No Result
View All Result
تسعى دولة الاحتلال التركي وبشتى الطرق منح الشرعية لداعش؛ وذلك بمساندته في تنشيط خلاياه النائمة، وتهريبه إلى شمال وشرق سوريا عبر حدودها، إلى جانب تكثيف هجماتهما على شمال وشرق سوريا في الوقت ذاته؛ وذلك لإضعاف همة قوات سوريا الديمقراطية التي هي على أهبة الاستعداد دائماً في التصدي لتلك السياسة، وتهدف الدولة التركية في سياستها تلك إلى إفشال مشروع الإدارة الذاتية وعرقلة أيّ مسار من شأنه أن تصل به سوريا إلى بر الأمان وتحقق تطلعات السوريين في العيش الكريم وتحقيق اللامركزية..
حمزة حرب
في وقتٍ تمر به الساحةُ السوريّة بمنعطفاتٍ خطيرةٍ على مسار رسم معالم البلاد بعد سقوط النظام السابق وبعد كل ما مرَّ به السوريون من ويلاتٍ لا تزال تبعاتها تُثقلُ كاهلهم إلى اليوم وما فاقم هذه المعاناة هو تدخّل الاحتلال التركيّ إلى جانب ملف “داعش” وهما العقبتين اللتين أعاقتا إعادة بناء سوريا على أسسها الصحيحة بحسب مراقبين.
فالتناغم الكبير بين الخطوات التي تخطوها دولة الاحتلال التركيّ والعمليات الإرهابيّة التي تنفذها مرتزقة “داعش” بدا واضحاً وجلياً كونهما يتحركان في خطين متوازيين يلتقيان عند هدف واحد وهو استهداف مناطق شمال وشرق سوريا هذا التزامن لم يعد مجرد صدفة عابرة، بل بات يثير تساؤلات عميقة حول طبيعة العلاقة غير المعلنة بين الطرفين، والتي من شأنها تعقيد المسار الطبيعيّ للمعادلة السوريّة.
سقوط النظام السابق ولعبة التخادم
على مدى أكثر من عقد من الأزمة السوريّة، بقي الاحتلال التركيّ يشكّل ضغطاً على مناطق الإدارةِ الذاتيّةِ لشمال وشرق سوريا وكانت الحدود التركيّة مرتعاً للمجموعات المرتزقة ومناطق آمنة لأنشطتهم الخبيثة في المنطقةِ كما شكّل إلى جانب روسيا والنظام السابق حلبة للعبة التخادم في المنطقة بهدف تمرير أجنداتهم. فكانت مناطق شمال وشرق سوريا هي المنطقة الوحيدة التي تصدّت للعبة الإرهاب التي وضع النظام التركيّ أسسها على الساحة السوريّة متمثلة بـ”داعش” الإرهابيّ؛ فكان عرّاب متزعمي “داعش” لتصبح مناطق شمال وشرق سوريا محطَّ أنظار القوى الإقليميّة والدوليّة خصوصاً بعد ملحمة كوباني التي شهدها العالم أجمع.

كما شكّلت الإدارة الذاتيّة أيضاً تجربة مختلفة في الإدارة والحكم عبر مشروعها الفتي لكن هذه التجربة باتت تواجه منذ سنوات استهدافاً مزدوجاً الأول عبر التهديدات التركيّة المتكررة، والثاني من خلال اعتداءات خلايا مرتزقة “داعش” الإرهابيّ والأخطر أنَّ نشاط الطرفين يتزامن بصورة مثيرة للجدل، ما خلق حالة من الضغط المركّب على المنطقة وسكانها.
تركيا لم تُخفِ يوماً رفضها لوجود أيّ مشروعٍ خارج إطار لعبة التخادم التي أسستها على الساحة السوريّة ومنذ العام 2016 شنّت أنقرة سلسلة من الاعتداءات العسكريّة في الشمال السوريّ، بدءاً جرابلس ومارع والباب مروراً بعفرين وصولاً لسري كانيه وكري سبي الهدف هو خلق بيئة ملائمة للمرتزقة الذين شكلت منهم أنقرة أداة للعبتها على الساحة السوريّة بعد أن تم تهجير عشرات آلاف المدنيين، وتغيير ديمغرافي واسع.
