رغم وجود العديد من المراكز المختصة بتعليم وبيع الآلات الموسيقية في مدينة السليمانية اليوم، إلا أن أقدمها وأكثرها استمرارية كمركز لحماية الثقافة والفن الكرديين هو سوق الموسيقا في السليمانية، الذي عبر بواباته اكتشف كثير من الموهوبين ومحبي الفن قدراتهم الفنية وساهموا في تطوير الفن الكردي.
السليمانية مدينة تنبض بالثقافة والفن والتاريخ والشعر والموسيقى في كل شارع وزقاق، ويُعد أحد أجمل شوارعها سوق الموسيقا (المعروف أيضًا بسوق “مجيد بك”)، الواقع بالقرب من بوابة السراي، هذا السوق جمع تحت سقفه فنونًا وفنانين تحت راية الصوت والموسيقا الأصيلة الكردية، كما أصبح مركزًا لتعليم الأطفال وتعريفهم بالفن والموسيقا الكردية.
السوق أُسِّس لحماية الموسيقا الكردية
“جاسم حمه خورشيد”، المعروف باسم “جاسمِ ساز”، حدثنا عن تاريخ تأسيس هذا السوق ويقول لـ “روج نيوز”، “سبب تأسيس هذا السوق يعود إلى الثمانينات، حين كان هناك عدد من الفنانين لكنهم لم يمتلكوا مكانًا خاصًا بهم، وبسبب غياب مركز مخصص لحماية الثقافة والموسيقا الكردية، اجتمع الفنانون في هذا السوق، ومنذ عام 1987 بدأ يتحول تدريجيًا إلى سوق للموسيقا، وكانت أول فرقة فنية أُسِّست فيه هي فرقة هاوناز الفنية، والتي لا تزال مستمرة حتى اليوم”.
تُباع في هذا السوق الآلات الموسيقية، خصوصًا تلك المرتبطة بالفلكلور الكردي مثل الكمانجة (الـ “جوزة”)، الساز، والدف، والطنبور والشمشال، وقد ساهم هذا بدوره في الحفاظ على الفن الكردي واستمراريته.
لكن “جاسمِ ساز” يعبر عن قلقه من انتشار آلات موسيقية حديثة تضم العديد من الأصوات المركبة، ما جعل الشباب والمحبين للفن يعزفون عن تعلم الآلات الفولكلورية الكردية، معتبرًا ذلك خسارة كبيرة للفلكلور الكردي، وعائقًا أمام ظهور موسيقيين أكفاء، ويرى أن السبب وراء ذلك هو النظام الرأسمالي الذي سلّع كل شيء.
أما عن الفنانين في السوق، فيقول: “في الماضي كان هناك عدد كبير من الفنانين يعملون في هذا السوق، لكن للأسف العديد منهم فارق الحياة، كانوا فنّانين مميزين وقدامى، أتمنى أن يتمكن الشباب العاملون اليوم في السوق من حماية الثقافة والفن الكرديين، وأن يحافظوا على رمزية هذا السوق”. وأضاف أن “الظروف الصعبة التي يمر بها إقليم كردستان جعلت المواطنين يزورون هذا السوق بشكل أقل، فهم يرون أن الغذاء والاحتياجات الأساسية أهم من الموسيقا والآلات”. وأردف: “عملنا مرتبط بفرح الناس، لا بالأوضاع الصعبة، ومع ذلك لم تقدم الحكومة أي تسهيلات لأصحاب المحلات هنا، بل زادت الضرائب عليهم، وفي كثير من الأحيان لا يتمكن أصحاب المحلات من دفع الإيجار الشهري، الحكومة لا تهتم بخدمة ثقافة وبنية هذا الوطن”.
أول من افتتح محلًا للموسيقا
“آري فوزي“، فنان آخر في السوق، كان أول من افتتح محلًا متخصصًا بالأدوات الموسيقية، وبدأ بتأجيرها للراغبين بالفن. كما شارك في العديد من المناسبات والحفلات العائلية يقول “في عام 1988، وبسبب غياب مركز خاص بالموسيقا، افتتحت أول محل خاص بالموسيقا في هذا السوق، وبعد ذلك جاء عدد من الفنانين والمثقفين، مما حوّل السوق إلى سوق متخصص بالموسيقا والفنانين، وهكذا أصبحت السليمانية من جديد رمزًا للثقافة والفن في أحد أركانها”.
تعليم الموسيقا مستمر رغم الأزمة
“سوران رؤوف”، أستاذ موسيقي، يقول: “رغم امتلاكي مركزاً خاصاً بتعليم الموسيقا، إلا أن العديد من الراغبين يتوجهون إلى هذا السوق ويدفعون أموالهم لتعلم الموسيقا هنا، صحيح أن الأزمة الاقتصادية التي يمر بها الإقليم أثرت على هذا السوق، ولم تعد العائلات تملك فرصة لتعليم أبنائها الموسيقا، إلا أن العملية التعليمية هنا مستمرة على يد أساتذة وفنانين، وهم من يربون الأطفال ويعلمونهم الغناء الكردي الأصيل”.
وأضاف: “الجميل أن مختلف الفئات تزور هذا السوق، ومنه خرجت العديد من الشخصيات الفنية البارزة، ليصبح السوق منبعًا للفن والفنانين”.