No Result
View All Result
رامان آزاد
بعدما نفت اللجنة الوطنيّة للتحقيق بكلماتٍ معدودةٍ وقوعَ حوادثِ اختطافِ نساءٍ في الساحل السوريّ، دعت منظمةُ العفو الدوليّة رسميّاً الحكومة السورية الانتقالية لتحمل المسؤوليّة وإجراءِ تحقيقٍ فوريّ وشامل ومحاسبة الجناة. وفيما نشرتِ العديدُ من الوكالات الإعلاميّة تقاريرَ موثقةً باختطافِ نساءٍ علويّاتٍ ركنت سلطةُ دمشق إلى ثلاثِ قصصٍ لنساءٍ ظهرن بعد اختفائهن المحدودِ، وزعمن أنّهن هربن من عوائلهن بقصدِ الزواجِ، رغم حقيقةِ أنّ ظاهرة هروبِ الفتيات نادرةٌ في مجتمعِ الساحلِ المنفتح.
سلطات دمشق تتحمل المسؤوليّةً
دعت منظمة العفو الدوليّة “أمنستي” الاثنين 28/7/2025 سلطات دمشق إلى إجراء تحقيقٍ فوريّ شاملٍ ونزيهٍ في حوادثِ اختطافٍ طالت عشرات النساء والفتيات من الشعب العلوي خلال الأشهر الأخيرة، ومحاسبة الجناة. فيما تشير تقارير إلى أنّ الشرطة والمسؤولين الأمنيين غالباً ما فشلوا في محاسبة المتورطين، وألقوا اللوم في بعض الأحيان على العائلات نفسها.
وتأتي هذه المطالبات في وقت تواجه فيه الحكومة السوريّة اتهامات من منظمات ونشطاء بغضّ الطرف عن انتهاكات حقوق الإنسان من أطراف متعددة، ما يشير إلى أنّ الأزمة الحقوقيّة والإنسانيّة ما تزال قائمة وتتخذ أشكالاً جديدةً.
وأفاد تقرير المنظمة بأنّها وثّقت ثماني حالات من إجمالي 36 حالة خطف واحتجاز، طالت نساء وفتيات علويات منذ شباط في محافظات اللاذقية، وطرطوس، وحمصن وحماة. ووثقت أيضاً “اختطاف خمس نساء علويات وثلاث فتيات علويات دون سن الـ18، في وضح النهار”. وأوضحت أنَّ العائلات أبلغتِ السلطات، لكن في معظم الحالات “فشلت أجهزة الشرطة والأمن بالتحقيق بفاعليّة”، فيما عادت ضحيتان من إجمالي ثماني إلى عائلتيهما.
وقالت الأمينة العامة لمنظمة العفو الدوليّة، أغنيس كالامار: “لقد هزّت موجة الخطف الطائفة العلويّة، التي سبق وعانت من مجازر سابقة”، مضيفة: “تخشى النساء والفتيات مغادرة المنزل أو السير بمفردهن”.
ودعت أغنيس سلطات دمشق للتحرك بسرعةٍ وشفافيّةٍ لتحديد أماكن النساء والفتيات المفقودات، وتقديم الجناة إلى العدالة، وتزويد الأسر المتضررة بالمعلومات والدعم بالوقت المناسب، مع مراعاة الفوارق بين الجنسين والمصداقيّة: “سلطات دمشق تتحمل مسؤوليّةً قانونيّةً وأخلاقيةً لمنع العنف القائم على النوع الاجتماعيّ ومعاقبة مرتكبيه، وعدم القيام بذلك يُعد انتهاكاً لحقوق الإنسان”.
وأشارت أغنيس كالامار، إلى أنّ “النساء في سوريا يستحقن العيش بحرية دون خوف من الإساءة والتمييز والاضطهاد، ويجب أن تكون التحقيقات سريعة وشاملة، بقيادة محققين مستقلين يتمتعون بإمكانية الوصول الكامل إلى الموارد اللازمة، فيجب السعي إلى المساءلة وتقديم التعويضات”.
وتشير هذه المطالبات إلى تدهور الوضع الأمنيّ في مناطق سيطرة الحكومة السوريّة الانتقاليّة، فقد أصبحت النساء، وخاصة من الشعب العلوي، عرضة للاختطاف، فيما تشير تقارير إلى طلب فديات وتهديدات للعائلات، وإرسال صور لضحايا تعرضن للتعذيب، ما يؤكد أنّ هذه الحوادث ليست فرديّة عشوائيّة، بل قد تكون جزءاً من شبكاتٍ إجراميّةٍ منظمةٍ.
