No Result
View All Result
حمزة حرب
بعد الحرب العالميّة الثانية وتأسيس إسرائيل، كانت أنقرة تبحث عن تثبيتِ موقعها في المعسكر الغربيّ الناشئ وفي هذا السياق جاء اعترافها المبكر بإسرائيل عام 1949 ليشكّل خطوةً جريئةً على مستوى العالم الإسلاميّ، لكنه في الوقت ذاته كان متسقاً مع مساعي تركيا لتعزيزِ علاقاتها مع الولايات المتحدة والغرب.
هذا الاعتراف لم يكن مجرد إجراءٍ دبلوماسيّ بل بوابةً لعلاقات تراوحت بين التعاون الاستراتيجيّ والاقتصاديّ والسياسيّ. ولم تكن العلاقة بين أنقرة وتل أبيب مجرد تواصل دبلوماسيّ عابر، بل تداخلت مع التحولاتِ الإقليميّة، حساباتُ الأمنِ والعسكرة ليحافظ الجانبان على مستوى عالٍ من التعاون، خاصةً في المجالات الأمنيّة والاقتصاديّة، ما يجعل هذه العلاقة واحدة من أكثر العلاقات متانة في الشرق الأوسط.
علاقات متينة
الاعتراف المبكر بإسرائيل من قبل تركيا في 28/3/1949 أي قبل أقل من سنة من إعلان قيام إسرائيل، والعلاقة مستمرة حتى اليوم، ومرت بعدة محطات لكن أكثرها رخاءً كان في نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات حيث وصفت تلك الحقبة بـ”العصر الذهبيّ” أو شهر العسل السياسيّ بين الجانبين وبرز حينها التعاون العسكريّ والأمنيّ بشكل غير مسبوق، حيث أبرم الجانبان سلسلة من الاتفاقيات الدفاعيّة، شملت تدريبات عسكريّة مشتركة، تبادل خبرات استخباراتيّة، وصفقات تسليح متطورة.
إسرائيل من جانبها زوّدت تركيا بطائرات مسيّرة وتقنيات عسكريّة ساعدت النظام في تركيا على تطوير هذا القطاع من الأسلحة التي استخدمت لاحقاً في الحرب ضد حزب العمال الكردستانيّ كما ساهمت تل أبيب في إنعاش الصناعات العسكريّة التركيّة بما في ذلك تحديث طائرات “فانتوم” التركيّة.
في المقابل وفّرت تركيا لإسرائيل فضاءً استراتيجيّاً للتحرك في المنطقة، بما في ذلك إمكانية استخدام المجال الجويّ التركيّ في بعض التدريبات ووفّرت لها الغطاء الإقليميّ في بدايات عهد إسرائيل علاوةً على التبادل التجاريّ والبضائع التركيّة التي بدأت تتوفر لإسرائيل.
ومع وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة عام 2002، اتجهت تركيا إلى إعادة تعريف سياستها الخارجيّة لكنها لم تمسس العلاقات مع إسرائيل بأيّ أذى ولم تعكر صفو العلاقات الوطيدة بل استمرت بدرجةٍ من البراغماتيّة التي اعتاد عليها الشرق الأوسط في عهد رئيس النظام رجب أردوغان.
ورغم أنّ خطاب أردوغان كان يرتفع بعد كلّ حرب على غزة ليستثمر بها لصالح شعبيته خصوصاً في عام 2008 حين ساد الاعتقاد أنّ العلاقة ستوضع في مسارٍ مختلف، كما أن مشهد أردوغان في مؤتمر دافوس عام 2009 وهو يواجه شمعون بيريز بحدّةٍ ظنّ البعض أن ذلك سيكون بمثابة مؤشرٍ على دخول مرحلة من التوتر العلنيّ.
