No Result
View All Result
حمزة حرب
سقط النظام السوريّ السابق الذي جثم على صدور السوريين لعقودٍ، حرمهم أدنى مقومات الحرية والعدالة والكرامة، والتي لطالما نشدوها وسعوا إليها، ويفترض أنّ تكون أولى أولويات السوريين توحيد الجهودِ وحشد الإمكانات لبناء سوريا الحرية والعدالة، ولكنّ المفارقة أنّ الحكومة السورية الانتقالية تعيد مفردات النظام، وتمارس سياسة إقصائيّة، تزيد الشرخ بين السوريين وتعرقل فرص الحلّ السياسيّ الشامل، وإن كان سقوط النظام قد كسر عزلة سوريا، فمن المهم ألا يتحول الانفتاح إلى بوابة للتدخل الخارجيّ في الشأن السوريّ.
لكن اللافت أنّ من اعتلى سدة الحكم في البلاد في المرحلة الانتقاليّة يرفض أيّ نموذج بديل عن السلطة المركزيّة، التي كانت سبب الأزمة التي مرت بها البلاد، وهذا ما يثير شكوكاً لدى قطاعات من السوريّين حول حقيقة الدور الذي تلعبه الحكومة الانتقاليّة، التي كانت بالأمس القريب معارضة لنظام الحكم السلطويّ والمركزيّ والإقصائيّ، واليوم تستخدم الأدوات نفسها، وتلجأ للممارسات نفسها التي كان يقوم بها النظام السابق بالأمس القريب من إقصاءٍ وتهميشٍ وإنكار وجوديّ.
الإدارة الذاتيّة أساس الاستقرار
في بلد أنهكته الحروب والولاءات الخارجيّة، والتجاذبات السياسيّة، برز في شمال وشرق سوريا نموذجُ إدارة وحوكمة مختلفٌ يتمثلُ بـ”الإدارة الذاتيّة الديمقراطيّة”، والتي أثبت في وقت قصير نسبياً أنّها يمكن أن تكون بديلاً واقعيّاً ومُمكناً عن الأنظمة السلطويّة، أو المشاريع الطائفيّة، بل ومحطَّ أمل لمستقبل أفضل لسوريا.
فبعد انهيار مؤسسات الدولة المركزيّة القمعيّة والسلطويّة في أغلب المناطق السوريّة، لم يكن أمام الشعب سوى خيارين الفوضى، أو الارتهان لقوى الأمر الواقع من تنظيماتٍ معظمها عابر للحدود، لكن في شمال وشرق سوريا، كان الأمر مختلفاً فاتخذ خياراً ثالثاً متمثلا بتكاتف شعوبها من كرد وعرب وسريان، وغيرهم من الشعوب المتعايشة تاريخيّاً في المنطقة، وذلك لبناء مؤسسات جديدة من القاعدة إلى القمة، تُدار بإرادة المجتمعات المتعايشة، وتمنح الجميع، دون استثناء، فرصة المشاركة في القرار.
أدركت شعوب المنطقة إبان دحرها مرتزقة داعش الإرهابيّ، وتوسع المناطق التي باتت تحت جناحيها، أنّه لا بد من إدارتها وتنظيم الحياة فيها، لذا تضافرتِ الجهود لبناء نظام سياسيّ بديل يحقق تطلعات الشعوب التي عانت ما عانته من ظلم وبطش النظام السابق، شريطة أن يؤمن الهيكل الجديد بالشراكة، والعدالة، وكرامة الإنسان، وهنا ولدت فرصة الإدارة الذاتيّة، وولد معها التحدي الأكبر أيضاً.
ففي مناطق سيطرة النظام السابق أو من أسموا أنفسهم بالمعارضة، ارتبطت السلطة بالقوة والمال والولاء، أما في الإدارة الذاتيّة، فالمصطلح المتداول هو “إدارة” المجتمع بكلّ قدراته البشريّة والماديّة، وهذا ينفتح على معانٍ جديدة: المشاركة، والخدمة، والتمثيل، لذلك، شهدت المناطق التي احتلتها تركيا، كعفرين، وسري كانيه، وكري سبي، نزيفاً مستمراً في القيم والحقوق، ما يعيد إلى الأذهان قيمة ما كان موجوداً.
