No Result
View All Result
محمد عيسى
يبدو أنّ شهر تموز 2025 لم يكن شهراً عادياً بالنسبة للسوريين، فقد تحوّلت مدينة السويداء، قلب جبل العرب ومهد المقاومةِ، إلى مشهدٍ سرياليّ ما فوق الواقعيّ، يستحضرُ العصورَ المظلمة، فقد رُفعت الراياتُ السوداء، وتهاوت القيم، وتلاشت ملامح الطمأنينة أمام مشاهد الإعدام الميدانيّ، وقطع الرؤوس، الجرائم الموثقة بالصور المباشرة. وما جرى في المدينة لا يُختزلُ بتوصيفٍ عسكريّ تقليديّ، ولا يُفهم ضمن سياق اشتباكٍ بين طرفين متنازعين، بل هو إعلانٌ صريحٌ لولادةٍ جديدةٍ لعقيدةِ التطرف، بأدواتٍ أكثر تنظيماً، وأجساد لمسلحين أجانب يرتدون الزي الرسميّ لوزارة الدفاع في الحكومة السوريّة الانتقاليّة.
المجازر تتوالى
وثّق المرصد السوريّ لحقوق الإنسان مقتل 1339 شخصاً في محافظة السويداء جنوبي البلاد، منذ فجر الأحد، الثالث عشر من تموز 2025، وحتى مساء الثلاثاء الثالث والعشرين من الشهر نفسه، ضمن واحدة من أعنف الحملات الدمويّة التي تشهدها سوريا بعد سقوط النظام السابق. وأشار المرصد إلى أنّ من بين هؤلاء الضحايا، 196 شخصاً، بينهم 30 امرأة و8 أطفال ورجل مسن، أعدموا ميدانيّاً برصاص عناصر من وزارتي الدفاع والداخليّة، في حوادث قتلٍ مباشرة دون محاكمات أو اشتباك. وتوزعت الحصيلة على 657 من أبناء السويداء، بينهم 124 مدنيين، إلى جانب 464 عنصراً من قوات وزارة الدفاع والأمن العام التابعة للحكومة السوريّة الانتقاليّة، من بينهم 40 مسلحاً من أبناء العشائر البدويّة الذين تم استقدامهم كقوة دعم ميدانيّ في العمليات إضافة لمسلح لبنانيّ الجنسية.
كما وثّق المرصد مقتل 15 عنصراً من وزارتي الدفاع والداخليّة في غارات إسرائيليّة استهدفت مواقعهم، بينما قُتلت امرأة وشخصان مجهولا الهوية في القصف الجويّ ذاته الذي طال مبنى وزارة الدفاع وسط العاصمة دمشق، في إشارة إلى انكشاف الهيكل الأمنيّ والعسكريّ للحكومة أمام التصعيد الإقليميّ المتصاعد.
في المقابل، نشرت الشبكة السوريّة لحقوق الإنسان إحصائيّة منفصلة، وثّقت فيها مقتل ما لا يقل عن 558 شخصاً خلال الفترة ذاتها، إلى جانب إصابة 783 آخرين على الأقل، بينهم أطفال ونساء وأفراد من الكوادر الطبيّة، ما يعكس اتساع رقعة الاستهداف العشوائيّ والانتقاميّ ضد المدنيين والبنية المجتمعّية.
وفي هذا السياق، قُتلت الدكتورة فاتن هلال، إحدى أبرز طبيبات السويداء، بعد أن تعرّضت لإطلاق نار مباشر على الرأس أثناء قيامها بواجبها الإنساني داخل أحد المستشفيات. لم تكن تحمل سلاحاً، بل كانت تداوي الجرحى، لكن الرصاصة استهدفت ما تمثّله من رمزيّةٍ: خدمة الحياة في وجه ثقافة الموت. وتعيد حادثة اغتيال هلال إلى الأذهان أساليب مرتزقة “داعش” في استهداف الكوادر الطبيّة، بهدف كسر النظام الصحيّ المحليّ وتفكيك النسيج الاجتماعيّ، ما يثير تساؤلات جوهريّة عن هوية الفاعل وعقيدته.
المذبحة أُعدّت بدم بارد
المرصد السوريّ حصل على تسجيلاً مصوراً لأسير ينتمي إلى “الفرقة 62” التابعة لـ فصيل “سليمان شاه/ العمشات”، أحد أذرع وزارة الدفاع في الحكومة الانتقاليّة، وقد اعترف فيه صراحة بمشاركة ما بين 200 إلى 300 مسلح أجنبي، من أوزبكستان وتركستان، بعضهم مختصون في المتفجرات والهندسة العسكريّة. وأكّد أن الأوامر التي تلقوها كانت واضحة: “اذبح، لا تأسر.. من تراه من أبناء الطائفة الدرزيّة اقتله أو انحره”.