لكن لم يكن ذلك إلا أزمات سياسيّة لم تغيّر العلاقات، وإنّما مطبات في المسار ذاته حيث بقي خط التجارة بين تركيا وإسرائيل مفتوحاً بل على العكس ارتفع حجم التبادل التجاريّ خلال فترات التوتر السياسيّ، وهذا يبرز أن الاقتصاد كان صمام الأمان والحضن الدافئ في تاريخ العلاقة بين الطرفين. حيث تعتبر تركيا سوقاً مهمة للصناعات الإسرائيليّة، فيما تمثل إسرائيل شريكاً اقتصاديّاً في مجالات التكنولوجيا والزراعة والطاقة والسلاح إضافةً إلى ذلك، شهد قطاع السياحة استمرار الرحلات الجويّة وتبادل السياح رغم هذه العراقيل التي مرت بها العلاقة.
توتراتٌ متقطعة
رغم عديد التوترات التي مرت بها العلاقة بين الجانبين تركيا وإسرائيل إلا أنَّ النظام التركيّ يرى في إسرائيل شريكاً محتملاً في شرق أوسط مضطرب أما بالنسبة لإسرائيل كان الاعتراف التركيّ بمثابة “جائزة سياسيّة”، إذ منحها أول شرعيّة من دولة شرق أوسطيّة مسلمة وهو ما عزز موقعها في الساحة الدوليّة.
تصاعدت التوترات المتقطعة بين الجانبين لكن المصالح كانت تخمد نار أي توتر فبعد حرب 1967، ثم حرب 1973 ونتيجة الضغوط العربيّة، وارتفاع نبرة الشارع التركيّ المؤيد للقضية الفلسطينية، دفعت النظام التركيّ إلى تقليص مستوى التمثيل الدبلوماسي مع إسرائيل.
ورغم ذلك حافظ الجانبان على قنوات خلفية من الاتصالات خصوصاً في المجالات الأمنية لتتحول العلاقة في تلك الحقبة الى طور جديد اتسم بالبرود المعلن والتواصل السري، حيث حاولت تركيا الموازنة بين موقفها الشعبويّ وبين التزاماتها الأطلسية ولم تصل هذه العلاقة إلى حد القطيعة الكاملة.
عام 2010 هاجمت قوات إسرائيليّة قافلة مساعدات تركيّة متجهة إلى غزة ما عُرف حينها بحادثة “مافي مرمرة” ما أسفر عن مقتل عشرة نشطاء أتراك، وفجرت هذه الحادثة أزمة غير مسبوقة بين الجانبين واستدعت أنقرة سفيرها وخفّضت مستوى العلاقات الدبلوماسيّة بشكلٍ كبير.
لكن ورغم ذلك لم تغيّر هذه التوترات من مسار خط التجارة بين تركيا وإسرائيل والذي بقي ساري المفعول بل على العكس ارتفع حجم التبادل التجاريّ خلال فترات التوتر خصوصاً بعيد اكتشاف حقول الغاز في شرق المتوسط، برزت أهميّة التعاون التركيّ الإسرائيليّ في مجال الطاقة.
فتركيا التي تبحث عن تقليل اعتمادها على الغاز الروسيّ والإيرانيّ رأت في إسرائيل شريكاً محتملاً لنقل الغاز إلى أوروبا عبر أراضيها ولكن هذا التعاون اصطدم بعقبات جيوسياسيّة، أبرزها الخلافات التركيّة مع اليونان وقبرص ودعم إسرائيل لهما، بعد خلق اصطفافات إقليميّة جديدة جعلت إسرائيل أقرب إلى محور مصر –اليونان – قبرص.
ومع ذلك لم تتضرر العلاقة لأنّ أنقرة لا تزال تعوّل على خيار التعاون التركيّ الإسرائيليّ في الغاز خاصةً في ظل الحاجة الأوروبيّة لمصادر بديلة بعد الحرب الروسيّة ــ الأوكرانيّة وهو ما يفسر تدخل الاحتلال التركيّ في ليبيا وإبرام اتفاقيات غير مشروعة مع حكومة فائز السراج للترسيم البحريّ والذي أفشلته مصر.