فدولة الاحتلال التركي، التي راهنت بشكلٍ كبير على مرتزقتها، لأن يكونوا أداتها لتحقيق أطماعها التوسعيّة بات رهانها خاسراً، أمام إرادة صلبة لشعوب المنطقة، التي خلقت تجربة ديمقراطيّة. لذا؛ رأت في الديمقراطيّة تهديداً يمكن أن يهزّ أركان نظامها السلطويّ، ويفتح الباب أمام مطالب العيش بديمقراطيّة داخل تركيا، وهو ما لا يريده نظام أردوغان وحزبه الحاكم.
لذا؛ فلم يكن غريباً أن يُحارب هذا النموذج من دولة الاحتلال التركي، التي تخشى من عدوى الديمقراطيّة، النظام الذي لا يحتمل أيّ صيغة خارج المركز، ويرى فيها تهديداً لمستقبله وبقائه، لكن بعد سقوطه باتت الحكومة الانتقاليّة، تمارس الأدوات ذاتها التي مارسها النظام السابق، من تشهيرٍ وهجوم عليها، لكن كل ذلك لم يزدِ الإدارة الذاتيّة إلا تماسكاً وتطوراً.
الاحتلال التركيّ والعداء المطلق
منذ تأسيس الإدارة الذاتيّة لشمال وشرق سوريا، اختارت دولة الاحتلال التركيّ العداء المطلق لهذا المشروع، وبكل الوسائل والسبل المتاحة عسكريّاً، أمنيّاً، وإعلاميّاً، وسياسيّاً، وذلك مرده لسبب رئيسيّ بحسب خبراء في السياسة التركيّة، وهو أنّ هذا النموذج الديمقراطيّ التعدديّ القائم على المساواة بين الشعوب، يُشكّل نقيضاً كاملاً لما تسعى إليه أنقرة من هيمنة إقليميّة، وإعادة إنتاج نفوذ عثمانيّ جديد على حسابِ شعوب المنطقة.
زعمت دولة الاحتلال التركيّ مراراً وتكراراً محاربة “الإرهاب”، وهي تقصف المناطق الآمنة في مدن قامشلو، وكوباني، وتل تمر، والدرباسية، وغيرها، وتستهدف الأسماء البارزة في الإدارة الذاتيّة، بطائرات مسيّرة، وهذه الهجمات لم تستهدف يوماً “إرهابيّين”، بل استهدفت بنية مشروع يحاول بناء سوريا جديدة، سوريا بدون استبداد، لا طائفية ولا تبعية لأحد.
فالعداء التركيّ للإدارة الذاتيّة، لا ينبع من خلافات سياسيّة أو حدوديّة، بل من خوف فكريّ، فالمشروع الديمقراطيّ القائم على فكر الأمة الديمقراطيّة، والعدالة الاجتماعيّة، يتعارض مع المشروع التركيّ القائم على القوميّة، والإقصاء، والمركزيّة، والأخطر لدولة الاحتلال، أنّ هذا النموذج بدأ يتردد صداه داخل تركيا، بين الكرد والعلويين، ممن يحلمون بمستقبل يشبه هذا النموذج، أكثر مما يشبه دولة القمع التي يعيشونها في الداخل التركيّ.
وهذا ما يفسر سعي النظام التركيّ، الحثيث على تفضيل وجود مرتزقة “داعش”، والمجموعات المرتزقة على حدوده يدعمها ويدربها بهدف محاربة الإدارة الذاتيّة، ومشروعها الديمقراطيّ، وهو ما وثقه العالم أجمع حين شنّ الاحتلال هجماتها على مناطق مثل عفرين، وكري سبي، حيث تم تهجير مئات الآلاف من السكان الأصليين، ونفذ تغيير ديمغرافيّ منظم، وفرض اللغة والعملة التركيّة، وكأنّ تركيا لم تعد تكتفي بالتدخل، بل تسعى لضم تلك المناطق بصمت.
