No Result
View All Result
دجوار أحمد آغا
معظم أنظمة الاستبداد والحكومات في دول العالم، التي ليس لديها هامش ديمقراطيّ، ومع وجود قوى معارضة تعجز عن مواجهتها، تقومُ بزجِّ شخصياتٍ مؤثرة من المعارضة في المعتقلات والسجون، وفق تُهم غالباً ما تكون ملفقّة وغير صحيحة. وتكثر هذه النماذج من الحكوماتِ والأنظمةِ الاستبداديّة في مناطقِ الشرق الوسط وأفريقيا وأمريكا اللاتينيّة بحكم وقوعها تحت سيطرة واحتلال الدول الأوروبيّة (بلجيكا، هولندا، اسبانيا، البرتغال، وفيما بعد إنكلترا، فرنسا، ونوعاً ما ألمانيا).
أما بالنسبة لتركيا فهي وريثةٌ لسلطنة عثمانيّة قامت على احتلالِ العديد من بلدان العالم، وبنت إمبراطورية مترامية الأطرافِ وصلت إلى أسوار فيينا العاصمة النمساويّة في قلب أوروبا، فقد سعى باني الجمهورية التركيّة الحديثة (مصطفى كمال أتاتورك) إلى اتباع النهج الأوروبيّ الذي كان متأثراً به، وزجّ بمن عارضه في السجون والمعتقلات التي ازدادت انتشاراً في سائر أرجاء البلاد. وقد سارت الحكومات المتعاقبة على المنوال نفسه من خلال الزجّ بمعارضيها في السجون والمعتقلات وخاصةً الكرد في الآونة الأخيرة، بعد أن عجزت هذه السلطات على إنهاءِ الوجود الكرديّ والقضاء عليه بالمجازر والإبادات.
المعتقلون السياسيون في تركيا
هناك المثير من التقارير من داخل تركيا نفسها ومن منظماتٍ حقوقيّة حول العالم تُفيد بتزايد عدد المعتقلين السياسيين ضمن السجون والمعتقلات التركيّة. وهؤلاء المعتقلون ليسوا جميعاً من مواطني تركيا، بل هناك العديد من المعتقلين الذين قضوا سنوات طويلة من حياتهم وراء قضبان السجون التركيّة وهم من روج آفا أو روجهلات، ولا يزال هناك ما لا يقل عن 200 من هؤلاء الأشخاص المحرومين من جميع الحقوق الإنسانيّة الأساسيّة كزيارةِ الأهل، توكيل محامي وغير ذلك من الحقوقِ الأساسيّة، بالإضافة إلى وجود ما لا يقل عن 350 معتقلة في 16 سجناً في مختلفِ أنحاء تركيا، يتعرّضن لضغوطٍ شديدةٍ خاصةً في ظلِّ العقليّة السلطويّة الذكوريّة التي تتحكمُ بها سلطات السجون والمعتقلات التركيّة. كما يوجد ما يُقارب من 400 معتقل محكوم عليهم بالسجن المؤبد المشدّد في الحبس الانفراديّ منذ سنوات وهم معزولون عن العالم وهذا ما يتعارض مع قرار المحكمة الأوروبيّة لحقوق الإنسان لعام 2013، فهذه الممارسات لا تنتهكُ السلامة الجسديّة فحسب، بل تنتهكُ السلامة النفسيّة وتستبيحُ كرامة الإنسان بشكلٍ ممنهج.
الاستمرار في الاعتقال رغم انتهاء العقوبة
تتجاهل السلطات الفاشية التركيّة تطبيقَ العديد من القوانين الدوليّة المتعلقة بحقوق الإنسان وحقوق السجناء ومعاملتهم التي أقرّتها المنظمات الحقوقيّة الأوروبيّة مثل لجنة مناهضة التعذيب الأوروبيّة CPT ومجلس حقوق الإنسان الأوروبيّ وغيرها من المؤسسات الدوليّة، خاصةً تلك التي تقول عنها بأنّها تتعارض مع قوانينها الداخليّة. لكنها؛ في حقيقة الأمر تنتهك حتى تلك القوانين التي قامت هي بنفسها بوضعها.