الأسير أشار كذلك إلى أنّ الجهة التي نظّمت الهجوم تعمدت إخفاء تبعيتها الرسميّة، لتفادي القصفِ الإسرائيليّ، وادّعت أنّها ميليشيات محليّة من العشائر البدويّة، بينما كان غالبية المشاركين من خارج الجغرافيا، ومن أتباع العقائد المتطرقة المعادية للطوائف غير السنيّة.
وما أكّد البعد العقائديّ الدمويّ في هذه المجازر، هو اقتحام المضافات، وهي مراكز اجتماعيّة مقدّسة في العُرف الدرزيّ. ففي مضافة آل رضوان، إحدى أعرق عائلات جبل العرب، ارتُكبت مجزرة راح ضحيتها 12 مدنيّاً أعزل، بينهم شيخ طاعن في السن. ودخل المسلحون المرتبطون بالحكومة الانتقاليّة إلى المكان وهم يطلقون التكبيرات، وقاموا بإعدام الموجودين بدم بارد.
وشهد حي الكوم شرق السويداء مجزرة عائلة آل مزهر، التي قتل فيها 12 شخصاً، بينهم ثماني نساء وفتيات، ورجل مسن لا يستطيع الحراك. وبحسب منصة السويداء 24، فإنّ الصور ومقاطع الفيديو التي وصلت من الحي توثق الجريمة بوضوح، وتثبت أنّ العناصر الذين نفذوها يتبعون مباشرة لوزارة الدفاع الانتقاليّة.
ما جرى لم يكن حملة أمنيّة ولا رداً على تمرد، بل تطهير طائفيّ مكتمل الأركان. فالتقارير الميدانيّة والفيديوهات المصورة تظهر كيف تحوّلت المدينة إلى ميدان للتنكيل والتمثيل بالجثث. ومن أبرز تلك المشاهد، الفيديو الصادم الذي انتشر على وسائل التواصل، وظهر فيه مسلحون يُجبرون ثلاثة شبان دروز على القفز من شرفة منزلهم في الطابق الرابع، قبل إطلاق النار عليهم وهم يسقطون. وعرّف النشطاء الضحايا بأنّهم معاذ عرنوس (2002، طالب طب أسنان)، براء عرنوس (2005، طالب هندسة)، وأسامة عرنوس (1998، طبيب أسنان)، وجميعهم من قرية المزرعة في ريف السويداء. كما عُثر على والدهم المهندس بشار عرنوس مقتولاً أمام مدخل المبنى.
ذلك المشهد يعيد إلى الأذهان ممارسات مرتزقة “داعش” في مدن الموصل والرقة ومنبج وتدمر، عندما استخدم القتل كعرض مسرحيّ مفتوحٍ لإرهابِ المجتمع وترويع الضمير.
وفي جريمة أخرى موثقة، بث تلفزيون “العربيّ” مشاهد مباشرة تظهر اختطاف نساء درزيّات من الشارع تحت تهديد السلاح، وأثناء محاولة المراسل شرح ما يحدث، طلب منه المذيع من الاستوديو “إيقاف المقابلة فوراً”، في موقف أثار سخطاً واسعاً بين المتابعين الذين رأوا في هذا التصرف تواطؤاً إعلاميّاً مع مرتكبي الجريمة، وإهانة للضحايا وللحقيقة.
لم تقتصر الانتهاكات على القتل والذبح، بل امتدت إلى التمثيل بالجثث، ونشر الصور على شبكة الإنترنت، ووضع رايات سوداء كتلك التي رفعها مرتزقة “داعش” في العراق وسوريا. كما تداول نشطاء صوراً تُظهر عناصر بزي وزارة الدفاع السوريّة الانتقاليّة وهم يرتدون شارات شبيهة بشعارات داعش على الأكتاف، أو يحملون السيوف ويهتفون بشعارات مثل “لا دروز بعد اليوم”.
وقد وثّقت مصادر محليّة مشاهد لعناصر يحملون السيوف على صدورهم، ويلتقطون صوراً بجانب الجثث المذبوحة، في مشهد تكررت تفاصيله في الموصل والباب ودير الزور خلال أعوام المد الداعشيّ الإرهابيّ.
قادة الفكر الأسود في دمشق
يُطرح اليوم سؤالٌ جوهريّ بات يقضُّ مضاجع السوريين والمراقبين على حد سواء: كيف تسلّل الفكر التطرفي إلى مؤسسة يُفترض أنّها العمود الفقريّ للدولة؟ وكيف أُعيد تدوير الرايات السوداء، لا في أطراف صحراويّة خارجة عن السيطرة، بل من داخل أجهزة حكوميّة رسميّة، تحمل توقيع الدولة الانتقاليّة وتعمل تحت مظلة الدعم الدوليّ؟
إنّ وجود عناصر تحمل فكراً تطرفياً وتنتمي إلى تنظيمات متطرفة، داخل ما يُسمّى بـ”وزارة الدفاع للحكومة السوريّة الانتقاليّة”، لم يعد افتراضاً، بل واقعاً موثقاً بالأسماء والرايات والشهادات ومقاطع الفيديو.
