ما تعبر كلماته، يمد يده إلى المارة، يردد بصوت خافت “عمو… بس ألف ليرة الله يخليك”.
صاحب المحل الذي يراقبه عن قرب يهز رأسه بأسى ويقول: “هذا الطفل يجي كل يوم، مرة يقول بدو خبز، ومرة دواء لأمه، ما بعرف إذا قصته حقيقية، بس المنظر صار مألوفاً لدرجة لم نعد نستغربه”.
اتساع رقعة الظاهرة
ولا يقتصر المشهد على الشدادي، بل يتكرر في الحسكة المدينة والهول والعريشة والقرى المحيطة، المتسولون ينتشرون في الشوارع، وأبواب المساجد، وداخل الأسواق الشعبية، منهم نساء يحملن أطفالاً رضعاً، وشيوخ مسنون، وأطفال بأعمار تؤهلهم للالتحاق بالمدرسة، جميعهم يمدون أيديهم طلباً للمساعدة.
وحسب ناشطين محليين، فقد ارتفعت أعداد المتسولين بشكل ملحوظ خلال العامين الأخيرين، حتى بات من الصعب على الأهالي التمييز بين المحتاج الفعلي، ومن امتهن التسول كمصدر رزق دائم.
أصوات من الشارع
وخلال رصد استطلاعات الأهالي عن انتشار ظاهرة التسول، قالت “صبحة الحميد“، ربة منزل من ريف الحسكة: “كل يوم وأنا رايحة عالسوق يوقفني أطفال، أحياناً أعطيهم، بس مرات بشوف نفس الطفل لابس تياب جديدة أو ماسك موبايل، هون بحتار إذا هو محتاج فعلاً ولا في ناس عم يستغلوه”.
أما “خلف العبد الله”، سائق سيارة أجرة من الشدادي، أشار إلى بعد آخر: “المشكلة مو بس بالتسول نفسه، المشكلة إنه عم يخلينا نشوف أطفال صغار عم يضيعوا من المدارس، بكرا يكبروا أميين وما عندهم مستقبل غير الشارع”.
الأسباب الجذرية
وتعد ارتفاع الأسعار بشكل جنوني وتراجع فرص العمل أبرز الأسباب، فالكثير من العائلات بالكاد تؤمّن لقمة العيش، وبعضها فقد معيلها في الحرب أو في ظروف النزوح والتهجير، حيث توجد آلاف العائلات النازحة من مناطق أخرى وجدت نفسها في الحسكة بلا مأوى أو دخل ثابت، بعض هذه العائلات دفعت أطفالها إلى الشارع بحجة “جلب المال اليومي”.
وحتى الآن لا توجد قوانين واضحة أو آليات صارمة لمكافحة التسول، الرقابة الأمنية والاجتماعية دون المستوى المطلوب؛ ما يفتح الباب أمام استغلال الأطفال والنساء من أفراد.
خطر متصاعد
ولا تتوقف ظاهرة التسول عند كونها مشهداً غير لائق في الشارع، بل تحمل مخاطر عميقة، أهمها ضياع التعليم، فمئات الأطفال ممن تركوا مقاعد الدراسة، يمضون ساعات طويلة في الشوارع، وهم يتسولون.
فغياب التعليم والتربية في الشوارع قد تدفع هؤلاء الأطفال للانزلاق للجريمة مع الوقت، فقد يدفعهم بحثهم عن المال بأسهل الطرق إلى السرقة والنشل وهذا ما بات معروفاً، ومشهداً شبه مألوف يومياً في شوارع مدينة الحسكة وريفها، وخصوصاً في الأسواق الشعبية أو الشوارع التي تشهد حركة كثيفة.
وإلى جانب تلك المخاطر، قد تولد ظاهرة التسول أو البحث عن المال بأسهل الطرق ثقافة الاتكالية، التي قد تفقد دافعها للبحث عن عمل شريف، وهذا يفسر وجود المئات من الأطفال والنساء والشباب والشيوخ في الشوارع، وهم يفترشون الأرض ويستجدون المال من المارة.
شهادات من ناشطين
وقال الناشط “إبراهيم الأسعد” من ريف الحسكة: “الموضوع ليس عابرا وسهلاً، في عائلات تستغل أطفالها، وفي ناس عم تجيب أطفال غيرها، وتستخدمهم للتسول، هذا مو بس فقر، هذا استغلال لازم يتوقف”.
وأضاف: “شاهدت مشهد بأم عيني، رجل في الأربعين من العمر يحمل كرسي متحرك على كتفة، وبجانبه طفل يمشي، وعندما وصلا إلى الموقع المطلوب قام بوضع الطفل على الكرسي المتحرك، وأصبح يتسول من المارة”.
وتابع: “هنا ندرك، إن الأمر تحول إلى موضوع أكبر من الحاجة، بل إلى مهنة اعتاد عليها هؤلاء الاتكاليون، ويجب مكافحتها بشتى الوسائل”.
بينما يرى المدرّس “علاء الفياض” أن الخطر الأكبر يتمثل في التعليم: “لما طفل بعمر المدرسة يظل بالشارع عشر ساعات وهو عم يطلب مصاري، فهون نحن خسرنا جيل كامل، ما في مستقبل للمنطقة إذا أولادنا يتركون المدارس”.
المطلوب من الجهات المعنية
ولمعالجة هذه الظاهرة، يرى مختصون ضرورة تبني خطة شاملة تشمل، تشديد الرقابة ومنع استغلال الأطفال والنساء في التسول، وتطبيق قوانين رادعة. بالإضافة إلى تقديم مساعدات نقدية وغذائية للعائلات الأكثر فقراً، خصوصاً النازحة، وفتح المجال أمام مشاريع صغيرة تساعد الأسر على العمل والإنتاج بدلاً من الاعتماد على الشارع. والأهم من ذلك كله إعادة دمج الأطفال المتسولين في برامج تعليمية خاصة.
مسؤولية المجتمع
وبين طفل الشدادي الذي يمد يده بخجل، وامرأة تحمل رضيعها عند أبواب جامع الحسكة الكبير، تتشابك قصص الفقر والاستغلال في لوحة يومية مؤلمة، التسول هنا ليس طلباً للمساعدة، بل جرس إنذار يهدد بانتشار جيل ضائع بلا تعليم ولا أمان اجتماعي.
ولن يكون الحل آنياً أو سطحياً، بل يتطلب إرادة جماعية تبدأ من الأسرة، مروراً بالجهات المعنية، وصولاً إلى وعي المجتمع كله، لأن إنقاذ الأطفال من الشارع اليوم، هو الضمان الحقيقي لمستقبل المنطقة وأجيالها القادمة.
فلا تقع المسؤولية على الجهات الرسمية فقط، بل على المجتمع أيضاً، حيث قال الناشط “إبراهيم الأسعد” في الختام: “إذا كل واحد منا يمتنع عن إعطاء المال مباشرة للمتسولين ويوجهه للجمعيات الخيرية، وقتها يقل الدافع لامتهان التسول، الظاهرة لازم نحاربها كلنا”.
No Result
View All Result