التحرّش في وسائل النقل العامة ليس استثناءً عارضاً، بل نمطاً متكرّراً، يسير بتواطؤ العادة، وصمت المجتمع، وغياب الردع، وما لم تُكسر دائرة الصمت، ويُفعّل القانون، وتُسمَع الأصوات، فإن هذا الخطر سيستمر في مرافقة النساء من البيت إلى الشارع.
في مشهد يومي يتكرر بصمت، تتحول وسائل النقل العامة من وسيلة يُفترض بها أن تيسّر الحياة، إلى بيئة غير آمنة لكثير من النساء، حيث يمتزج الزحام اليومي بقلق نفسي دائم، سببه نظرات متطفلة، كلمات غير لائقة، أو حتى لمسات غير مبرّرة، هذا واقعٌ لا يُرى بسهولة، لكنه يُعاش بقسوة.
“مكاناً معتاداً للمضايقات”
وسط هذا السياق المربك، تظهر شهادات نسائية عديدة من العاصمة دمشق، تكشف عن معاناة متجذّرة تتجاوز مجرد المضايقات العابرة، وتلامس جوانب أعمق من السلامة النفسية والكرامة الإنسانية.
حيث قالت “بيان منير“، وهي طالبة جامعية تستخدم النقل العام بشكل يومي: “أشعر وكأن وسيلة النقل لم تعد وسيلة للتنقل بأمان، بل أصبحت مكاناً معتاداً للمضايقات، من نظرة جارحة، إلى كلمة تخرج دون خجل، وصولاً إلى تصرفات قد تصل إلى اللمس، وكل ذلك يمرّ وكأنه أمر طبيعي”.
وتابعت: “وترى أن ما يُثير الاستياء أكثر أن اللوم يُلقى غالباً على الفتاة، لا على المتحرّش، يُسألون عن لباسنا أو طريقتنا في الجلوس، بينما من تسبب بالأذى لا يُحاسَب، ففي وقت الذروة، حين يُزاحم الجميع داخل الباص، تغيب كل قواعد الاحترام، ولا أحد يراعي خصوصية المرأة”.
“كابوس متكرّر”
ومن جانبها، تحدثت “هيا علي” عن تجربة أكثر قسوة، روتها بمرارة: “وسائل النقل أصبحت لنا نحن الفتيات كابوساً متكرّراً، لا يكفي أن نتحمّل الزحام والتعب، بل يُضاف إلى ذلك خوف دائم من نظرات الرجال، من الكلمات التي تُقال وكأنها مزحة، ومن تحرّش جسدي يحدث أحياناً بلا أي تردّد”.
وأضافت: “كل مرة أستخدم فيها الباص، أبدأ بالتفكير مسبقاً من سيجلس بجانبي؟ هل أستطيع الهرب إن حدث شيء؟ كيف أتصرف؟ وما يزيد من الغضب أن الفتاة دائماً هي من تتصرّف لتتجنّب الأذى، بينما من يُسيء، يواصل حياته دون محاسبة، لا قانون يردعه، ولا مجتمع يواجهه، الجميع يلوذ بالصمت”.
وأكدت هيا، أن التحرّش ليس فقط تصرفاً عابراً، بل خوفاً مستمراً، وقلقاً يسكنك، هو وجع لا يُنسى، وأثر يبقى في النفس حتى بعد انتهاء اللحظة، فكل فتاة مرّت بهذه التجربة، تعرف كيف يمكن لتحرّش بسيط ظاهرياً، أن يتحول إلى ندبة داخلية لا تُشفى بسهولة.
وجه من أوجه العنف المجتمعي
أما “سارة عبود“، فقد فضّلت مشاركة رأيها دون الخوض في تجربة شخصية مباشرة، معبرةً عن وعيها المتزايد بالخطر: “لم أتعرض شخصياً لأي حادثة تحرّش، لكنني أحرص دائماً على تجنّب الأماكن التي قد تزداد فيها احتمالية حدوث ذلك، كالشوارع المزدحمة أو الحافلات العامة، أفضل استخدام سيارات الأجرة الخاصة أو الميكرو باص، حيث أشعر بأنها أكثر أماناً مقارنة بالحافلات الكبرى”.
إلا أن القصة الأقرب إليها لم تكن بعيدة، بل في منزلها: “شقيقتي كانت مضطرة لاستخدام النقل العام يومياً للذهاب إلى الجامعة، وبدأنا نلاحظ عليها تغييراً واضحاً في سلوكها، وحين صارحتني، أخبرتني بأنها تتعرض لمضايقات متكررة داخل الباص، كالتقارب الجسدي المتعمّد أو التلامس غير المبرر”.
وأشارت سارة، إلى أن النقل العام مزدحم ومختلط، بلا تنظيم واضح، مما يجعل مثل هذه المواقف أكثر احتمالاً: “تلك التجربة تركت أثراً نفسياً حاداً، حتى أنها دخلت في حالة من الاكتئاب، وبدأت تنسحب من الحياة الاجتماعية بالكامل، متجنبة الناس، ومفضلة العزلة”.
وشددت الشابة “سارة عبود”، على أن التحرّش ليس تصرفاً فردياً بسيطاً، بل هو وجه من أوجه العنف المجتمعي: “من الضروري أن تتعامل الجهات المعنية مع هذه الظاهرة بجدّية، وأن يتم توفير وسائل تبليغ فاعلة، وآليات حماية قانونية فورية. فاحترام المرأة ليس رفاهية، بل ضرورة حضارية، لا يمكن لأي مجتمع أن يدّعي التقدّم دونها”.
يشار، إلى أنه بين الروايات الثلاث، تتشكل صورة متكاملة لواقع تعيشه آلاف النساء كل يوم، في صمتٍ ثقيل، إنّ الوصول الآمن للمرأة ليس مطلباً ثانوياً، بل حقاً أصيلاً، ولكي يتحقّق، لا بد أن يُعاد رسم الطريق، ليس فقط بمزيد من الحافلات، بل بوعيٍ مجتمعي لا يقبل بأي شكل من أشكال الأذى.
وكالة أنباء المرأة