هؤلاء المسلحون الأجانب، الذين ينتمون إلى جنسيات تركستانيّة وأوزبكيّة، ويملكون خلفيات قتاليّة في معاقل مرتزقة “داعش” السابقة، لم يدخلوا البلاد خلسة، بل عبر قنوات رسميّة وتنظيمات مرخّصة وتحت إشراف قيادات ترتدي الزي الرسميّ. وهنا تكمن الخطورة: فنحن لسنا أمام خلايا نائمة أو تطرف فرديّ، بل أمام بنية عسكريّة كاملة أُعيد تشكيلها على أسس عقائديّة تطرفية، تحظى بالحماية والتسليح والشرعيّة.
وفي هذا السياق، تحوّل ملف السويداء إلى نقطة اشتعال إقليميّ. فقد كشف موقع “المونيتور” الأمريكيّ أن وزارة الخارجيّة الأمريكيّة فتحت تحقيقاً رسميّاً حول تقارير تفيد بمقتل مواطن أمريكيّ يُدعى “حسام سرايا”، من أبناء الطائفة الدرزيّة، في محافظة السويداء، على يد مسلحين مجهولين. وبحسب المعلومات الأوليّة، فقد ظهر سرايا في مقطع مصوّر انتشر على وسائل التواصل، يُظهر عملية إعدام ميدانيّ دون محاكمة، ودون أيّ سياق عسكريّ معروف.
مسؤول أمريكيّ، فضّل عدم كشف اسمه، أكّد للموقع أنّ الخارجية “تُجري اتصالات دبلوماسيّة وأمنيّة لفهم ملابسات الحادثة”، مع إشارته إلى “إمكانية تصعيد الملف على المستوى الدوليّ، في حال تأكدت هوية المنفذين”، ما قد يُحرج حلفاء الحكومة السوريّة الانتقاليّة، ويطرح علامات استفهام عن الجهاتِ التي ترعى وتغطي هذه الانتهاكات.
إبادة وليس إعادة للأمن
لا يمكن تصنيف ما حدث في السويداء ضمن مفردات الحرب الأهليّة أو النزاعات التقليديّة. ما جرى هو نهج إبادة طائفيّة ممنهج، مدعوم من مؤسساتٍ رسميّة، نُفذ تحت غطاء “الدولة” وبشعاراتِ ما يسمى بـ”الجهاد”، وبتنفيذ عناصر متعددة الجنسيات، ما بين الأوزبك والتركستان، وكلهم يرتدون زي وزارة الدفاع في الحكومة السوريّة الانتقاليّة.
دخلت تلك القوات المدينة كما لو أنّها مدينة معادية، لا جزءاً من وطن، وارتكبت المجازر في المضافات والبيوت والمستشفيات، واختطفتِ النساءَ، وحرقتِ الشهاداتِ الجامعيّة، وذبحتِ الأطباء والمهندسين، وسوّقت لكلّ ذلك عبر وسائل إعلام تروّج له على أنّه “استعادة الأمن”.
وإذا كانت “داعش” قد هُزمت عسكريّاً اعتباراً من كوباني وحتى آخر معاقلها في الباغوز على يد قوات سوريا الديمقراطيّة، فاليوم يتم إحياؤها لتنهضَ من رحمِ الحكومة السوريّة الانتقاليّة، وتعيدَ فرض أجندتها بالعقليّة نفسها، والأساليب نفسها: الذبح، النحر، التمثيل، والرايات السوداء. لكن؛ الجديد هذه المرة أنّها لم تعد تنظيماً خارج القانون، بل جزءاً من “مؤسسة حكوميّة”، ولها تمويل وهيكلية ومظلة دوليّة صامتة.
السويداء لم تسقط، بل صمدت أمام آلة الخرابِ بكلِّ شجاعة. رغم أنّ المعركة لم تكن متكافئة. ولم يدخل إلى السويداء جيشٌ نظاميٌ، بل خليطٌ من قواتٍ عقائديّةٍ، تحملُ الراياتِ السوداء، وترفعُ شعاراتٍ تطرفية، وتنفذُ إعداماتٍ ميدانيّة، وتقتحم دورَ العبادةِ ومضافات الشيوخ كما لو كانت معاقل أعداء.
وإذا لم يتحرك المجتمع الدوليّ الآن، فإنّ ما حدث في السويداء لن يبقى داخل حدودِ جبل العرب، بل سيتكرر في مناطق أخرى، وعلى يدِ الأطراف ذاتها، وتحت الشعار ذاته: “باسم الدولة.. نُعيد دولةَ الخلافة”.
No Result
View All Result