هناك المئات من السجناء الذين أنهوا فترة الحكم واحتفظت سلطات السجون بهم لمدة تتراوح بين ستة أشهر وسنة ونصف حسب ما تراه إدارة السجون والمراقبة. وبحسب تقرير صادر عن مديرية لجنة السجون قرأته “بيريفان بكجي” جاء فيه: “تُرتكب انتهاكات في السجون بشكل ممنهج، وقد تحولت إلى أزمة خطيرة في مجال حقوق الإنسان، تُقدم إلينا مئات الطلبات من السجون يومياً، مما يُظهر حجم الانتهاكات، حيث يُنتهك؛ التعذيب وسوء المعاملة، العقوبات الانضباطيّة التعسفيّة، النفي، عرقلة عمليات إخلاء سبيل المعتقلين، منع المشاركة في الأنشطة الاجتماعيّة، انتهاك الحق في الحصول على المعلومات والحق في الصحة وما إلى ذلك، بشكلٍ ممنهج، ونتيجة لذلك، بذلك يُترك مصير المعتقلين للموت، لم تعد هذه الحالات حالات استثنائيّة، بل أصبحت هي القاعدة”.
انتهاكات جسيمة خاصة ضد المرضى
الظروف السيئة التي يعيشها المعتقلون السياسيون خاصة تُسبب أمراض حتى للأشخاص الأصحاء، فما بالك بالذين يُعانون من أمراض مزمنة، وتتم مضايقة المعتقلين المرضى في مسألة الحق في العلاج والحصول على الدواء من خلال فرض إجراءات تعسفيّة بحقهم مثل تقييد أيديهم وأرجلهم خلال العلاج بالإضافة إلى تفتيش غير إنسانيّ لأجسامهم، الأمر الذي يدفع بهؤلاء المرضى إلى تجنب الذهاب إلى المشافي العسكريّة.
يُحرم العديد من المعتقلين المرضى من العلاج، ويُمنع إطلاق سراحهم تعسفيّاً، غالباً ما تُعدّ هيئة الطب الشرعيّ تقارير “تسمح لهم بالبقاء في السجن” بعيدة كلّ البعد عن البيانات الحقيقيّة، ولا يتم إطلاق سراح عمن يُبلغون عنهم بــ “عدم قدرتهم على البقاء في السجن” بحجج وذرائع واهية تُمثّل بأنَّهم “خطراً على المجتمع”.
حق الأمل المرفوض تركيّاً
الإفراج المشروط أو ما يُعرف بـ “حق الأمل”، هو عبارة عن قرار تقدّمت به المحكمة الأوروبيّة لحقوق الإنسان في العام 1950 وتم تطبيقه للمرة الأولى في ألمانيا سنة 1977 من جانب المحكمة الدستوريّة، هذا الحق هو عبارة عن أمل لكلّ محكوم بالمؤبد في منحه فرصة جديدة لكي يكون مهيئأً للانخراط في الحياة الاجتماعيّة مرةً أخرى بعد قضاء سنوات طويلة من حياته بين جدران السجن، لكن السلطات التركيّة ترفض منح هذا الحق للقائد والمفكر عبد الله أوجلان، وقد برزت هذه القضية مرةً أخرى بعد دعوة رئيس حزب الحركة القوميّة التركيّة “دولت بهجلي” بضرورة إجراء تعديلات قانونيّة ويطبق بحق القائد أوجلان من هذا الحق.
جدير بالذكر إنّ المحكمة الأوروبيّة لحقوق الإنسان كانت قد عبّرت عن وجهة نظرها حيال حق الأمل للقائد أوجلان في قرارها الصادر في آذار 2014 معتبرةً إنّ السجن حتى الموت دون “حق الأمل” في تركيا، يُعتبر انتهاكاً للبند 3 من الاتفاقية الأوروبيّة لحقوق الإنسان، وكانت “ميرال دنيش بشتاش” نائبة رئيس كتلة حزب DEM في البرلمان والنائبة عن مدينة أرزروم، قد تقدّمت إلى البرلمان بمقترح إجراء تعديلات على بعض القوانين من أجل تنفيذ الإفراج المشروط بعد قضاء 25 سنة في السجن المشدّد مدى الحياة في 30 أيلول 2024 دون أن تتم مناقشة الاقتراح من جانب البرلمان التركيّ.
