No Result
View All Result
“إنهاك اقتصادي وفلتان أمني”
نيرودا كرد
في شوارع دمشق القديمة والحديثة على السواء، تختلط رائحة الخبز اليابس مع غبار طوابير المواصلات، وتظهر الأزمات الاقتصادية والأمنية كظلٍّ ثقيل يخنق أنفاس سكان العاصمة.
أرقام الفقر والتضخم لم تعد مجرّد بيانات على الورق، بل صارت واقعًا يوميًا يعيشه ملايين الناس.
انهيار الليرة وتآكل القدرة الشرائية
منذ عام 2011 وحتى اليوم، فقدت الليرة السورية أكثر من 99% من قيمتها؛ فبعد أن كان الدولار الواحد يعادل 50 ليرة سورية، أصبح اليوم يتخطى حاجز العشرة آلاف ليرة، هذا الانهيار جعل راتب الموظف الحكومي، الذي لا يتجاوز 750 ألف ليرة شهريًا، لا يساوي أكثر من 75 دولارًا فقط، وهو مبلغ لا يكفي لأيام معدودة من الشهر لعائلة مكونة من خمسة أفراد على الأقل.
فقر شامل ولقمة عيش مُكلفة
تشير تقديرات منظمات محلية ودولية إلى ن ما يزيد عن 90% من سكان دمشق يعيشون تحت خط الفقر، بينما يعتمد أكثر من نصف السكان على المساعدات المباشرة من الدولة أو المنظمات الإنسانية. حتى الخبز، رمز البقاء اليومي، لم يعد متاحًا بسهولة؛ إذ يضطر المواطن أن يقف بالساعات على طوابير الأفران، فضلاً عن ازدياد سعره بنسبة 400% ما يدفع الكثير من العائلات إلى شراء الخبز من السوق السوداء بأضعاف سعره الرسمي.
تضخم جامح وأسعار خارج السيطرة
التضخم يلتهم كل شيء. أسعار المواد الأساسية ارتفعت خلال ثمانية أشهر بنسبة تتراوح بين 150 و200%. كيلو السكر تجاوز 20 ألف ليرة، بينما ليتر الزيت النباتي لامس 60 ألف ليرة، أسطوانة الغاز المنزلي وصلت إلى ما يقارب 400 ألف ليرة في السوق السوداء. هذه الأرقام تعني أن سلة غذائية بسيطة لعائلة دمشقية باتت تكلف ما يعادل 10 أضعاف متوسط الراتب الشهري.
بطالة وجيل ضائع
البطالة الرسمية في دمشق تتجاوز 30%، لكن الأرقام الفعلية أعلى بكثير إذا ما احتُسبت العمالة الناقصة والهجرة الاضطرارية إلى المهن الهامشية. شباب الجامعات، الذين كان يُعوَّل عليهم في بناء المستقبل، يعمل كثير منهم في نقل البضائع أو قيادة الدراجات النارية عبر تطبيقات توصيل، بأجر يومي لا يزيد على 20 ألف ليرة.
كهرباء غائبة ومدينة مظلمة
أزمة الكهرباء صارت جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية. في أحياء دمشق، تنقطع الكهرباء لمدة تصل إلى 20 ساعة يوميًا، لتبقى الشوارع غارقة في الظلام والمحال التجارية معطّلة، وذلك على الرغم من فقاعات الوعود التي يُطلقها مسؤولي الحكومة الانتقالية من حين إلى آخر، كوعود استجرار الغاز الأذربيجاني الذي لم يرَ منه المواطن سوى الكلام المعسول. هذا العجز في الطاقة دفع الكثير من الورش الصغيرة والمحال إلى إغلاق أبوابها، ما عمّق الركود التجاري وزاد من نسب البطالة.
واقع أمني أشد بأساً
لم تكن شوارع دمشق في تاريخها الحديث بهذا القدر من الترقب والخوف كما هي عليه اليوم، فبعد سقوط سلطة بشار الأسد، دخلت العاصمة في مرحلة انتقالية معقّدة، تتداخل فيها مشاهد الفرح بزوال الحكم القديم مع قلقٍ عميق من غياب سلطة بديلة قادرة على فرض النظام.
مع انهيار الأجهزة الأمنية السابقة وتفكك الجيش النظامي، برزت على السطح مجموعات محلية مسلحة، بعضها نشأ من شبكات الدفاع الذاتي في الأحياء، وبعضها الآخر من مجموعات مسلّحة كانت تعمل في مناطق ريف دمشق. هذا الواقع خلق فراغًا أمنيًا كبيرًا، تُرجم إلى انتشار واسع لحواجز غير رسمية، وظهور عصابات مسلحة استغلت انهيار السلطة لفرض الإتاوات والسطو على الممتلكات.
رغم سقوط الأسد، يخشى الكثير من الدمشقيين أن تتحول الفوضى الأمنية إلى فرصة لبروز سلطات محلية استبدادية جديدة، أو لهيمنة قوى خارجية تبحث عن موطئ قدم في العاصمة.
هذا القلق دفع شخصيات مدنية ودينية وثقافية إلى الدعوة لتشكيل مجلس أمني مدني يشرف على إدارة الشرطة المحلية، ريثما تتضح معالم المرحلة الانتقالية سياسيًا.
ورغم المشهد القاتم، تبقى في دمشق إشارات على إصرار الناس على الحياة. المقاهي القديمة في باب توما أعادت فتح أبوابها، والبسطات الشعبية عادت تنتشر في سوق الحميدية، لكن عودة الأمن الكامل ما زالت حلماً مؤجلاً، رهنًا بقدرة السوريين على تجاوز مرحلة الفوضى، وبناء أجهزة أمنية جديدة تقوم على القانون لا على الخوف.
مشهد مأساوي بلا أفق
دمشق اليوم تعيش بين زمنين: زمنٍ طوى صفحة حكم الأسد بكل ثقله الأمني، وزمنٍ لم يولد بعد، يبحث فيه السوريون عن أمن حقيقي يضمن الحرية والكرامة، وحتى ذلك الحين، ستبقى العاصمة مسرحًا لصراع يومي بين الفوضى والأمل. دمشق اليوم ليست العاصمة التي عرفها أبناؤها يومًا. إنها مدينة محاصرة بالفقر، منهكة بالغلاء، متعبة بانقطاع الكهرباء. أرقام التضخم والبطالة والفقر تحولت إلى معاناة ملموسة في وجوه الناس: وجوه أنهكها الانتظار في الطوابير، والبحث عن حبة دواء، ورغيف خبز، ولتر مازوت.
ومع غياب رؤية اقتصادية واضحة وضبط أمني يحمي الأهالي، يبدو أن الأزمات في دمشق مرشحة لمزيد من التفاقم، وأن العائلات السوريّة ستبقى معلّقة بين شبح الجوع والفوضى الأمنية وأمل بعيد في الخروج من هذه الدوامة المأساوية.
No Result
View All Result