مع توقيع “اتفاقيات أبراهام” عام 2020 بين إسرائيل وعدة دول عربيّة، وجدت تركيا نفسها أمام معادلةٍ جديدةٍ، فمن جهة تراجعت خصوصيّة دورها كوسيطٍ محتمل بين إسرائيل والدول العربيّة بعد أن لعب ترامب هذا الدور، ومن جهة أخرى سعت لانفتاحٍ كبيرٍ وعميق على تل أبيب لمنع عزلتها الإقليميّة.
فعلى مدار أكثر من سبعة عقود أثبتت العلاقات التركيّة الإسرائيليّة أنّها محكومة بعامل البراغماتية فالتعاون الأمنيّ والعسكريّ والاقتصاديّ ظل قائماً ودائماً حتى في أحلك لحظات التوتر السياسيّ مع اندلاع الحرب على غزة في تشرين الأول 2023، عادتِ التوتراتُ إلى المشهد ومع ذلك لم تصل الأمور إلى قطيعةٍ شاملة، إذ بقيت القنوات الدبلوماسيّة والأمنيّة والاقتصاديّة قائمة ما يعتبر حالة طبيعيّة بالنظر الى مسار العلاقة بين الجانبين التي لا زالت محافظة على التعاون الدائم وإن مرت بحالات من التوتر المؤقت.
تركيا وإسرائيل والكعكة السوريّة
منذ السنوات الأولى من عمر الأزمة السوريّة عام 2011 ظهر المشهد وكأنّ أنقرة وتل أبيب تقفان على طرفي نقيض، أردوغان كعادته يتحدث بحدةٍ عن فلسطين، ويهاجم إسرائيل في كلّ محفل دوليّ أما إسرائيل فتنظر بريبة إلى صعود حزب العدالة والتنمية وخطابه الإسلاميّ ومع ذلك ما كان يقال في العلن شيء، وما كان يُدار في الكواليس شيء آخر.
لكن ومع اشتداد الحرب نتيجة الأزمة السوريّة المعقّدة خرجت البلاد من قبضة السوريين وباتت مرتعاً للدول الإقليميّة والدوليّة لتنفيذ أجنداتها ومشاريعها، وأنقرة وتل أبيب ليستا ببعيدتين عن ذلك، حيث برز تقاطع مصالح غير متوقع بين دولتين كانتا تتنازعان الكلام في العلن، وتلتقيان في الصمتِ وهما تركيا وإسرائيل.
فكلا الطرفين، بطريقته، كان يرى في سوريا فرصةً لتمدد نفوذه بينما كان هناك عدوٌ مشترك يتنامى وتغلغل وهو إيران رغم ان تركيا كانت حليف لطهران في أستانة وتقاسمت معها مناطق النفوذ والسيطرة على الساحة السوريّة لكن إسرائيل كانت تراقب البراغماتيّة التركيّة بحذر وتضع تمدد الإيرانيين وحزب الله تحت المجهر فيما بدا وكأنه تطويق استراتيجيّ لها.
لم يكن صعباً على أيّ متابع أن يلحظَ أنَّ كلَّ ضربةٍ جوية إسرائيليّة استهدفت شحنة أسلحة إيرانية في دمشق أو حلب، كانت تخفف الضغط بطريقةٍ غير مباشرة عن المجموعات التي تدعمها تركيا في الشمال ولم يكن هناك إعلان عن تنسيق، لكن تقاطع الأهداف كان واضحاً.
فإسرائيل تريد إضعاف الحضور الإيرانيّ كي لا يتحول الجنوب السوريّ إلى جبهةٍ ثانية وتركيا تريد كبح نفوذ طهران التي مدت خيوطها في كلّ زاوية من سوريا من دمشق إلى دير الزور وهكذا بدا أنّ الطرفين يلتقيان في هدف واحد وهو إبقاء إيران تحت الضغط، ومنعها من تحويل سوريا إلى قاعدة متقدمة.