وبعد سقوط النظام السوري السابق؛ لم تقف دولة الاحتلال عند حد اعتداءاتها السابقة بل استثمرت حالة الفراغ الأمنيّ والعسكريّ لتستكمل الضغط على مناطق شمال وشرق سوريا في منبج وصولاً إلى سد تشرين الذي أبدت فيه شعوب المنطقة مقاومة أسطوريّة ولم تتخلَ عن هذا السد حتى الوصول إلى اتفاق تهدئة يجنب السد تبعات الحرب.
لا يبدو أنّ أنقرة تستهدف سد تشرين عسكريّاً بقدر ما تحاول استخدامه كورقة ضغط سياسيّ. فاستهداف المنشآت الحيوية يحمل رسالة مزدوجة الأولى إلى قوات سوريا الديمقراطية “قسد” بأن تمسكها بمطالبها سيُقابَل بعقاب جماعي، والثانية إلى المجتمع الدوليّ بأن تركيا قادرة على تهديد الاستقرار إن لم تُؤخذ مصالحها بعين الاعتبار.
في المقابل، تصرُّ قسد على أن استهداف سد تشرين لن يغيّر من موقفها ولن تسمح لتركيا بتحويل السدود إلى أدوات ابتزاز وأن أي قصف على البنية التحتية وهي جريمة حرب يتحمل المجتمع الدوليّ مسؤولية ردعها لأن سد تشرين لا يرتبط فقط بسوريا، بل بمنظومة المياه في المنطقة بأكملها؛ فأي خلل في عمله قد يؤثر على تدفق الفرات نحو العراق، ما يفتح الباب على أزمة إقليميّة بين دمشق وأنقرة وبغداد فهذا البعد الإقليميّ يزيد من حساسيّةِ الملفِ، إذ قد يتحولُ استهداف السد إلى ورقة مساومة في المفاوضات الإقليميّة حول تقاسم المياه والطاقة.
إلا أنّ دولة الاحتلال التركي مستمرة في لعبة التخادم تارة بالاستناد إلى مرتزقة “داعش” وتارة أخرى بالاستناد إلى الحكومة الانتقاليّة وذلك من أجل إفشال أيّ مسارٍ للحلّ والتهدئة والسعي الدائم إلى الاستنزاف الممنهج بهدف تقويضِ بنية التجربة في شمال وشرق سوريا، وإجبارها على التراجع أو الخضوع لإملاءات أنقرة والأطراف السوريّة الموالية لها.
تركيا وداعش وديناميكيّة الضغط السياسيّ
بينما مرتزقة “داعش” فهم من أدوات الاحتلال لتمرير الأجندة ففي حين ظنّ العالم إنّ انتهاء داعش في “الباغوز” عسكرياً في آذار 2019 شكّل نهاية “داعش”، بقيت خلايا مرتزقة داعش يتغلغلون في البادية السوريّة وقادتهم في مناطق آمنة لهم يحتلها النظام التركيّ، حيث يشن “داعش” اليوم هجمات مباغتة على نقاط عسكريّة، إلى جانب الاغتيالات، والتفجيرات، واستهداف شخصيات محليّة خصوصاً في ريف دير الزور وهذا ما يجري التعامل معه أمنيّاً وعسكريّاً من قبل قوات سوريا الديمقراطيّة.
المثير هو أنّ تصاعد نشاط “داعش” غالباً ما يتزامن مع التوترات التركيّة فحين تنشغل قسد بصدّ القصف التركيّ أو مواجهة تهديدات اجتياح بريّ كما حدث مؤثراً في سد تشرين الذي من المفترض أنّه يخضع لاتفاق تهدئة تنفتح ثغرات أمنيّة يستغلها “داعش” للتسلل وضرب الاستقرار في المنطقة كما حدث في دير الزور وبعض مناطق ريف الرقة.
