زاوية تحت السطر ـ هيفيدار خالد
دخلت المنطقة مرحلة جديدة، وفق المخطط الذي رسمته القوى المهيمنة على العالم والمتمثلة بالولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل وحلفائهما، وتشير جميع المؤشرات على الأرض إلى أن المنطقة مقبلة على خرائط جديدة تُرسَم بالدم والنار والتجويع مجددًا، مع إعادة ترسيم الخطوط والحدود بما يتوافق مع مصالح تلك القوى وأهوائها، وارتكاب حروب الإبادة الجماعية بحق الشعوب المظلومة.
لقد تمخضت الحرب العالمية الأولى عن اتفاقية سرية مشؤومة عُرفت باتفاقية سايكس – بيكو، والتي هدفت إلى هندسة خرائط الشرق الأوسط، وقد نتج عنها دول مركزية تم تجميعها من عدة شعوب وقوميات وأعراق وأثنيات، كما حصل في سوريا ولبنان وعدة دول عربية أخرى، حيث صُهرت جميع الشعوب والأعراق والقوميات والأديان في دول مركزية على مدى قرن من الزمن. واليوم، وبعد مرور مئة عام، وجد الغرب أن هذه الدول باتت تعاني من صراعات متعددة: صراع الهويات والأديان والحضارات. ومن ثمّ، فإن الوصول إلى سلام في الشرق الأوسط أصبح صعبًا من وجهة نظرهم إلا من خلال إعادة صياغة وهندسة هذه الخرائط.
ويؤكد معظم المتابعين والمراقبين للشأنين الإقليمي والعالمي أن الحل الوحيد لإنقاذ شعوب المنطقة يكمن في التحول من الدول المركزية إلى دول اتحادية فدرالية على غرار النموذج القائم حاليًا في كلٍّ من العراق والإمارات. وبطبيعة الحال، هناك دول ترى في مخطط إعادة رسم خرائط المنطقة أمرًا إيجابيًا، مثل إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية. كما تحاول بعض الدول العربية وتركيا إقناع الولايات المتحدة بعدم المضي في مشروع الفدرالية. لكن؛ كثيرًا من الدول العربية لا تزال تؤمن بالدولة المركزية، وتسعى إلى الإبقاء على النظام المركزي في لبنان وسوريا وعدة دول أخرى في المنطقة، في حين أن البنية الثقافية والمجتمعية لهذه الدول تعيش حالة من التفكك التام وانهيار الهويات. ففي سوريا – ولأول مرة – نشهد تحلّل الهوية السورية، ولم يعد هناك شعور جامع بـ “أنا سوري”؛ بل تفككت الهوية إلى انتماءات فرعية: “أنا درزي، أنا علوي، أنا كردي، أنا مسيحي، أنا سني…”؛ الأمر الذي يعكس انهيار الهوية الوطنية وتفكك الدولة المركزية، والانتقال إلى مرحلة الدولة اللامركزية الفيدرالية.
إن نموذج الدولة المركزية في سوريا أصبح يؤرق جميع أطياف الشعب السوري، والأمثلة على ذلك كثيرة، فسوريا اليوم تعيش أزمة حقيقية، شأنها شأن الكثير من دول المنطقة. وحتى إعادة صياغة جميع التوازنات الهشة في المنطقة، ستواجه الدول تحديات كبيرة. لذلك؛ يتوجب على السوريين الوقوف صفًا واحدًا في مواجهة التهديدات التي تفرزها صراعات القوى المهيمنة على العالم.
فالحكومة الحالية في دمشق، منذ أن فرضت نفسها على سوريا، لم تجلب للشعب السوري سوى الحروب والأزمات. والرئيس السوري الحالي مستعد للتضحية بكل شيء في سبيل البقاء في الحكم، لا من أجل إدارة البلاد. ولا توجد أي إجراءات ضرورية أو عاجلة من قبل الحكومة يمكن أن تبعث على التفاؤل في الوقت الراهن. والجميع يدرك أن استقرار سوريا ليس أولوية سوريّة فحسب، بل أولوية لجميع القوى المتحكمة بالملف السوري، التي تسعى بدورها إلى الحفاظ على مصالحها في المنطقة.