No Result
View All Result
د. رفعت عامر (أكاديمي وباحث في الاقتصاد السياسي)
تعيش سوريا الآن أخطر مراحل وجودها كدولة منذ قرن تقريباً على تأسيسها، هذا التحدي ليس وليد الصدفة، بل نتيجة حتمية لتراكمات حدثت منذ استلام البعث للسلطة، وتدميره لمفهوم الوطن والوطنية، وحصر مفهومها بالولاء للسلطة والقائد المخلص، والمنقذ حامي الحمى، علاوةً على ذلك أجهض البعث جنين تشكل الدولة التي لاحت في الأفق بعد خروج المستعمر الفرنسي وحاربَ أي مشروع وطني محتمل. كان من نتائج ذلك ظهور حركة الإخوان المسلمين التي تتطور وتزدهر مع غياب مشاريع وطنية، وتتغذى على مظلومية الاستبداد السياسي، وهزائم العرب أمام الاحتلالات الأجنبية، مع استثنائها دوماً للاحتلال التركي واعتبار تدخّلها، واجباً من الأخ الأكبر في إدارة شؤون الأمة الإسلامية، التي تفرض وحدة العقيدة والمنهج حسب أيديولوجية حركة الإخوان المسلمين.
هذان الاستبدادان السياسي والديني معاً، أجهضا إمكانية تشكل وعياً وطنياً، ودمرا مفهوم الوطنية السورية ومقومات بناء الدولة. تتبنى السلطة الانتقالية في دمشق فعلياً أيديولوجيا الحركات الإسلامية الأكثر تطرفاً، فكر بن تيمية، الذي يعتبر مفهوم للدولة مساوي الخلافة أو الإمارة الشرعية، ويعتبر أن سيادة الأمة مرهونة بتطبيق الشريعة، لا بالقوانين الوضعية ولا بالدساتير. وأي تفسير خارج مفهومها يعد كفراً، وإن لم تعلن ذلك رسمياً.
بدأت الثورة السورية عام 2011 وبعد عام على انطلاقها استطاع الأسد تحويلها من ثورة إلى حرب أهلية بعد أن أوجدَ البديل الطبيعي لها في حركات الإسلام السياسي التي كانت من نتائج هذه الحرب، ولادة جبهة النصر عام 2013، والتي استطاعت التكيف مع التحولات السورية والإقليمية وغيرت من اسمها إلى جبهة تحرير الشام لكنها حافظت على مضمون عقيدتها التكفيرية، ومرجعيتها القائمة على فكر بن تيمية الذي يعتبر أن الجهاد ماضٍ إلى يوم القيامة، وبالتالي لا اعتبار لا للوطن ولا للدساتير، وما على الجماعة إلا حمل السيوف وفرض الشريعة بالقوة العارية في كل مكان في العالم.
يعتبر وصول هذه المجموعات الى حكم سوريا، التحدي الأخطر على مصير البلاد والإقليم. ولم يواجه السوريون في تاريخهم معضلة وجودية كهذه التي تهدد بفناء مكونات بشرية بكاملها لو أتيح لهم ذلك حسب عقيدة ابن تيمية، فقط على أساس الاختلاف في الدين أو الطائفة أو المذهب أو العرق. في سوريا اليوم يكفي أن تكون غير سنياً لتصبح متهم حتى تعلن الولاء أو دفع الجزية. كانت غزوة الساحل والسويداء وما ارتكب من فضائع في حق السكان المدنيين من أطفال ونساء وشيوخ دليلاً على فكر وممارسة هذه المجموعات المتطرفة التي استدعت كل الشعوب السوريّة بالبحث عن الخلاص الفردي، طلباً للحماية من هذا التهديد الوجودي.
في هذا السياق المضطرب وجودياً في سوريا، بعد أن أصبح النشاط الوحيد للسلطة هو السيطرة على الفضاء العام، وشن غزوات على الشعوب بمساندة قنوات إعلامية، وحملات تضليل إعلامي، وتفجر ثقافة شعبوية لم تصل إلى حالة المواطنة، ورد فعل للشعوب تسعى للحفاظ على الوجود والهوية، وأصبح المطلوب منها لكي تثبت وطنتيها، أن نقتل وهي صامتة على أن تستدعي قوى خارجية لحمايتها وفك الحصار الخانق عليها بالماء والغذاء والأدوية وكل المستلزمات الأساسية للحياة، وتدفعك لطلب الحماية والتدخل من الدولة الإسرائيلية، الوحيدة التي استجابت للطلب في حين إن الدول العربية لم تعترض على سلوك هذه السلطة، ولم تعترض أو تتخذ موقف إنساني يحمي أبناء السويداء. وبعد كل هذا يسألونك ويخونونك كون البعض من أبناء السويداء رفعوا العلم الإسرائيلي في مظاهرة حاشدة كانت صرخة من أبناء السويداء احتجاجاً على هذا القتل والتدمير الممنهج للسلطة.
هل رفع العلم الإسرائيلي يشير إلى خيانة الشعب أو هو تعبير وصرخة عن خيانة السلطة للشعب؟
الوطن هو الشعور بالأمان والانتماء، هو الحقوق والواجبات والقانون، هو المؤسسات والعدالة، ولو كان الوطن يبني ويحيى فقط بالعلم، لكان الأسد قد فاز بالسوريين وبالوطن. الوطن ليس إمارة وغنيمة وعقيدة ونهب وسبي وجواري وسوق نخاسة وعبيد وقهر وقتل وذل كما تراه هذه المجموعات المتطرفة التي غزت الساحل والسويداء. إن منع قتل طفل واحد هو أشرف وأنبل من كل شعارات أنظمة الاستبداد السياسية والدينية، فكيف بسلطة تقتل وتحصد الأرواح وتهاجم قطعانها كالجراد كل منتجات الحضارة الإنسانية وتقول “الله أكبر”، حتى تحولت هذه الكلمات إلى رعب وتهديد ليس للسوريين فقط وإنما للعالم المتمدن وللحضارة البشرية جمعاء.
