No Result
View All Result
نحو أفق ديمقراطي
د. طه علي أحمد
في ظل التحولات السياسية الإقليمية المتسارعة، خاصةً ما تشهده سوريا من مساعي لإعادة الاندماج الطبيعي مع محيطها الإقليمي، تبرز الحاجة الملحة إلى إعادة التفكير في مفهوم بناء الأمة ومَن يملك الحق في تمثيلها. وهنا تبرز “الأمة الديمقراطية” كبديلٍ جذري يرفض النماذج المركزية السلطوية، ويطرح التشاركية كجوهر للتماسك الاجتماعي والسياسي.
فالأمة الديمقراطية ليست كيانًا مرتبطًا بالحدود الجغرافية أو الانتماء القومي الصلب، بل هي تصور سياسي واجتماعي يقوم على الاعتراف بالتعددية، وتمكين المجتمعات المحلية، وإدارة الشأن العام بشكلٍ تشاركي على النمط الذي اهتدى إليه مفكر بقيمة القائد عبد الله أوجلان بعد نقدٍ عميق للدولة القومية وتتبع أزماتها المنبثقة عن طبيعتها السلطوية والتي لم تجنِ منها البشرية سوى المزيد من استعباد المجتمع واستغلاله لصالح الدولة القومية كأداة مكرسة للاستبداد والإقصاء. وفي المقابل ارتكزت الأمة الديمقراطية على المجتمع كغاية عُليا كبديل للدولة، وهو المنطق الذي يتعزز من خلاله الحكم الذاتي المجتمعي كبديلٍ يجعل التعايش أحد السبل المعبرة عن تماسك المجتمع وقوته.
سوريا والحاجة للتشاركية كأداة مقاومة للاستبداد
في السياق السوري، الذي طُبِع لعقودٍ بالحكم المركزي والاستبدادي، تم تهميش الأصوات المحلية والهوامش المجتمعية، سواء القومية أو الطائفية أو الطبقية، وعندما انطلقت الثورة السورية عام 2011، كانت من أبرز شعاراتها “الشعب يريد”، وذلك في إشارة واضحة إلى توق السوريين لإعادة ملكية القرار إلى المجتمع، لكن إعادة تأهيل النظام السوري اليوم من دون تكريس المحاسبية أو إعادة هيكلة حقيقية، تُعيد إنتاج المنظومة نفسها التي جرَّدت السوريين من إرادتهم. وهنا تأتي التشاركية – بمفهومها في الأمة الديمقراطية – كأداة تحررية لإعادة تشكيل السلطة من القاعدة إلى القمة، لا العكس.
ولهذا؛ فإن المساعي المزعومة من جانب السلطة في دمشق لتطبيق العلاقة مع عموم السوريين لا تتوافق بالضرورة مع متطلبات مرحلة بناء سوريا الجديدة، بل إنها تمضي في إطار التسويات السياسية التي تفرضها توازنات دولية وإقليمية بالأساس. وفي هذا السياق، فإن التشاركية تُعيد الاعتبار للمجتمع المحلي، باعتباره الفاعل الأول في عملية البناء. فالتشاركية تعني – بالمقام الأول – تمكين المجتمعات من اتخاذ القرار في قضايا التعليم، الاقتصاد، العدالة، والثقافة. وتعني أيضًا تمثيل المكونات المجتمعية كافة – عرب، كرد، ودروز وسريان، تركمان، علويين، سنة، مسيحيين، دون إقصاء أو هيمنة، وهو ما يتناقض جذريًا مع الرؤية الأحادية التي يُعاد تسويقها عبر جهود التطبيع التي تزعم السلطة تبنيها.
