الطبقة/ عبد المجيد بدر ـ في الزاوية الغربية من “مول الطبقة التجاري”، بعيدًا عن صخب المتسوقين، ينبض ركن صغير بحياة مختلفة، هو ورشة “تذكار ستوري” التي أسسها رستم يوسف.
ورشة “تذكار ستوري” تحوّل الحجارة الصماء إلى ذكريات نابضة، ففي الطبقة افتتح رستم يوسف منذ قرابة شهر ونصف، هذا الركن الصغير، والذي يُعتبر الأول من نوعه على مستوى إقليم شمال وشرق سوريا. ففيه تتحول الحجارة الصماء إلى لوحات تنبض بالذكريات والقصص، محفورة بدقة على أيدي فنان يرى في كل حجر صفحة من تاريخ الفرات وأحلام أهلها.
وسط صوت آلة الليزر التي لا تتوقف، يصنع يوسف جسراً فنيًا بين الحاضر والماضي، موثقًا لحظات الفقد، الانتماء، والأمل عبر نقوش خالدة. وداخل هذه الورشة الصغيرة، يتردد طنين آلة الليزر بشكل خافت لكنه مستمر، كأنه نبض ينبض بالحياة وسط صخب السوق. يجلس رستم يوسف، في منتصف الأربعينات، يرتدي قميصًا بسيطًا، ووجهه يعكس هدوءً تأمليًا كمن يستمع إلى حكايات الحجر التي لا تُقال.
يميل رستم يوسف برفق نحو الطاولة، يهمس للحجر بما يريد أن يخلده، وتحرك يداه الرشيقتان تتبعان أثر الضوء بدقة، وسط الأدوات والأحجار المصفوفة بعناية، ينسج حوارًا صامتًا بين الماضي والحاضر، وكأن كل نقش هو رسالة حب من زمن بعيد.
يوسف ابن مدينة عفرين المحتلة والمقيم حالياً في مدينة الطبقة، حوّل هذا الركن إلى مساحة فنية تنبض بالتاريخ والحنين. لم يعد اسمه مقترنًا بـ “النقش على الحجر” كحرفة فقط، بل كفن يوثق اللحظات والانتماءات.
رسائل محفورة بالحنين
يوسف لا يكتفي برسم الأشكال، بل يحمّل نقوشه رموزًا غنية بالمعاني: غصن الزيتون رمز السلام، الحمامة رمز الحرية، والنسر رمز القوة. أحيانًا يضيف رسومات شخصية حسب طلب الزبائن لتوثيق ذكرياتهم وحكاياتهم.
روى أنه ذات يوم دخلت امرأة تحمل صورة ابنها الشهيد، وطلبت نقش اسمه بجانب غصن زيتون. “كانت تبكي بصمت، وقالت لي: هذه الهدية ليست فقط لتخليد ذكرى ابني، بل لتمثيل السلام الذي حلم به وهو حي”.
الفرات… نهر الذكريات المتجددة
يمتد نهر الفرات كشاهد على آلاف السنين من الحضارات المتعاقبة. وعلى ضفافه، تحكي الصخور قصص شعوب صمدت وتركت أثرًا لا يُمحى. يرى يوسف في حجارة الفرات امتدادًا حيًا لهذه الذاكرة: “كل حجر أحمله هو صفحة من كتاب الزمن، أنحت فيه قصة تحكي صمود وترابط شعب مع أرضه عبر العصور”.
حلم محفور وأمل متجدد
رغم أن تكلفة استيراد آلة الليزر وتأسيس ورشة “تذكار ستوري” تجاوزت 15 ألف دولار، إلا أن رستم يوسف يعتمد على هذه التقنية الحديثة التي تحولت في يده إلى وسيلة فنية توثق الذكريات وتخلد الحكايات. بيديه صمم طاولة النقش، وحوّل الحجارة العادية إلى لوحات تنبض بحكايات الناس وأحلامهم.
جسر إنساني بين القلب والذاكرة
منذ افتتاح الورشة قبل قرابة شهر ونصف، نقش يوسف أكثر من 200 قطعة، تتنوع بين نقوش لشخصيات كرتونية للأطفال إلى تخليد ذكريات الفقد والحب. بأسعار تبدأ من دولار واحد وحتى خمسِة دولارات، أصبحت ورشة “تذكار ستوري” جسرًا إنسانيًا ميسورًا بين الذاكرة والقلب، تستقطب زبائن من مختلف الأعمار والطبقات.
تحديات الترويج وطموحات التوسع
وباعتبار مشروع “تذكار ستوري” نوعيًا ولأول مرة في المنطقة، تواجه إدارة الورشة تحديات في الترويج له، خاصة مع قصر فترة التشغيل التي لم تتجاوز شهرًا ونصف. أكد رستم أن “الترويج للمشروع هو إحدى الصعوبات التي نواجهها الآن، ونعمل جاهدين على تخطيها لتقريب المشروع من الناس، وشرح فكرته وكيف يمكن للجميع الاستفادة منه”.
وأضاف: “نسعى لأن يكون المشروع قريبًا من مختلف الأذواق والاهتمامات ومتنوعًا في استهداف مختلف الأعمار، سواء الأطفال الذين قد يرغبون في قطع تنقل لهم المتعة والقيمة، أو الشباب والبالغين المهتمين بالرياضة أو السيارات أو الفن والجمال، نحن قادرون على تحويل أي اهتمام إلى نقش على الحجر يحمل رسالة واضحة ومميزة”.
وأشار رستم يوسف إلى أن المشروع بدأ بأدنى الإمكانيات، ويأمل أن يحقق نجاحًا يقربه أكثر من الناس ويفتح آفاقًا لتوسيع نشاطه، مع وجود أفكار وخطط مستقبلية لإضافة أقسام جديدة وتطوير المشروع.
ذاكرة لا تخبو
وأنت تبتعد عن الزاوية الغربية في مول الطبقة، يتلاشى صخب السوق من خلفك، لكن صوت الليزر يظل يرن في أذنك كنبض للحياة. في ركنه الهادئ، يواصل رستم يوسف “شاهد الزمان” وصانع الذكريات في ورشة “تذكار ستوري”، لتبقى شاهدة على أمل لا يُمحى، وجذور لا تنقطع، وتاريخ يتجدد كل يوم.