زاوية الدين والحياة ـ علي زاخراني
نهى الله عن قتل النفس بغير الحق وأثنى على الذين يجتنبون هذه الجريمة، وتوعّد من يفعلها باللعنة والغضب والعذاب العظيم والخلود في نار جهنم فقال تعالى:﴿ وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عذَاباً عَظِيماً﴾.
إن من الأسس التي قام عليها التشريع الإسلامي حفظ الدماء من الهدر والسفك، ولما تجاهل المسلمون هذه الأسس في بلادهم سُفكت فيها الدماء المحرمة ودُمرت الممتلكات وانتُهكت الأعراض، وانتشر فيها الخوف والجوع، وتشرد سكانها.
وقد اعتبر الإسلام حرمة دم المسلم أشد من حرمة الكعبة، وكان زوال الدين أهون عند الله من قتل رجل مسلم؛ لأن دم المسلم هو أغلى الدماء، التي يجب أن تُصان، وقد بيّن الله سبحانه وتعالى حرمة المسلم ومكانته عند الله تعالى لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (والَّذي نفسي بيدِهِ لقَتلُ مؤمنٍ أعظمُ عندَ اللَّهِ من زوالِ الدُّنيا)، ورغم ذلك وُجد من استهان بقيمة الإنسان وحرمته فاسترخصوا الدماء، واستسهلوا الاعتداء واحتقروا الإنسان؛ إما لطمع دنيوي، أو تأول ديني، أو دافع عنصري وقبلي، أو حراك سياسي، وقد جاءت النصوص تحفظ للإنسان دمه من أن الهدر بغير حق.
وفي هذه الأيام التي نرى فيها سفك الدماء بالليل والنهار، من أجل التصارع على المناصب والسلطات، حيث يُقتل بسبب ذلك الكثير من الناس، ومن أجل ذلك كان لا بد من إرشاد الجميع إلى خطورة هذا الأمر وذلك من خلال القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة.
أولاً: حرمة الدماء في القرآن الكريم: قال الله تعالى: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا}. وقال تعالى: {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ}.
وجعل قتل النفس الواحدة كقتل الناس مبالغة في تعظيم أمر القتل الظلم وتفخيما لشأنه، وإن من رحمته سبحانه بخلقه وحرصه على أمنهم وسلامتهم نهاهم عن أن يقتل بعضهم بعضاً.
فما بال هؤﻻء المتمردين المتوحشين يخالفون أوامر الله فيوقدون نيران الحروب، ويتلذذون بإزهاق أرواح اﻷبرياء، ويسفكون الدماء، ويدمرون البلاد على رؤوس أصحابها من غير أن يقترفوا ذنبا أو يرتكبوا جريمة، فما بالهم يمعنون في الظلم، ويفعلون مثل هذه اﻷمور التي تشمئز منها الوحوش الضارية، لأنهم ﻻ يريدون أن تعيش اﻷمم الضعيفة مستقلة آمنة حرة، فيسيطر عليها كل ظالم جبار، ويتحكم فيها كل سلطان جائر.
فليعلم هؤﻻء، أن الخلق كلهم عيال الله، وأحب خلقه وأقربهم إليه أكثرهم نفعاً لعياله، وأعظمهم رحمة بهم، وأتقاهم لله أتقاهم بعياله، وإنه سبحانه يحب من الناس أن يتعايشوا أخوة، يحب كل فرد منهم ﻷخيه ما يحبه لنفسه، وأن يتعاملوا بالتسامح والعدل.
واعلموا أنه صلى الله عليه وسلم قال: أول ما يُقضى بين الناس يوم القيامة الدماء.
فلو لم يكن القتل من الذنوب الكبيرة لما بدأ الله بالقضاء فيه يوم القيامة.
أيها المسلمون! أيها المؤمنون، أيها اﻹنسانيون، أيها الناس، اجتنبوا قتل النفوس وابتعدوا عن الأسباب التي توصل إليه.
ارجعوا إلى اﻹنسانية، إنسانية حقة محقة وصادقة صدوقة، تمحق كل باطل، وتقوم على كل سلطان يسطو.
يا أصحاب الضمائر تجردوا من الغايات وعودوا إلى ضمائركم الحية.
أيها المؤمنون اتجهوا نحو اﻹيمان الصافي من أدران اﻷغراض، المنزه عن جميع الضلاﻻت والأوهام.
أيها الناس عودوا إلى المحبة واﻹخاء، عودوا إلى المودة والصفاء، عودوا تعُد إليكم حياة اﻷمن والرخاء.