دولة الاحتلال، ضخّت أموالاً طائلة لتمويل الأبواق الإعلامية المأجورة، مهمتها التشهير وتسويق صورة مشوّهة للإدارة الذاتيّة، و”قسد”، وكأنّها تضم أفراداً من خارج سوريا، وهي تضم أبناء وبنات شعوب المنطقة، من كرد، وعرب، وسريان، وآشوريين.
يُروّج هذا الاعلام، أن الإدارة الذاتيّة تُقصي العرب، بينما الواقع يقول إن المئات من القيادات في المجالس المدنية، والهيئات التنفيذية، هم من العرب، وتجربة دير الزور، والرقة، والطبقة، خير مثال على التشاركيّة في الإدارة، والسياسة، والمجال العسكري.
ورغم هذا العداء التركيّ السافر، تواصل الإدارة الذاتيّة أداءها، وتستمر في تقديم نموذج مختلف في ظل فوضى تبعات الحرب، وما يثير الدهشة هو الصمت الدولي، وغضّ الطرف الأمريكيّ والأوروبيّ، عن الجرائم التي ارتكبتها أنقرة بحق مناطق شمال وشرق سوريا المستقرة.
فالإدارة الذاتيّة، بنيت على فكرة أن الديمقراطيّة ممكنة في الشرق الأوسط، وأن المرأة يمكن أن تقود، وأن التعايش بين الكرد والعرب والسريان والأرمن، ليس وهماً، بل أصبح واقعاً، وإن العيش المشترك سيولد الدفاع المشترك، والحماية المشتركة، والأمن المشترك، وهو أقوى وأكثر كفاءة من الإقصاء والتهميش المعاش في تركيا ودول المنطقة.
داعش أداة تركيّة
اختارت مرتزقة “داعش”، شمال وشرق سوريا، أن يكون ساحة لصراعاتها المركزيّة في مشروعها المتطرف، لا لشيء إلا لأنّ هذه الرقعة الجغرافيّة هي حلقة ربطٍ حيوية بين سوريا والعراق، إلى جانب أنّها تزخر بالتعدديّة القومية والدينية، وهذا ما لا تؤمن به مرتزقة داعش، التي ترى في هذه القيم خطراً وجودياً على أيديولوجيا التكفير لديها.
فخلال سنوات الحرب كانت الإدارة الذاتيّة، وقوات سوريا الديمقراطيّة، رأس الحربة في هزيمة داعش، ليس فقط عسكريّاً، بل وفكريّاً ومجتمعيّاً، من معركة كوباني الأسطوريّة إلى تحرير الرقة، التي اتخذتها مرتزقة داعش عاصمةً مزعومة، مروراً بدير الزور وصولاً إلى الباغوز، خاضت “قسد”، حروباً شرسة ضد داعش، وقدّمت آلاف الشهداء، من أجل تخليص العالم من خطرها.

وعلى الرغم من الهزيمة الجغرافية لداعش، في 2019، لم يختفِ داعش، بل غيّر من تكتيكاته، ليتحول إلى خلايا نائمة تشنّ هجمات مباغتة ضد مقرات عسكريّة، ومجالس مدنيّة، وشخصيات، مرتبطة بالإدارة الذاتيّة، وقوات سوريا الديمقراطيّة، في محاولة لخلق الفوضى، وترويع المجتمعات المستقرة، وإعادة إحياء أجواء الرعب.
الهجمات التي يشنها داعش تتزامن دوماً مع ظروف سياسيّة ضاغطة على الإدارة الذاتيّة، خصوصاً تلك الصادرة عن دولة الاحتلال التركيّ، الذي كان ولا يزال داعماً قوياً لداعش وسط غموض في الموقف الدوليّ، تجاه مستقبل المنطقة، ومصير داعش، وهذا مؤشر على تقاطع مصالح بين أطراف ترى في مشروع الإدارة الذاتيّة، تهديداً لمصالحها التوسعيّة أو السلطويّة.