هذا التوازي بين تحركات تركيا وهجمات مرتزقة “داعش” أثار تساؤلات عميقة فبعض التحليلات تشير إلى أنّ دولة الاحتلال التركيّ تستفيد من إضعافِ الإدارة الذاتيّة، وبالتالي تدعم وتوجه وتغطي على تحركات لمرتزقة “داعش” ما دام يخدم هذا الهدف وذلك بالاستناد على وجود قنوات غير معلنة تتيح لكلّ طرف الاستفادة من الآخر، دون الحاجة إلى اتفاقٍ علنيّ.
ففي كلّ مرةٍ تزيد فيها دولة الاحتلال التركيّ عملياتها العدوانية سواء بالقصف الجويّ أو عبر المجموعات المرتزقة التابعة لها في مناطق الشمال، يزداد نشاط “داعش” في البادية وعلى أطراف دير الزور والرقة والحسكة هذا التزامن خلق حالة من الضغط المزدوج على قوات سوريا الديمقراطيّة والإدارة الذاتيّة، التي تجد نفسها مضطرة لتوزيع قوتها بين صدّ هجمات مرتزقة “داعش” الإرهابيّ ومواجهة تهديدات الاحتلال التركيّ المستمرة.

اللافت أنَّ هذه الديناميكيّة تسمح لتركيا بتنفيذ مشاريعها الاحتلاليّة كما يفسح المجال أمامها لفرض هيمنتها على الساحة السوريّة كما يستغلُ مرتزقة “داعش” من الانشغال العسكريّ والأمنيّ لتجديد خلاياه وتنفيذ اعتداءات مباغتة وبذلك، يتحقق نوع من تبادل الأدوار غير المعلن تركيا تضغط سياسيّاً وعسكريّاً، بينما “داعش” يضغط عبر خلاياه النائمة من الداخل أمنيّاً ويعيد ترتيب أوراقه.
لتبقى مناطق شمال وشرق سوريا تقاتل على جبهتين في آن معاً لو لم يكن هناك ضغط من قبل الاحتلال التركيّ لكانت القوى مرتكزة على مساعي القضاء على مرتزقة “داعش” وخلاياه النائمة ولكان انتهى خطره لكن تركيا توفر لمرتزقة “داعش” بيئة مثاليّة للعودة.
فالمجتمعُ الدوليّ ليس بمنأى عن خطر عودة مرتزقة “داعش”، ويبدو أنّه عالقٌ بين مصالحه مع تركيا كعضو في الناتو، والتزامه بمحاربة “داعش” إلى جانب قسد هذه الازدواجيّة سمحت لدولةِ الاحتلال بزيادة اعتداءاتها دون رادع حقيقيّ، فيما اكتفى التحالف الدوليّ ببياناتِ إدانةٍ محدودة.
فللخروج من عنق الزجاجة للمجتمع الدوليّ خصوصاً بعد سقوط النظام السوريّ السابق بدى يأخذ منحى لتقليص فرص “داعش” ومنع تركيا من التصعيدِ وهي الضغط باتجاه تسوية داخليّة سوريّة رغم حجم التناقضات الداخليّة وما أفرزته سنوات الأزمة الطويلة إلا أنّ أيّ حلّ سياسيّ شامل قد يعيدُ رسم خريطة سوريا الجديدة ويقلل من التهديداتِ المزدوجةِ.
لذا شكّل اتفاق العاشر من آذار محطةً مفصليّةً لا ترضي الجانب التركيّ كونه حظي بتأييد شعبيّ سوريّ كبير، وبالتالي كان بمثابةٍ فرصة تاريخيّة لإنهاء التناقضات التي تقتات عليها الأطراف الإقليميّة والدوليّة وتحافظ على بقائها من خلال هذه التناقضات الداخليّة.