ويرى نشطاء، أنّ النساء في سوريا يدفعن ثمناً باهظاً للنزاعاتِ والصراعات، فالاختطاف والابتزاز والتعذيب عنف قائم على النوعِ الاجتماعيّ، واتفاقم هشاشةَ أوضاعِ الفتياتِ.
ومنذ آذار الماضي، تشهد وسائل التواصل الافتراضيّ تدفقاً لا يتوقفُ للرسائل والمقاطع المصورة التي تنشرها عائلات العلويات المفقودات، يتوسل أقاربهن فيها لمعرفةِ أيّ معلومات عنهن. ووفقاً لمراجعة أجرتها رويترز تظهر يوميّاً حالات جديدة تقريباً، دون أن تتوصل الوكالة لروايات على الإنترنت عن اختفاء نساء من شعوب أخرى.
وقالت لجنة الأمم المتحدة للتحقيق حول سوريا لرويترز: إنّها تحقق فيما يقال إنّها اختفاءات واختطافات لعلويات بعد تزايد التقارير الواردة هذا العام. وقال متحدث باسم اللجنة، إنّها سترفع تقريرها إلى مجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة فور انتهاء التحقيقات.
وقال رئيس اللجنة باولو سيرجيو بينيرو الجمعة 27/6/2025 في عرض أمام مجلس حقوق الإنسان، إنّ اللجنة وثّقت اختطاف ست علويات على الأقل في ربيع هذا العام على يد مجهولين في محافظات سوريّة. وأضاف أنّ مكان اثنتين على الأقل منهن لا يزال مجهولاً، مضيفاً أن اللجنة تلقت تقارير موثوقة عن المزيد من عمليات الخطف.
أختك.. ما بترجع
نشرت وكالة رويترز في 27/6/2025 تقريراً بعنوان: “لن تعود… خطف العلويات في شوارع سوريا”. عن حالات اختطاف طالت نساء من الشعب العلوي، وأورد التقرير قصة خطف الفتاة “عبير سليمان” (29 سنة) في 21/5/2025 من شوارع مدينة صافيتا، وبعد اختفائها بساعات تلقت عائلتها رسالة عبر تطبيق واتس آب قال فيها المتصل: “لا تنتظرها… لا تنتظر أختك.. ما بترجع”.
وقال خاطف عبير، وشخص آخر عرّف عن نفسه بأنّه “وسيط” في رسائل واتصالات لاحقة إنّ عبير ستُقتل، أو تُباع ضمن عمليات الاتجار بالبشر، إذا لم يدفع أقاربها فدية 15 ألف دولار. وقالت عبير نفسها في اتصالٍ مع عائلتها في 29 أيار من رقم الهاتف نفسه الذي يستخدمه خاطفها، والذي كان يحمل رمزاً عراقيّاً: “أنا ماني بسوريا… كلّ الحكي حولي غريب ما بفهم”.
واطّلعت رويترز على الاتصال الذي سجلته الأسرة، إلى جانب نحو 12 مكالمة ورسالة أرسلها الخاطف والوسيط الذي كان يتواصل من رقم هاتفٍ سوريّ.
وذكر أحد أقرباء عبير لرويترز، أنّ العائلة اقترضت أموالاً لجمع فدية بـ 15 ألف دولار، وحوّلتها إلى ثلاثة حسابات مختلفة في مدينة إزمير التركية في 27 و28 أيار عبر 30 تحويلاً بمبالغ تراوحت بين 300 و700 دولار. وعرض قريبها إيصالات المعاملات. وأوضح القريب أنّه بعد تحويل الأموال وفقاً للتعليمات التي تلقوها، توقف الخاطف والوسيط عن الاتصال وأغلقا هواتفهما. ولا تزال عائلة عبير تجهل مصيرها.
وكالة DW الألمانيّة تابعت القضية واطلعت على إيصالات تحويل ووثائق شخصيّة لمستلمي الحوالات تثبت أنّهم سوريون حاصلون على لجوءٍ مؤقت في تركيا. كما اطّلعت DW على وثائق مشابهة لتحويل فدية إلى تركيا في حالةِ خطفٍ ثانية.
أقسم بالله ببعتا بدما
وأظهرت المقابلات مع عائلات المفقودات أنّ معظمهن اختفين في وضح النهار، أثناء قيامهن بمهام، أو تنقلهن في وسائل النقل العام. وأصغرهن سناً فتاة اسمها زينب (17 سنة).
قال أحد أفراد أسرة زينب، إنّها اُختطفت في 17/2/2025، عندما كانت في طريقها إلى المدرسة في بلدة الهنادي في اللاذقية، وتواصل معهم من يشتبه بأنّه الخاطف عبر رسالة نصيّة يحذرهم من نشر صور الفتاة على الإنترنت. وقال في رسالة نصيّة أرسلها من هاتف الفتاة يوم اختفائها: “مثل ما نبهتكن صورة ما بدي شوف، أقسم بالله ببعتا بدما”. وذكر قريبها أنّ زينب اتصلت هاتفيّاً لفترة وجيزة بمنزلها، وقالت إنّها لا تعرف إلى أين اقتيدت، وأنّها تعاني من آلام بالمعدة قبل انقطاع الخط.