ورغم أن القاصي والداني يعلم يقيناً، أنّ المجموعات المتطرفة، بدأت تتنفس الصعداء بعد سقوط النظام، حيث باتت تصول وتجول على امتداد الجغرافية السوريّة، فازدادت هجماتها في كل مكان من سوريا، مستغلة الأوضاع الغير مستقرة في سوريا، في ظل تخبط الحكومة الانتقالية، بحماية السوريين، وهي ساهمت بشكل كبير في مجازر الساحل والسويداء، على اعتبار أن من واجبها الحماية وليس المشاركة في جرائم القتل والترويع.
تناغم لضرب المشروع الديمقراطي
رغم أن الإدارة الذاتيّة انتهجت خطاً ثالثاً، إبان حكم نظام بشار الأسد، فلم تصطف إلى جانبه، ولا إلى جانب من أسموا أنفسهم حينها بالمعارضة، واليوم باتوا سلطة في دمشق، بل بقيت الإدارة الذاتيّة، تؤكد على أن الثورة هي ثورة فكريّة، وأنّ البدائل يجب أن تكون بالآليات والأدوات، لا بالأشخاص والأسماء، وعلى هذا الأساس سارت طيلة السنوات المنصرمة بخطى ثابتة.
لكن وبعد السقوط المدوي لنظام البعث السابق، واعتلاء هيئة تحرير الشام للسلطة، واجهت الإدارة الذاتيّة الذهنية ذاتها، التي يفترض أنّها سقطت بسقوط النظام السابق، لكن هذا ما لم يحصل، إذ وجدت نفسها أمام تحديات أخرى، زادت من مسؤولياتها، في كل المجالات.
فالحرب التي تشنها الحكومة الانتقاليّة اليوم، على الإدارة الذاتيّة، ليست فقط سياسيّة، بل إعلاميّة، واقتصاديّة، وأمنية، ففي المناطق التي تخضع لسيطرة المجموعات المرتبطة بها، يُحرّض ضد الإدارة، ويوجه لها سيل من الاتهامات جزافاً، بينما على أرض الواقع، تحظى هذه الإدارة باعتراف مجتمعيّ واسع، وتقدم نموذجاً متقدماً في تمكين المرأة، وحماية الشعوب، وبناء مؤسسات مدنية ديمقراطيّة، تدعو الى وحدة سوريا وتماسكها.
كما أنّ الإدارة الذاتيّة، وقوات سوريا الديمقراطيّة، وبعد أن حطما أحلام مرتزقة داعش، في إقامة دولته المزعومة، وجدت الإدارة نفسها أمام حكومة انتقاليّة، تريد أيضاً كسر إرادة المشروع الديمقراطيّ، والبناء على سلطة مركزيّة، بلون وطابع واحد، كما الحال لدى النظام السابق، والاحتلال التركيّ يواصل السعي بكل ما لديه من قوة إلى إفشال هذا المشروع ووأده، لكن الإدارة متماسكة في وجه كلّ هذه العواصف، التي تحيط بها وتحاول ضرب مشروعها الديمقراطيّ.
ومن هنا فإن ما تحتاجه سوريا اليوم، بحسب مراقبين، هو بناء الثقة والاعتراف بالتعدديّة السياسيّة والإداريّة، وفتح أبواب الحوار الوطنيّ، بين جميع الأطراف، التي لم تتلطخ أيديها بدماء السوريّين، لأن الحلول لا يتم فرضها من المركز، بل تُبنى من القواعد الشعبيّة كما أثبتت تجربة الإدارة الذاتيّة، التي سعت لتكون نواة حل شاملٍ، وطوق نجاةٍ لسوريا، يحقق تطلعات السوريّين في إطارٍ وطنيّ جامع.
No Result
View All Result