No Result
View All Result
دجوار أحمد آغا
هناك الكثير من المآسي التي حدثت لشعوب ومجتمعات مختلفة حول العالم منذ القديم، لكنها انتهت بنتائجها وآثارها بعد فترة من الزمن على الرغم من بشاعتها وهمجية من قام بارتكابها، وهناك بالمقابل البعض من هذه المآسي التي حدثت مؤخراً بحق مجتمعات مسالمة وما تزال آثارها ونتائجها قائمة إلى الآن ولعلنا لا نبالغ إن قلنا بأن مأساة شنكال هي مأساة العصر لما جرى خلالها من عمليات إجرام وحشية بحق أبناء هذا المجتمع المسالم وسبي النساء وبيعهن في أسواق الموصل والرقة وكأننا عدنا إلى عصر الجاهلية.
هذه المأساة ما تزال مستمرة بحكم أن آثارها ما تزال قائمة، الإيزيديون انتشروا في مختلف بقاع العالم وعدد قليل منهم عاد إلى موطنه، البعض خوفاً من تكرار ما جرى بحقهم، والبعض الآخر هرباً من جحيم الدمار والحصار الذي تفرضه حكومة بغداد بحقهم والمضايقات التي يلاقونها في طريقهم بشكلٍ يومي، بالإضافة الى بقاء الآلاف من النساء والأطفال في عداد المفقودين، الى جانب الاكتشافات المستمرة عن المقابر الجماعية التي تضم رفاة من قام “داعش” الإرهابي بإعدامهم لا لشيء فقط إلا لكونهم إيزيديين، حقاً إنها مأساة العصر… 
المجتمع الإيزيدي المسالم
منذ آلاف السنين، استقر المجتمع الإيزيدي في جبل شنكال، مجتمع مسالم منغلق على نفسه في مسألة التزاوج وهو في الوقت نفسه منفتح على المجتمعات المجاورة له، يسعون إلى بناء هوية تستند على الحياة والحرية. مجتمع له طقوسه الروحية وله ثقافة ترتكز على تاريخه وجغرافيته التي توجد في كردستان، هم جزء لا يتجزأ من الشعب الكردي الذي سكن في بلاد ميزبوتاميا العليا منذ آلاف السنين واستقر بها حتى أصبحت تُعرف باسم كردستان؛ أي موطن الكرد.
عاش المجتمع الإيزيدي ضمن بيئته الجبلية محافظاً على وجوده رغم تعرضه إلى الكثير من الفرمانات التي كانت بمثابة الإبادات بحقه، لكنه استطاع الحفاظ على ذاته وهويته من الضياع والاندثار عبر الاختباء في جبل شنكال الملاذ الآمن له. لم يقف الأيزيديون مكتوفي الأيدي أمام هذه الهجمات الوحشية التي كانوا يتعرضون لها وكان هناك قادة كبار قاموا بتنظيم مقاومة من الشباب الإيزيديين في مواجهة هذه الهجمات، لعل أبرزهم، حمو شرو داوود الداوود، جانكير آغا.
توجه داعش نحو شنكال
لم تكن مصادفة أبداً أن تتوجه جحافل التنظيم الإرهابي المتطرف “داعش” باتجاه شنكال يوم 3 آب 2014 بعد أن سيطرت على مدينة بحجم الموصل في غضون ساعات ودون مواجهة حتى مع الجيش العراقي الذي ترك خلفه أسلحته وانسحب من المدينة كما فعل قبله الجيش السوري الذي أخلى الرقة لداعش، حيث دخلها دون أي مواجهة تُذكر، هذه الانسحابات المخزية من جانب جيوش دول من أمام داعش، أمدّته بقوة معنوية هائلة بالإضافة إلى استيلائه على أسلحة ثقيلة تركها الجيشان خلفهما.
التوجه نحو شنكال، لم يكن مصادفة بل كان الهدف منه كسر إرادة الشهب الكردي والقضاء على المجتمع الإيزيدي الأصيل وبالتالي التوجه إلى هولير ودهوك وصولاً إلى جبال كردستان لجعلها مثل كهوف جبال تورابورا في شرق أفغانستان التي أصبحت المعقل الرئيسي لتنظيم القاعدة.
جرائم بشعة وسبي النساء
بعد انسحاب وهروب من كان من المفترض بهم حماية شنكال، وبقاء المجتمع الايزيدي الاعزل لوحده في مواجهة عناصر داعش الإرهابي، لم يكن أمامهم سوى الهروب الى الجبل، لكن سيارات “داعش” المحملة بعناصر من مختلف دول العالم كانت تطوق المدن والبلدات الايزيدية وتقطع الطريق الى الجبل. حدثت مجازر رهيبة بحق الأهالي المدنيين العزّل، حيث تم فصل الرجال عن النساء في كل قرية وبلدة ومدينة دخلوها ومن ثم قاموا بالإعدامات الميدانية بحق الرجال، بينما تم فرز النساء حسب أعمارهن أيضاً.