وفي 18/3/2025، اختطفت مجموعة من خمسة مسلحين المواطنة خزامى نايف (35 سنة) في ريف حماه، وهي أم لخمسة أولاد، وأفاد قريبها لوكالة رويترز: بأنّ الخاطفين خدّروها لتغيب عن الوعي لبضع ساعات خلال اقتيادها بعيداً. وأمضت خزامى أسبوعين في الخطف، تفاوض خلالها الخاطفون مع أسرتها التي دفعت بالنهاية 1500 دولار لإطلاق سراحها. وأضاف أنّها عندما عادت إلى المنزل كانت منهارة عصبيّاً.
وبعد اختطاف خزامى بأيام، وفي بلدة سلحب بريف حماه اختطفت مجموعة المواطنة دعاء عباس، (29 سنة)، من أمام باب منزلها وجروها إلى سيارة كانت تنتظر بالخارج، وانطلقوا بها بسرعة. وشهد قريبٌ لها خطفها وأفاد بأنّه لم يرَ عددَ الرجال الخاطفين أو إذا كانوا مسلحين، وأنّه حاول اللحاق بهم على دراجته الناريةّ، لكن السيارة غابت عن نظره.
اختطاف وابتزاز
عبير واحدة من بين 33 امرأة وفتاة علويّة على الأقل، أعمارهن بين 16 ــ39 عاماً تعرضن، وفق أسرهن، للخطف أو الاختفاء هذا العام في ظل الاضطرابات التي أعقبت سقوط النظام. وأظهرت مقابلات مفصلة مع عائلات 16 امرأة وفتاة مفقودات أنَّ سبعة منهن يعتقد أنّهن اختطفن إذ تلقت عائلاتهن طلبات لدفع فدية تتراوح بين 1500 حتى 100 ألف دولار. تلقى أقارب ثلاث مختطفات بينهن عبير رسائل نصيّة، أو صوتيّة تخبرهم بأنّهن نقلن إلى خارج البلاد. ولم تتوفر أيّ معلومات عن مصير التسع الأخريات. ووفق العائلات فإنّ ثماني من العلويات المفقودات تقل أعمارهن عن 18 عاماً. واطلعت رويترز على نحو 20 رسالة نصيّة ومكالمة ومقطع فيديو من المختطفات وخاطفيهن المفترضين، إضافة لإيصالات بعض تحويلات الفدية، لكنها لم تتمكن من التحقق من جميع تفاصيل روايات العائلات أو تحديد الذين قد يكونون وراء استهداف النساء أو دوافعهم.
واختفت النساء الـ33 في محافظات طرطوس، واللاذقية، وحماة، التي تقطنها أعداد كبيرة من العلويين. وعاد نحو نصفهن إلى ديارهن بعد ذلك، إلا أنّ جميعهن وعائلاتهن امتنعن عن التعليق على ملابسات ما حدث معهن، وأرجع معظمهم ذلك إلى مخاوف أمنيّة.
تعنيف يوميّ وإهانة ممنهجة
في 10/7/2025 نشرت وكالة DWالألمانيّة تقريراً حصريّاً تضمن قصص مختطفات سوريات، إحداهن نورا، وهي شابة عشرينيّة وأم لطفل رضيع لم يكمل العام، بقيت محتجزة لنحو شهر في قبو وشهدت فيه مختلف أصناف التعذيب الجسدي والنفسي، وفق إفادتها. وكانت في طريقها لاستلام حصة مساعدات غذائيّة قرب مدينة جبلة عندما اعترض طريقها رجال مسلحون ملثمون، خرجوا من سيارة تحمل لوحة محافظة إدلب. وسألوها عن خلفيتها الدينية، ولدى إجابتها بأنّها علوية، جروها بعنف إلى السيارة وعصبوا عينيها.
تقول نورا لفريق DW: “كنت أتعرض يوميّاً للشتم والضرب المبرح حتى أفقد الوعي”. وانتزع طفلها منها، وحاول الخاطفون إجبارها على توقيع أوراق، تبين لها لاحقاً أنّها عقد قران على شخص لا تعرفه. وتتابع نورا: “بالطبع رفضت، فأنا متزوجة، وعندما رفضت أمعنوا أكثر في تعذيبي”. وفي شهادتها ذكرت نورا أنّها كانت تتعرض للشتم الطائفيّ أثناء احتجازها “كانوا يقولون عنا خنازير وكفرة”.
