No Result
View All Result
د. يونس بهرام
منذ اندلاع الثورة السوريّة في آذار 2011، انقسمت خريطة البلاد عسكريًا وسياسيًا إلى مناطق نفوذ متناحرة، لكن قليلًا منها فقط حاول التأسيس لواقع مختلف. فبينما سقطت أغلب المناطق المحررة في أيدي المجموعات المرتزقة؛ اختارت مناطق شمال وشرق سوريا، بشعوبها، مسارًا مغايرًا يقوم على مفهوم الإدارة الذاتية والحوكمة المدنية، بعيدًا عن أجندات الدول الإقليمية ودوامات العنف الأهلي.
اليوم، بات المشهد السوري مختزلًا في نموذجين متناقضين: الأول، تمثله هيئة تحرير الشام في إدلب ومحيطها، حيث يحكم السلاح وتُقصى الأصوات المختلفة، والثاني، يظهر في مناطق الإدارة الذاتية، حيث تُبنى مؤسسات مدنية تشاركية رغم الحصار والتحديات الأمنية والاقتصادية.
إدلب سلطة بوليسية بلبوس “مدني”
منذ فرض هيئة تحرير الشام هيمنتها على محافظة إدلب وأجزاء من ريف حلب، بعد تصفية معظم المجموعات المرتزقة، تحوّلت تلك المناطق إلى ساحة مغلقة سياسيًا وفكريًا.
يحكم الشرع بقبضة أمنية مشددة عبر “حكومة الإنقاذ” التي تفتقر إلى شرعية شعبية أو سياسية حقيقية، وتعمل تحت إشراف مباشر من الهيئة ذات الطابع المتطرف، رغم محاولات تغليفها بمفردات “الإدارة المدنية”. تشير تقارير حقوقية إلى انتشار الاعتقالات التعسفية، وتكميم الأفواه، وغياب حرية التعبير في إدلب، ناهيك عن تضييق الخناق على المنظمات غير الحكومية المستقلة. كل من يخالف خطه هذا؛ يُتهم بالعمالة أو “الردة”، ما يعكس ذهنية سلطوية لا تختلف كثيرًا عن نظام الأسد في دمشق، وإن اختلفت الشعارات والرموز.
الواقع الاقتصادي بدوره يشهد تدهورًا مستمرًا، إذ تُفرض ضرائب عشوائية، وتُحتكر التجارة من قبل شبكات تابعة للهيئة، فيما يعيش المدنيون تحت خط الفقر، ويُستخدم “الخبز” أحيانًا كسلاح للولاء السياسي.
أما على المستوى المجتمعي، فتمارس الهيئة نوعًا من “الهندسة الدينية”، عبر فرض رؤى أيديولوجية على التعليم والحياة العامة، وهو ما يدفع قطاعات من السكان للهروب من إدلب باتجاه مناطق أكثر استقرارًا في الشمال الشرقي، أو نحو المجهول.
الإدارة الذاتية.. من المقاومة إلى مشروعٍ مدني
في المقابل، تبلورت في شمال وشرق سوريا، منذ عام 2012، تجربة سياسية واجتماعية مختلفة جذريًا عن بقية الخارطة السورية. قاد الكرد هذه التجربة إلى جانب شركائهم من العرب والسريان والآشوريين، لتُؤسس “الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا” عام 2014م ككيانٍ شبه مستقل يعتمد على التشاركية والديمقراطية المباشرة.
تقوم الإدارة الذاتية على مجلس مدني منتخب، ودوائر خدمية متخصصة، وقوى أمن داخلية تُعرف بـ “الآساييش”، وجيش نظامي هو “قسد” “قوات سوريا الديمقراطية” الذي حارب داعش وحرّر مساحات واسعة من الإرهاب. وعلى الرغم من التحديات الأمنية، وغياب الدعم الدولي الكافي، نجحت الإدارة الذاتية في تقديم نموذج إداري مستقر نسبيًا:
-
افتتحت مئات المدارس بثلاث لغات (الكردية، العربية، السريانية).
-
شجّعت المرأة على الانخراط في الشأن العام عبر نظام “الرئاسة المشتركة”،
-
شرّعت قوانين مدنية تراعي التعددية الدينية والعرقية.
-
وأطلقت حوارات مع شعوب محلية للتفاهم حول مستقبل المنطقة.
اقتصاديًا، ورغم الحصار من النظام وتركيا، حافظت مناطق الإدارة الذاتية على عجلة إنتاج زراعي وصناعي معقول، مع وجود آليات توزيع عادلة نسبيًا للموارد المتوفرة. لكن؛ الأهم من كل ذلك هو غياب مشاهد الاقتتال الداخلي الدموي أو تصفية الحسابات على الهوية، على عكس ما يحدث في إدلب أو المناطق المحتلة من الاحتلال التركي ومرتزقته.
بين الفوضى والتنظيم.. أي مستقبل لسوريا؟
إذا كان مشروع “هيئة تحرير الشام” قد أعاد إنتاج الاستبداد بلغة دينية هذه المرة، فإن مشروع الإدارة الذاتية يسعى، ولو بشق الأنفس، لبناء نواة وطنية ديمقراطية جديدة. الفرق الأساسي بين النموذجين لا يكمن فقط في البنية الإدارية أو القوة العسكرية، بل في فلسفة الحكم ذاتها.
في إدلب، السلطة مبنية على الولاء والبطش، حيث لا مكان للفكر النقدي أو الحوار المجتمعي، بينما تحاول الإدارة الذاتية ـ رغم كل نواقصها ـ إشراك الأهالي في اتخاذ القرار، وبناء منظومة تشريعية شاملة من القاعدة إلى القمة.
الصراع في سوريا اليوم لم يعد فقط مواجهة بين معارضة ونظام، بل بات أيضًا سباقًا بين مشاريع سياسية واجتماعية. وبينما يتجه جزء من المعارضة نحو العسكرة والارتزاق، تسعى أطراف أخرى إلى إعادة تعريف الهوية السورية على أسس مدنية تعددية.
الحاجة إلى تحالفٍ جديد
ما تحتاجه سوريا ليس فقط إنهاء الحرب، بل إعادة تصور مشروع الدولة، وفي ظل الانقسامات الطائفية والعرقية، تبقى تجربة الإدارة الذاتية، برغم عزلتها، إحدى النماذج القليلة التي أثبتت قدرة السوريين على التعايش تحت سقف قانون مشترك، بعيدًا عن الإقصاء والتكفير.
إن إعادة بناء سوريا لا تبدأ من إدلب ، بل من تلك المجتمعات التي اختارت العيش المشترك بديلاً عن السلاح، والتي تحتاج اليوم إلى الدعم لا الحصار، وإلى الشراكة لا التجاهل.
نعم، سوريا المستقبل لن تُبنى بالسيف، بل بالعدالة والاعتراف المتبادل.
No Result
View All Result