التشاركية وتجاوز أزمة الدروز
في هذا الإطار، تبرز الأزمة الجارية التي تعاني منها الطائفة الدرزية بالجنوب السوري، كمثالٍ واضح على فشل الدولة القومية المركزية في احتواء التنوع، وضمان العدالة السياسية والاجتماعية. فرغم المواقف الوطنية التي اتخذها المجتمع الدرزي، خاصةً في رفضه للهيمنة الأمنية ورفضه الانخراط في الحرب الأهلية، ظلّ مُهمَّشًا سياسيًا واقتصاديًا، دون تمثيل حقيقي في القرار السوري. وهنا تفرض التشاركية، كما وردت في إطار “الأمة الديمقراطية”، نفسها كحلٍ عادل ومستدام، من خلال تمكين المجتمع الدرزي من إدارة شؤونه الذاتية بحرية، ضمن إطار لا مركزي يضمن له حقه في التعبير والمشاركة وصياغة مستقبله، فهذا النموذج لا يمنح الدروز فقط الاعتراف، بل يحمي التنوع السوري برمّته، ويؤسس لعقدٍ اجتماعي جديد يقوم على الإرادة المجتمعية لا على التبعية المفروضة.
مأساة العلويين وحتمية التشاركية
بموازاة ذلك، لا يمكن تجاهل ما يمر به المجتمع العلوي في مناطق الساحل السوري، خاصةً بعد المذابح المؤلمة التي استهدفت مدنيي هذه المناطق مؤخرًا، وأعادت فتح جراح قديمة تراكمت بفعل سياسات الدولة القومية التي زجّت بالطائفة العلوية في موقع تقاطع خطير بين السلطة والمجتمع، فالمأساة التي يعيشها العلويون اليوم ليست مجرد نتيجة لصراعات طائفية، بل هي أيضًا نتاج لعقود من التوظيف السياسي والهندسة الديموغرافية التي جعلت من الطائفة درعًا للنظام، ودريئةً لغضب شعبي لم تكن هي صانعته. وهنا تُصبح التشاركية الديمقراطية، بمثابة الضرورة الوجودية التي تضمن للعلويين حقهم في الأمن والتمثيل الذاتي، وتحميهم من أن يكونوا رهائن لصراعات لا تمثلهم، فبمنح المجتمعات القدرة على إدارة شؤونها ضمن إطار لامركزي وعادل، يمكن كسر حلقة الاستغلال السياسي للطوائف، وخلق بيئة يشعر فيها الجميع بالأمان والكرامة والمساواة، بغض النظر عن ماضيهم أو انتمائهم.
نحو أفق ديمقراطي
لذلك، ولاعتبارات أخرى، من غير المتصور نجاح أية مساعي تزعم السلطة تبنيها من أجل بناء الأمة في سوريا الجديدة من خلال التفاهمات الفوقية التي تتجاهل المطالب الشعبية؛ لاسيما وإن “الأمة الديمقراطية” تقدّم تصورًا عادلًا وشاملًا، يرتكز على التشاركية والاعتراف، ويقوّض منطق المركزية الذي طالما كان سببًا في تمزيق نسيج المجتمع السوري على أُسس طائفية وعرقية. هنا نرى أنه إذا واصلت السلطة الحاكمة نهجها الحالي بعيداً عن ترسيخ قيم المحاسبية لاسيما بشأن الجرائم اللاإنسانية التي تعرض لها سوريو الساحل والدروز وغيرهم، والإعلان سريعاً عن نهج إصلاحي حقيقي، فلن ينتظر السلطة القائمة بل وعموم المجتمع السوري سوى خطر إعادة إنتاج الأزمة تحت غطاء “الاستقرار” الظاهري، وهو استقرار هش مبني على الإنكار والتهميش. لتبدو التشاركية المحاطة بقيم وفلسفة الأمة الديمقراطية السبيل لبناء أمة ديمقراطية صلبة على الأرض السورية، بل كفضاءٍ تعددي يُدار من الأسفل إلى الأعلى، على قاعدة العدالة الاجتماعية، التشاركية، والتمثيل الحقيقي.
الغاية إذن، أن التشاركية هنا ليست مجرد آلية إدارية، بل جوهر مشروع تحرري شامل، يُحرر السوريين من ثِقَل المركز، وينقلهم إلى فضاء وطني مفتوح على التنوع والتعدد والكرامة. بل إن هذا المشروع لا يتصادم مع فكرة وحدة سوريا، بل يعيد تعريفها على أُسُسٍ حقيقية؛ وحدة نابعة من التوافق المجتمعي، لا من القمع؛ من الإرادة المشتركة، لا من الخوف المشترك.
No Result
View All Result