بالوقت نفسه كان الخاطفون يرسلون صور نورا تحت التعذيب إلى عائلتها للضغط عليها وإجبارها على دفع فدية. وبالنهاية دُفعت الفدية وخرجت نورا من الاحتجاز، وهي الآن تعيش بأمان خارج سوريا، وهي قيد العلاج بسبب إصابات.
وقال تقرير DW: “إنّ قصة نورا ليست الأولى وأنّه منذ بداية العام الجاري تمّ توثيق أكثر من أربعين حالة اختفاء لنساء سوريات”، بحسب الناشط الحقوقيّ باسل يونس في مقابلة مع DW. وأنّ “الغالبية العظمى للنساء المختفيات ينتمين مثل نورا إلى الطائفة العلوية”؛ والتي يتم تكفيرها لأسباب عقائديّة بحتة. ويقول باسل يونس: “النساء المختطفات في هذا السياق لسن مجرد ضحية وقعت بالصدفة بيد شبكات إجراميّة، بل تستخدم هنا كسلاح حرب لفرض نوع من الإخضاع الرمزيّ والسياسيّ للطائفة بأكملها”.
خلال عمليات بحث استغرقت ستة أسابيع تمكنت DW من التحدث مع عشرة من العائلات المعنية أو الناجيات، وحصلت على أدلة مقنعة حول عدد أكبر من حالات الخطف. أغلب المعنيين يخشون التحدث للإعلام، ويستبد بهم مزيج من الخوف والعار.
إهمال أمنيّ وفبركة قصص زواج
وشهد الساحل السوريّ في آذار الماضي أعمال عنف على خلفيّة طائفيّة، أودت خلال ثلاثة أيام بحياة 1682 شخصاً، غالبيتهم الساحقة علويون، وفق المرصد السوريّ لحقوق الإنسان. وفي 22/7/2025، عقدت “اللجنة الوطنيّة لتقصّي الحقائق” المكلفة بالتحقيق في أحداث الساحل مؤتمراً صحفيّاً أعلنت فيه توثيق أسماء 1426 من الضحايا، مشيرةً إلى “انتهاكات جسيمة” شهدتها المنطقة. ولكنها أكّدت أنّها “لم تتلقَّ بلاغاتٍ عن اختطافِ نساء”.
وقالت أغلب الأسر التي أجرت رويترز مقابلات معها: إنّها “شعرت بأنّ الشرطة لم تأخذ قضاياها على محمل الجد عندما أبلغت عن الاختفاء أو الخطف، وأن السلطات لم تجر تحقيقات وافية”. ولم ترد الحكومة السوريّة الانتقالية على طلب للتعليق على هذه القصة.
ونفى أحمد محمد خير مدير العلاقات الإعلاميّة بمحافظة طرطوس اختطاف نساء علويات، وقال: إنّ “معظم حالات اختفاء النساء سببها نزاعاتٌ عائليّةٌ أو أسبابٌ شخصيّة، وليست عمليات خطف”. وأشار إلى “احتمالِ أنّ يكون لدى المختفية مشاكل عائليّة، وهربت من البيت، أو أنّ أهلها يجبرونها على الزواج فتهرب، أو أنّها تريد إشغال بال أهلها وتشعرهم بقيمتها وممكن مخطوفة”. وتابع قائلاً: “هذه الادعاءات المتداولة دون تحقق، تساهم بنشر الذعر وزرع الفتنة ومحاولة زعزعة الأمن والاستقرار، خصوصاً في محافظة طرطوس”.
والذرائع نفسها كررها مدير العلاقات الإعلاميّة في محافظة اللاذقية، وقال في كثيرٍ من الأحيان تهرب نساءٌ مع رجالٍ على علاقة عاطفيّة بهن، ويختلقُ الأهل قصصَ الخطف لتجنبِ الوصمة الاجتماعيّة. فيما رفض مسؤول الإعلام بمحافظة حماة التعليقَ. ورفض عضو لجنة تقصي الحقائق، التعليقَ على حالات النساء المفقودات. واعتذرت وزارة الداخلية لوكالة DW للتصريحِ حول حالات اختفاء نساء علويّات والتعليق على الموضوع.
وظهرت ثلاث علويات أبلغت عائلاتهن عن اختفائهن على وسائل التواصل الافتراضيّ هذا العام، ونفين علناً خطفهن. والثلاثة لم يشملهن تقرير حالات رويترز الـ33.
طرحت أعمال العنف التي طالت الشعب العلوي ثم الدرزي الشهر الحالي أسئلة حول قدرةِ السلطة الانتقاليّة على تحقيق الأمن والاستقرار واتخاذ إجراءات العدالة والتعامل مع الطوائف والشعوب السوريّة.
No Result
View All Result