تعمل الحكومة الانتقالية اليوم على تحريف وإعادة توجيه اعتراضات السوريين وتململهم من الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والأمنية إلى حقدٍ وتحريض على أبناء السويداء الذين رفع البعض منهم علم الدولة الإسرائيلية، وهي في الوقت نفسه تمارس التقية السياسية، تخون شعبها دفاعاً عن الوجود وتفاوض هي إسرائيل على استمرار بقائها. كما لو إن بقاء السلطة أهم من بقاء الشعب. هي تحارب السويداء بالدواء والماء والخبز، بعد أن قتلت منهم أكثر من 2000 شهيداً غالبيتهم من النساء والأطفال والشيوخ ودمرت البيوت وحرقت الممتلكات ولم تترك وسيلة من البشاعة عبر التاريخ لم تمارسها مع أبناء الجبل، ومع ذلك لا ترى عيباً في ذلك ولا ضراراً. بينما رفع العلم الإسرائيلي يصبح العيب الوحيد الذي ترتكبه السويداء. إن اعتبار العلم الإسرائيلي بمفهوم السلطة والمؤيدين حرام، وخيانة بينما العلم التركي والداعشي حلال هذا ما يطرح علينا التساؤلات التالية:
ـ هل رفع العلم الإسرائيلي في ساحة الكرامة في السويداء أههم من نقاش القتل والمجازر التي ترتكبها السلطة على مدار ثمانية أشهر؟ أليس الأجدى والأحق إدانتها أولاً وقول كلمة حق على إنها السبب والمسبب في ذلك؟
ـ أليس الأجدى خروج مظاهرات حاشدة في كل أنحاء سوريا تطالب السلطة بوقف القتل ورفع الحصار وإدانتها والدعوة لإسقاطها، أليست السلطة هي التي لم تترك مجالاً ولا طريقاً لأبناء السويداء، بالبحث عن منقذ بعد أن تخلى العرب والسوريون من الأكثرية الطائفية عنها؟
ـ لماذا يقبل هؤلاء السوريون بعلم تركيا الذي يرفرف في المناطق المحتلة بشمال سوريا على مدار ١٤ عام ولا يطالبون بإرجاع لواء الإسكندرون وباقي الأراضي التي احتلتها تركيا بعد 2011 والتي قدرتها بعض الجهات الدولية بـ 5000 كم مربع بينما الأراضي التي احتلتها إسرائيل تقدّر بـ 400 كم مربع، أليست هذه فصامية سلطة الأمر الواقع وجمهورها الغارق في التخلف الذي يعتبر احتلال تركيا حلال بينما احتلال إسرائيل حرام؟
ـ هل علم داعش الذي ظهر بوضوح على صدور عناصر وزارة الدفاع الذين قتلوا الأطفال والنساء والشيوخ ونهبوا ودمروا الممتلكات واغتصبوا النساء ونكلوا بالبشر والحجر ولم تسلم منهم حتى الحيوانات يساوي علم دولة إسرائيل التي كانت الدولة الوحيدة في هذا الفضاء العربي التي مدت يدها للمساعدة وساهمت في منع توسع الإبادة الجماعية بحق الدروز.
ـ في هذه المحنة والكارثة الإنسانية والوطنية التي تعيشها سوريا اليوم والتي تسببت بها سلطات الدواعش ودفعت بكل قوى الأرض للتدخّل، أليس الأجدى مسائلة هذه السلطات عن سبب جعل الدروز يرفعون علم إسرائيل بعد أن كانوا عبر تاريخ بوابة الوطنية السورية ومقبرة للغزاة؟
ـ أليست السويداء التي هبت عن بكرة أبيها إلى ساحة الكرامة لتقول لا لإعادة التطبيع مع نظام بشار الأسد، بعد أن توافقت الدول الإقليمية والدولية وبما فيهم تركيا التي طلبت مصالحته، لتقول لا للأسد ونعم للوطن.
ـ أليس الأجدى أن نسأل أبناء الوطن: هل هذه السلطة التي رسخت أفكار وشعارات تعود لتاريخ الانحطاط الإسلامي من غزو ونهب وسبي وترسيخ للعقيدة الجهادية تمثلكم؟ وإلى متى ستبقون صامتين عن أفعال هذه السلطة المدمرة للوطن؟ إلى متى ستبقون مهللين للاحتلال التركي الذي لا هم له غير مصالح الفئة الحاكمة التي تأخذنا بأوهام الخلافة العثمانية؟
وفي النهاية، علينا أن نقول للسلطة: توقفي عن القتل وتحريض طائفة السنة على قتل السوريين، وتوقفي عن حصار السويداء الذي لم يبقَ له مبرراً غير تنفيذ أجندات غير وطنية ودفع أبناء السويداء لرفع علم دولة إسرائيل للحماية من الفناء، بصرف النظر عن مصالح الدول العليا.
وأخيراً: تذكروا يا أبناء بلدي، إن السفن التي أنقذت أرواح اللاجئين السوريين من الموت غرقاً في البحار، كانت لدول “كافرة” كما تصفونها، وحينها لم تسألوا عن مالكي هذه السفن، وما هو العلم الذي يرفرف على بوارجها، ولم تقولوا لها لا نريد.
No Result
View All Result