الحلّ السياسيّ.. سبيل للخلاص
التزامن بين تحركات تركيا وهجمات “داعش” لم يعد مجرد حدث عابر في سياق الأزمة السوريّة، بل تحوّل إلى معادلة ثابتة تعيق أيّ محاولة لبناء الاستقرار في سوريا وبقدر ما تستفيد أنقرة من إضعافِ الإدارة الذاتيّة، يجد “داعش” نفسه قادراً على البقاء ليبقى مستقبل سوريا وأمنها واستقرارها رهناً بقدرة القوى المحليّة والدوليّة على كسر هذه الحلقة المفرغة، ووضع حدٍّ للتزامن المريب الذي يهدد ليس فقط شمال وشرق سوريا، بل الاستقرار الإقليميّ والعالميّ برمته.
إلى جانب هذا التناغم برز الدور الهشّ للحكومة الانتقاليّة في فرض رؤية وطنيّة جامعة رغم اتفاق الـ10 من آذار، حيث ماطلت هذه الحكومة في تطبيقه ولم تستطع الخروج من الضغط الإقليميّ الذي على ما يبدو هيمن على صناعة القرار فيها كما أقصت كلّ مكونات الشعب السوريّ من خلال تشكيل حكومة اللون الواحد بأسس المركزيّة المقيتة التي كانت سبباً رئيسيّاً فيما وصلت إليه سوريا اليوم.
حتى على الصعيدِ العسكريّ لم تتمكنِ الحكومةُ الانتقاليّة من خلق مظلة جامعة للمجموعات المتواجدة متعددة الولاءات فيما لا يزال الضغط على قوات سوريا الديمقراطيّة التي حاربت الإرهاب نيابة عن العالم أجمع لتنضم إلى هذه المظلة غير المتجانسة التي تحاول الحكومة الانتقاليّة إيهام العالم فيها متمثلة بوزارة الدفاع.
وتعليقاً على ذلك طرح عضو القيادة العامة في قوات سوريا الديمقراطيّة والقائد العام لوحدات حماية الشعب سيبان حمو، فكرة تشكيل مجلس عسكريّ مشترك مع الحكومة السوريّة الانتقاليّة، بوصفه خطوة أولى نحو إعادة بناء جيش وطني جديد يتسع لكل السوريين ويستند إلى مشروع ديمقراطيّ شامل.
حمو أضاف خلال لقاءٍ أجرته وكالة هاوار إن الاندماج في الجيش السوريّ لا يمكن أن يجري بطريقة تقليدية أو مركزية، بل يجب أن يأتي عبر مسار يقوم على الديمقراطيّة واللامركزيّة وحرية المرأة مضيفاً أنّ “قسد لا ترفض الانضمام إلى الجيش السوريّ، لكنها تريد أن يكون ذلك على أسسٍ سياسيّةٍ واضحةٍ تضمن حقوق جميع السوريين”.
ما يطرحه حمو هو بالاستناد إلى ما اكتسبته قسد والإدارة الذاتيّة ومسد من خبرات عسكريّة وإدارية وسياسيّة خلال سنوات المقاومة ضد “داعش” وهو ما يجعلها طرفاً أساسيّاً يمكن الاعتماد عليه في إعادة بناء الجيش الوطني، مضيفاً أن القوات أثبتت قدرتها على إدارة معارك استراتيجية وحماية مناطق واسعة من سوريا.
هذا الطرح سيعيد الكرة إلى ملعب السوريين جميعاً بالاستناد إلى اتفاق العاشر من اذار والذي تعارضه أنقرة ويحاول مرتزقة “داعش” تعكير صفو أيّ اتفاقٍ إيجابيّ بين الحكومة الانتقاليّة والإدارة الذاتيّة لكن لا مناصَّ من الاتفاق السياسيّ لأنّه المخرج الوحيد من حلقة الحرب المفرغة التي ستبقى السوريين يدورون فيها كالرحى التي تطحنهم لتقتات الأطراف الخارجيّة على تناقضاتهم وهو ما يفسر مسعى دولة الاحتلال التركيّ في عرقلة أيّ مسار من شأنه أن تصل به سوريا إلى بر الأمان وتحقق تطلعات السوريين بالعيش بحرية وتعدديّة ولا مركزيّة.
No Result
View All Result