مصير المعتقلين السياسيين في ظل مبادرة السلام
طالما دخلت الحكومة التركيّة في مسار الحل السياسيّ للقضية الكرديّة بعد المبادرة التاريخية التي أطلقها القائد والمفكر عبد الله أوجلان في 27 شباط 2025، فيجب عليها اتخاذ خطوات عملية تُثبت من خلالها صدق نواياها حول انخراطها بشكلٍ عملي في عملية السلام، خاصةً بعد أن وافق حزب العمال الكردستانيّ على نداء قائده وقام بعقد مؤتمره الثاني عشر ومن خلاله أنهى مرحلة الكفاح المسلح والبدء بمرحلة الكفاح السياسي، ومن أهم هذه الخطوات هي مسألة المعتقلين السياسيين الكرد والذين يتم تطبيق نظام يُسمّى “نظام الإنفاذ” الذي بموجبه يتم الاحتفاظ بالمعتقل حتى بعد انتهاء المدة القانونيّة لحكمه الذي حكمت عليه المحكمة وخاصةً الذين قضوا أكثر من 30 عاماً في السجون والمعتقلات التركيّة. هذا النظام وهذه السياسة التي يتم تطبيقها لحق النساء المعتقلات والمرضى والسياسيين هي انحراف واضح عن سيادة مبادئ القانون وعبارة عن عقليّة انتقاميّة.
خطوة أولى على طريق السلام
جاءت عملية إطلاق سراح المناضل “ويسي أكتاش” الذي ظهر في صورةٍ ومقطع فيديو بجانب القائد عبد الله أوجلان، كخطوةٍ إيجابيّةٍ رغم تأخرها. وهي تعتبر إشارة رمزيّة إلى السير على طريق السلام كونها أول عملية إطلاق سراح من معتقل جزيرة إمرالي التي يوجد فيها القائد أوجلان، فالمناضل أكتاش الذي نُقل إلى معتقل وسجن إمرالي في العام 2015 خلال مرحلة المسار السياسيّ الذي كان يجري بين السلطات التركيّة والقائد أوجلان، كان قد أمضى فترة حكمه البالغة 30 عاماً بتاريخ 28 نيسان 2024 إلا أنّ سلطات مجلس إدارة السجن والمراقبة قامت بتأجيل إطلاق سراحه لعدة فترات بلغت سنة و3 أشهر إلى أن تمَّ إطلاق سراحه في 25 تموز الجاري.
لكن يبقى في السجون والمعتقلات التركيّة عشرات الآلاف من المعتقلين السياسيين ومعتقلي الرأي المعارض لرأي وتوجهات السلطات التركيّة، أبرزهم القائد والمفكر الكبير عبد الله أوجلان، بالإضافة إلى الرئيسين المشتركين لحزب الشعوب الديمقراطيّة صلاح الدين دميرتاش وفيغان يوكسكداغ، وعشرات نواب الحزب ورؤساء بلديات منتخبين وغيرهم ممن يجب على السلطات التركيّة الإسراع في إسقاط التهم عنهم وإطلاق سراحهم للانخراط بقوة في العملية السياسيّة القائمة الآن.
وأخيراً
رغم التوجه العملي للقائد عبد الله أوجلان وحزب العمال الكردستاني نحو عملية الحل السياسيّ والقانوني للقضية الكرديّة والقيام بخطواتٍ عملية في هذا الاتجاه، إلا أن السلطات التركيّة ما تزال ترفض إطلاق سراح الآلاف من المعتقلين السياسيين الذين أكملوا مدة تنفيذ حمكهم القانونيّ لأسباب نظريّة وغير قانونيّة، مثل سياسة “عدم الندم”، حيث تقوم المجالس الإداريّة والرقابة التابعة للسجون والمعتقلات، كآليات قضائيّة موازية، إلى تعليق إطلاق سراح المعتقلين بقرارات تعسفيّة، وتُصدر أحكاماً عليهم مرةً أخرى، وحتى الآن، فقد مئات المعتقلين السياسيين حقهم في إخلاء السبيل بسبب هذه المجالس، كما تكررت حالات منع إطلاق سراح المعتقلين المصابين بأمراضٍ خطيرةٍ، ويتواجد في السجن ما يصل إلى 359 معتقلاً انتهت مدة حكمهم القانوني لهذه الأسباب.
No Result
View All Result