عبد الرحمن محمد
قد لا نكون منصفين إذا كتبنا في عجالة عن شخصية عبقرية وفنان شامل وموسيقي ومسرحي نادر بقامة زياد الرحباني، فقد كتب الكثيرون عنه، وبالتأكيد لن تتوقف الأقلام والألسن عن سرد حكايات عنه، فزياد الرحباني لم يكن مجرد شخصية مرت بعالم الفن اللبناني والعربي، بل إنه كان فنانا اكتسب الشهرة العالمية وأوصل صوت لبنان إلى أصقاع العالم.
كانت صرخة زياد الرحباني الأولى في وجه العالم لحظة قدومه يوم 31 كانون الأول عام 1955، ولم تتوقف صرخته في وجه الظلم والحرب والفقر، والعادات والتقاليد البالية حتى لحظات وفاته من يوم 26 تموز عام 2025، هو ابن عائلة عريقة بتاريخها في عالم الفن عامة، والموسيقا والغناء بشكل خاص.
تسع وستون عاما، قضاها الرحباني في أحضان عائلة تعشق الغناء والموسيقا، وهي تتعامل معها كزاد يومي لا كمهنة أو هواية، لذلك كان زياد من الشخصيات الأبرز في العالم العربي الذين تركوا بصمتهم المميزة وترك إرثا فنيا لا يقدر بثمن.
في تفاصيل حياة الرحباني قصص وتفاصيل هامة وفاصلة، وقد لا تعني القارئ العادي كثيرا، وقد تكون من الخصوصيات، لكن الرحباني الفنان والإنسان يعني الجميع لأنه دائما كان مع الجميع مع الفقراء والمظلومين والمكلومين، كان من أبرز من كتب ولحن عن لبنان إبان محنته في الحرب الأهلية، وكان مع لبنان أيام الاجتياح، ومع الفلسطينيين في نضالهم ضد الاحتلال، ومع الكرد في نضالهم الوجودي، ومع الإنسان في كل مكان، وعندما رحل… أدمى قلوب الجميع.
ضجت لبنان رغم ما يكابده من محن والعالم العربي بخبر الوفاة، واهتزت شبكات التواصل حزنا، وهي تتلقى مئات وآلاف البرقيات والمنشورات التي تعزي لبنان واللبنانيين والفن والفنانين برحيل الفنان الإنسان، والعبقري الملحن، والمسرحي المميز والقلب الكبير.
في جعبة الفنان الرحباني رصيد ثمين، ربما كانت الأرقام غير دقيقة إذا حصرناها، لكنها كنز فني لا يقدر بثمن، إذ إنه لحن للعديد من الفنانين اللبنانيين والعرب، وإن كانت أبرز أعماله مع سيدة الغناء وسلطانة الأغنية اللبنانية والعربية فيروز، والدته، ولم يكن عطاؤه في المسرح بأقل من عطائه في الغناء واللحن، بل إنه زاد على ذلك في أعماله الأدبية التي كانت بدايته في عالم الفنون والأدب والموسيقا.
كانت مواقف الفنان القدير من القضايا العالمية والإنسانية لافتة ومميزة، ويكتب له وقوفه الدائم لنصرة الحق والمظلومين، ومساندته للمدافعين عن قضاياهم، المقاومين لكم الأفواه وكبت الحريات، وكان مواقفه من القضية الكردية واضحة وجلية، وبخاصة بعد أن ألف مقطوعة موسيقية رائعة باسم “آمد – ديار بكر” عام 2000 وقدمها بحضور والدته الفنانة فيروز سفيرة السلام للنوايا الحسنة، وقد أشارت برقية العزاء التي تقدمت بها المبادرة السورية لحرية القائد عبد الله أوجلان للعائلة وللفنانة فيروز إلى أنّ “القائد كان يجلّ غناء السيدة فيروز، ويكنّ حباً كبيراً لصوتها، الذي كان يرى فيه صدى للروح الحرة والوجدان الإنسان”.
زياد الرحباني قامة من قامات الفن والأدب والموسيقا وابن عائلة طالما عرفت بإنتاجها الغزير في مناح عدة، وكانت لها صولات وجولات، كتب الأدب فأبدع ولحن الموسيقى فأطرب القلوب قبل الآذان ومثل فأسعد المتابع والمتفرج، وكانت له عشرات بل ومئات الأقوال المعروفة بتهكمها وسخريتها اللطيفة من الواقع المضحك المبكي، لكل ذلك وللكثير الذي لم نقله، وقد لا يقال، كان زياد قريبا من قلوب الكبار والصغار، محبوبا في أوساط الساسة والنخبة، صديقا مقربا من العامة، وكان في عائلته يحمل هموم الجميع ويحل مشاكلها ويسهل مصاعبها.
نال زياد الرحباني اللبناني المولد والنشأة مكانة رفيعة في حياته، أدخلته قلوب الناس البسطاء، وحمل عشرات الأوسمة والجوائز التقديرية، استمع له عدوه قبل صديقه، زياد الموسيقار والملحن والكاتب والممثل، رحل بكل كبرياء فأبكى رحيله الجسدي محبيه وعشاق الفن الأصيل ولسان حالهم يقول…وداعاَ أيها الفنان الإنسان…