إلى جانب ذلك كانت سوريا رقعة لتنفيذ مشاريع اقتصاديّة تستوجب على كلا الطرفين تل أبيب وانقرة أن يهيمنا على القرار السياسيّ والسيادي فيها ففي العلن، لا يتحدث أحد عن الاقتصاد حين يتعلق الأمر بسوريا لكن خلف الكواليس، يحضر ملف الغاز في شرق المتوسط كعاملٍ خفي.
فإسرائيل تحتاجُ إلى منافذ لتصدير غازها وتركيا هي الطريق الأقصر والأرخص أما أنقرة فترى أنّ شراكةً مع تل أبيب تمنحها قوة في مواجهة تحالفات اليونان وقبرص ومصر ورغم أنَّ هذا الملف لا يرتبط مباشرة بسوريا، إلا أنّ استقرار خطوط المواصلات والحدود في الشمال والجنوب السوريين يظل جزءاً من المعادلة الكبرى لمستقبل الغاز والطاقة في المنطقة وهو ما يتنافس عليه كلا الطرفين كي لا يُخرج أحدهما الأخر من معادلة الربح رغم توافقهما الاستراتيجيّ.
ومنذ سقوط النظام في سوريا وجدت تركيا نفسها أمام فرصة استراتيجيّة لمدّ نفوذها جنوباً متكئة على علاقتها القوية مع الحكومة الانتقاليّة الحالية التي كانت بالأمس القريب تحت رعاية انقرة في إدلب والشمال السوريّ، غير أنّ إسرائيل، التي كانت تتابع بقلق ما يجري اعتبرت أي تمدد تركيّ واسع في الداخل السوريّ تهديداً لتوازنات إقليميّة تحاول حمايتها منذ سنوات.
سيما وأنّ تل أبيب لا تثقُ كثيراً بتلك المجموعات التي تدعمها أنقرة خصوصاً المتطرفة منها والتي وصلت الى سدةِ الحكم على أنقاضِ النظام السابق حيث تخشى تل أبيب أن تتحول الساحة السوريّة إلى مجالِ نفوذٍ تركيّ مفتوح يضعها أمام خصم إقليميّ جديد يشاركها الحدود غير المباشرة.
لذا اتجهت تل أبيب نحو تحجيم النفوذ التركيّ من خلال إعاقة المشاريع التركيّة في إعادة الإعمار والبنية التحتيّة عبر الضغط على المؤسسات الدوليّة وتعزيز إسرائيل لحضورها الأمنيّ والاستخباريّ في الجنوب السوريّ لمنع أيّ تمددٍ تركيّ باتجاه الجولان.
رغم النفوذ السياسيّ والحضور الأمنيّ القوي للنظام التركيّ في مفاصل الحكم الجديد في سوريا إضافة للوجود العسكريّ الاحتلاليّ التركيّ، إلا أنّ إسرائيل استطاعت ضرب عُمق المشروع التركيّ عبر أدوات غير مباشرة فكلما حاولت أنقرة تثبيت وجودها في مناطقَ جديدةٍ كانت تواجه عقبات دوليّة يدعمها النفوذُ الإسرائيليّ في مراكز القرار.
استطاعت إسرائيل إفشال الكثير من المخططات التركيّة في مرحلة ما بعد سقوط الأسد، لكنها في الوقت نفسه تحولت سوريا إلى ساحة مفتوحة بين مشاريع متنافسة تركيا التي تسعى لمدّ نفوذها العثمانيّ، وإسرائيل التي تعمل على حماية أمنها وتوازناتها. لذا؛ فإنّ هذا الصراع لن ينتهي قريباً بل سيبقى يتجدد مع كلّ تطور ميدانيّ أو سياسيّ، في انتظار تسوية سياسيّة وموقف سوريّ موحّد بين كلّ أطياف الشعب السوريّ يعيد للسوريين سيادتهم المسلوبة وحقهم في رسم معالم بلدهم بعد سقوط النظام.
No Result
View All Result