شكلت النساء الإيزيديات النسبة الأكبر من ضحايا الخطف والعنف الجنسي، وفي مشاهد وثقتها منظمات دولية، أُجبرت العديد منهن على اعتناق الإسلام تحت التعذيب، وتم إحراق 19 امرأة وهنّ أحياء في الموصل عام 2016، بعد رفضهن التخلي عن ديانتهن، بالإضافة الى بيع الآلاف منهن الى مختلف المناطق حتى خارج جغرافية سوريا والعراق، فالبعض منهن وصل الى غزة في فلسطين، والبعض إلى اليمن والأردن وغيرها.
الكريلا تنزل إلى شنكال ووحدات الحماية تفتح ممر
تسعة مقاتلين من قوات الدفاع الشعبي وصلوا قبل أي قوة أخرى إلى شنكال وقاموا بتنظيم عمليات توجه الأهالي إلى الجبل بحيث يمكن الدفاع عنهم في مواجهة الوحوش البشرية التي بدأت تهاجمهم وتحرق الأخضر واليابس. مقاتلو الحرية لم يبخلوا بأرواحهم من أجل أبناء شعبهم وقاتلوا ببسالة نادرة من أجل إيصال عشرات الآلاف من أبناء المجتمع الإيزيدي إلى بر الأمان في روج آفا وذلك بالتنسيق والتعاون مع وحدات حماية المرأة YPJ ووحدات حماية الشعب YPG الذين قاموا على عجل بإنشاء ممر إنساني بين شنكال وروج آفا وقدموا أرواحهم في سبيل إنقاذ أبناء شنكال من الإبادة، حيث تمكنوا من إنقاذ ما لا يقل عن 200 ألف شخص من الموت المحقق على أيدي داعش الإرهابي.
الآلاف من النساء والأطفال ما زالوا مفقودين
رغم هزيمة داعش في الباغوز على يد قوات سوريا الديمقراطية بعد خمس سنوات من هجومهم على شنكال، إلا أن الآلاف من النسوة الإيزيديات بقينَ مجهولات المكان بسبب عمليات البيع التي كان يقوم بها عناصر داعش بحقهن. عمليات الخطف والسبي التي تعرضت له النسوة والأطفال الإيزيديين وبيعهن في أسواق النخاسة استمرت لسنوات عدة، تعرضت خلالها هؤلاء النسوة والفتيات إلى مختلف أنواع العنف الجسدي والنفسي، كما أن الأطفال تعرضوا إلى عمليات غسل دماغ وتجنيد قسري فيما يُسمى بأشبال الخلافة وتوجيههم للقيام بعمليات انتحارية.
تُشير العديد من التقارير المحلية والأممية الصادرة عن منظمات تتابع هذه المأساة وتداعياتها على المجتمع الإيزيدي أنه ما يزال هناك ما لا يقل عن 2900 امرأة وطفل إيزيدي مفقودين، على الرغم من الجهود الكبيرة التي تبذلها الجهات المعنية للكشف عن مصير هؤلاء المفقودين لكن حتى الآن لم يُعرف مصيرهم. كما أنه تم اكتشاف 93 مقبرة جماعية إلى الآن في شنكال، فُتح منها 62 مقبرة بينما ما تزال 31 مغلقة وسط مطالبات الأهالي للسلطات العراقية بضرورة فتحها.
مأساة ما تزال مستمرة..
على الرغم من مضي أحد عشر عاماً على هذه المأساة التي هزّت وجدان العالم، وجعلته ينظر إلى ما جرى ويجري بحق هذا المجتمع المسالم الذي لم يُعادِ أحد، بل على العكس من ذلك هو مجتمع مضياف محب للجيرة وتقديم المساعدة. المجزرة أدت إلى فرار ما لا يقل عن 350 ألف إيزيدي من مناطقهم، حيث لجأوا إما إلى إقليم كردستان العراق أو إلى دول المهجر وبخاصةٍ ألمانيا والدنمارك اللتان توجد بهما أكبر الجاليات الإيزيدية في العالم، وتُشير تقارير المنظمة الدولية للهجرة إلى وجود ما بين 70 الى 80 ألف إيزيدي يعيشون في مخيمات مؤقتة في ظل ظروف في غاية الصعوبة بانتظار تحسّن الأوضاع وإمكانية عودتهم إلى مناطقهم الأصلية. الجرائم التي ارتُكبت بحق المجتمع الإيزيدي ترتقي إلى مستوى جرائم حرب ضد الإنسانية ويجب ألا تُنسى. يجب على المجتمع الدولي أن يُقدّم المحرضون عليها ومرتكبوها إلى العدالة ومعاقبتهم على ما قاموا به من فظائع وأهوال بحق مجتمع مسالم لم يَقُم بالاعتداء على أحد.
جدير بالذكر إن رواية “أربعة وسبعون” للشاعرة والروائية والصحافية الألمانية الايزيدية الأصل “رونيا عثمان” والتي تسرد عبر صفحاتها الخمسمائة مأساة أهلها المضطهدين، توثق مجزرة شنكال وقد صدرت في العام 2024 في الذكرى العاشرة لوقوع مجزرة شنكال.
No Result
View All Result