عبد العزيز قاسم
يا أحبَّة:
هذه اللّوحة الجديدة لصغيرتي جمانة؛ ثمرةُ جرعةٍ معنويّةٍ مضاعفةٍ منحها لها عمُّها الخلوق ريان بغدادي، بنصائحَ أبويّةٍ رقيقةٍ، وثناءٍ كالسِّراج في صدر فنانةٍ ناشئةٍ.
عادت ليلتها إلى مرسمها الصغير، والابتسامة تُزهر فيها، وبدأت ثلاث لوحاتٍ معًا… ونحن، والدتُها وأنا، نتفرّج بفرحٍ يلمع كالماء تحت ضوءٍ هادئٍ.
جمانة لم تكن ترسم، بل كانت تعيد ترتيب العالم داخلها بعد زلزالٍ لطيفٍ اسمُه الثناء.
دعونا من القلب لذلك النبيل، وقد تشرّبت روحُها جرعةً معنويّةً عاليةً منه، ونفحةَ إلهامٍ عميقة، سكبتها في وجدانها كلماتُ عمّها ريان. فقد كان ثناؤه العذب على فنّها بمثابة المطر الذي يوقظ في البذور رغبة الحياة؛ فما إن انتهت ليلتها تلك، حتّى وجدناها فراشةً تتنقّل بخفّةٍ وسعادةٍ غامرةٍ بين ثلاث لوحاتٍ دفعةً واحدة، نراقب ـ والدتُها وأنا ـ هذا الشغف المتّقد وهو يستثمر وقتها فيما هو باقٍ وأجمل: إنماءُ موهبتها.
عمُّها ريان لم يمنحها كلماتٍ، بل منحها إيمانًا بنفسها؛ وهو الشيء الوحيد الذي لا يمكن للفنّان أن يصنعه بنفسه.
هذه اللّوحة التي أمامكم، بسفينتها الشبحية التي تشقّ عباب بحرٍ أزرق ضبابيٍّ، وقاربِها الصغير الوحيد، قد اكتملت قبل أيّامٍ، وكنت حينها في سفرٍ إلى الطائف. ولمّا عدت، استقبلتني بها متباهيةً، شامخةً كشراع سفينتها تلك.
سألتُها بلهفة الأب الذي يودّ سبر أغوار ابنته: ماذا تقصدين يا جمانة؟ فأجابت بثقةٍ فنّانةٍ واعدة:
“عمّي ريان أخبرني أنّ المشاهد هو مَن يقرأ اللّوحة، ويستنتج ما توحي إليه بنفسه”.
تمتمت في سرّي ضاحكًا: سامحكَ الله أبا أحمد، لقد أغلقت أمامنا باب الأسئلة، وتركتنا حيارى أمام ما ينسجه خيالُها على القماش!
أكملت: تلك اللحظة التي ترفض فيها ابنتُكَ أن تفسّر لك أعماقَها هي اللحظة التي وُلِد فيها كائنًا مستقلًّا عنك.
والآن، أتمنّى أن تقرؤوها أنتم يا أحبّتي. الظاهرُ للعيان سفينةٌ في قلب البحر، وثمّة قاربٌ صغيرٌ يجدّف نحوها بهِمّة.
ولكن، ما الذي أرادت ابنتي أن تقوله لنا من خلال هذا المشهد الصامت البليغ؟ هل القارب الصغير هو الأمل الذي يشقّ طريقه نحو حُلمٍ كبير كالسفينة؟ أم هي الروح البشريّة في رحلتها الأبديّة نحو المجهول؟
يا سادة: المجهول يصير أليفًا حين نسمّيه أملًا، وكلّ حُلمٍ كبير بدأ بمجدافٍ واحدٍ.
ليتكم تساعدونني في هذه القراءة العميقة، وبعد ذلك سأصوّرها لكم وهي تشرح لنا ما استعصى علينا فهمُه، ولعلّ مثمّنًا لموهبتها يُسعدنا باقتنائها؛ لا لشيءٍ، إلا تثمينًا لموهبتها بالدرجة الأولى، وإشعارَها بأنّ ما ترسمه يلامس قلوب الآخرين، وتقديمَ دعمٍ معنويٍّ لا ينضب.
اقتناءُ عملٍ فنّيٍّ لموهبةٍ صغيرة، رسالته: “أنا أؤمن بالصوت غير المرئي الذي يسكنك”..
شكرًا لكم من القلب… شكرًا لكم جميعًا.
ستكبر جمانة أمام أعينكم، وتكبر موهبتُها معها؛ خطوةً خطوةً، ولوحةً لوحةً، حتّى تُبحر سفينتُها بعيدًا… من هذا الرّكن الدافئ إلى أفقٍ أوسع بإذن الله.
إنْ مخرت السفينة العُباب بشموخٍ وثقةٍ وابتعدت… فتذكّروا أنّ أوّل ريحٍ كانت كلمةَ تشجيعٍ.